باب
القول في حين الخطاب شرعًا
لا خلاف أن حين الخطاب شرعًا حين البلوغ عن قدرتين:
قدرة فهم الخطاب: وهو بالعقل.
وقدرة العمل به: وهو بالبدن بدليل قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ ولا وسع إلا بعد هاتين القدرتين، وقال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ أي ضيق، وقال: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ أي الثقل فدل رفع الحرج والإصر على رفع ما لا يطاق من طريق الأولى، فدلت آية الوسع أن لا تكليف لأول حال الآدمي لأنه لا قدرة له أصلًا.
ودلت الآية الثانية على سقوطه لأول ما يعقل لأنه يحرج للفهم بأدنى عقله ويثقل عليه الأداء بأدنى قدره البدن أيضًا فلم يخاطب شرعًا لأول أمره حكمة، ولأول ما يعقل رحمة إلى أن يعتدل عقله وقدرة بدنه فيتيسر عليه الفهم، والعمل به ثم وقت الاعتدال يتفاوت في جنس بني آدم، ولا يمكن الوقوف عليه إلا بعد تجربة وتكلف عظيم، فوقت الله تعالى بحال تعتدل لديه العقول في الأغلب على سلامة الفطرة عن الآفات وهو البلوغ.
فقام البلوغ شرعًا مقام اعتدال العقل فتوجه لديه الخطاب وإن لم يعتدل وسقط قبله، وإن اعتدل دفعًا للحرج الذي كان يلحقنا بالوقوف على الاعتدال بالتجربة لكل صبي على ما مر من قبل في فصل بيان إقامة الأسباب مقام العلل الموجبة، وتعطيل العلل في أنفسها تيسيرًا، وقد أيد هذا القول قول النبي ﷺ: "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ"فلا قلم إلا للحساب، ولا حساب إلا بعد الخطاب على ما بينا أن الحساب لا يكون على الوجوب في الذمة بل هو بعد طلب الأداء بالخطاب، والله أعلم.