Shiri don Tarihin Falsafar Musulunci
تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية
Nau'ikan
بدأ الأشعري بكتبه في الرد على المعتزلة، وطريقته في نصرة العقائد الإيمانية على مذهب السلف بالأدلة العقلية، عهدا جديدا تزلزل فيه سلطان الاعتزال، ويقول في هذا الصدد صاحب «مفتاح السعادة»: «ودفع الكتب التي ألفها على مذاهب أهل السنة، وكانت المعتزلة قبل ذلك قد رفعوا رءوسهم فجرهم الأشعري حتى دخلوا في أقماع السمسم.»
60
وإذا كان مذهب الأشعري في محاربة المعتزلة بمثل سلاحهم من أساليب النظر العقلي قد أضعف مذهب الاعتزال، وأذل من طغيانه، فإن سلطان السياسة كان كبير الأثر فيما ناله مذهب الاعتزال من القوة والسيادة أولا، وكان له أثر في نزوله عن عرشه أخيرا.
وقد نقل المؤرخون صورا من جدل الأشعري تمثل لنا روح مذهبه، تناظر الأشعري مع أبي علي الجبائي أحد أئمة المعتزلة (المتوفى سنة 303ه/915-916م)، وكان الجبائي أستاذا للأشعري قبل أن ينتقل هذا عن مذهب الاعتزال: «تناظر مع الجبائي يوما وسأله عن ثلاثة إخوة ماتوا: الأكبر منهم مؤمن بر تقي، والأوسط كافر فاسق شقي، والأصغر مات على الصغر لم يبلغ الحلم، فقال الجبائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، بناء على أن ثواب المطيع وعقاب العاصي واجبان على الله - تعالى - عندهم، وأما الصغير فمن أهل السلامة لا يثاب ولا يعاقب، فقال الأشعري: إن طلب الصغير درجات أخيه الأكبر في الجنة؟ فقال الجبائي يقول الله تعالى: الدرجات ثمرة الطاعات. قال الأشعري: فإن قال الصغير ليس مني النقص والتقصير؛ فإنك إن أبقيتني إلى أن أكبر لأطعتك ودخلت الجنة. قال الجبائي: يقول الباري تعالى: قد كنت أعلم منك أنك لو بقيت لعصيت ودخلت العذاب الأليم في دركات الجحيم، فإن الأصلح لك أن تموت صغيرا، فقال الأشعري: إن قال العاصي المقيم في العذاب الأليم مناديا من بين دركات النار وأطباق الجحيم: يا إله العالمين، يا أرحم الراحمين، لم راعيت مصلحة أخي دوني وأنت تعلم أن الأصلح لي أن أموت صغيرا ولا أصير في السعير أسيرا؟ فماذا يقول الرب؟ فبهت الجبائي في الحال وانقطع عن الجدال.»
61
كان زمن الأشعري قد امتلأ بالفرق ومجادلتها القائمة على أصول فلسفية، وقد كانت الفلسفة منتشرة المذاهب في الناس منذ أمر بتعريب كتبها المأمون في أعوام بضع عشرة سنة ومائتين. قال المقريزي: «واشتهرت مذاهب الفرق من القدرية والجهمية والمعتزلة والكرامية والخوارج والروافض والقرامطة والباطنية حتى ملأت الأرض، وما منهم إلا من نظر في الفلسفة، وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فلم يبق مصر من الأمصار ولا قطر من الأقطار إلا وفيه طوائف كثيرة ممن ذكرناهم، وكان أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري قد أخذ عن أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي ولازمه عدة أعوام، ثم بدا له فترك مذهب الاعتزال وسلك طريق أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن كلاب ونسج على قوانينه في الصفات والقدر، وقال بالفاعل المختار، وترك القول بالتحسين والتقبيح العقليين، وما قيل في مسائل الصلاح والأصلح، وأثبت أن العقل لا يوجب المعارف قبل الشرع، وأن العلوم وإن حصلت بالعقل فلا تجب به ولا يجب البحث عنها إلا السمع، وأن الله - تعالى - لا يجب عليه شيء، وأن النبوات من الجائزات العقلية والواجبات السمعية، إلى غير ذلك من مسائله التي هي موضوع أصول الدين.»
62
وأبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن «كلاب»، كخطاف لفظا ومعنى، كما في «طبقات الشافعية» لابن السبكي، هو عبد الله بن سعيد، ويقال عبد الله بن محمد أبو محمد بن كلاب القطان أحد أئمة المتكلمين، وذكر ابن السبكي أن وفاة ابن كلاب فيما يظهر بعد الأربعين ومائتين بقليل، ونفى ما نسبه إليه محمد بن إسحاق النديم من أنه من أئمة الحشوية، وإن كان يقول إن كلام الله هو الله.
ويقول صاحب «طبقات الشافعية الكبرى» (المتوفى سنة 756ه/1355م): «اعلم أن أبا الحسن الأشعري لم يبدع رأيا ولم ينشئ مذهبا، وإنما هو مقرر لمذاهب السلف، مناضل عما كان عليه صحابة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقا وتمسك به، وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدي به في ذلك، السالك سبيله في الدلائل، يسمى أشعريا ... وقد ذكر شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام أن عقيدته اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية والفضلاء الحنابلة.»
Shafi da ba'a sani ba