1105

أحدهما: أنه تعالى نفى الجناح عنا فيما فعلن هن في أنفسهم وهذا لا يدل على أن ما فعلن هن في أنفسهن جائز؛ لأن انتفاء الجناح عن زيد لا يدل على جواز ما يفعله عمرو، وإذا(1) ثبت هذا فلا بد في الآية من ضمير، وإلا لم يكن لها فائدة، ويحتمل أن يكون المراد بها فلا جناح عليكم أن تعقدوا ما فعلن في أنفسهن بالمعروف، فرفع الجناح بشرط أن /28/ يكون ما فعلن في أنفسهن بالمعروف، والمعروف هاهنا مجمل لا يعرف المراد به إلا بغيره، فوجب أن يكون ماهو شرط فيه مجملا، ووجب أن يرجع إلى غيره، على أن الظاهر أن لنا فيما فعلن في أنفسن فعلا ينفي الجناح عنا فيه، وليس ذلك إلا تولي العقد عليهن، وقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره}، المراد به حصول النكاح، لا ما به يصح النكاح، يكشف ذلك أن المخالف لنا في هذه [المسألة] (2) لا ينكر أن الولي لو زوجها، لدخلت في الآية، فبان ان المراد ليس حصول النكاح من جهتها فقط، وقوله: {فلا تعضلوهن} مما يستدل به على أن الولي يملك أمرها؛ لأن النهي عن الشيء يدل على أن المنهي عنه متمكن من فعله، فلولا أن العضل له حكم لم يكن للنهي عنه معنى، لأن النهي يكون(3) إذا نهيا عما لم يتمكن منه، وذلك لا يصح، ألا ترى أن عضله لو لم يكن له حكم، لكان المنع لا يصح؛ لأنه كان يصح منها أن تتزوج مع المنع، فلا يصح النهي عنه، على أنه قد روي عن الحسن فيما رواه عنه أبو داود في (السنن) (4) وغيره، قال: حدثني معقل بن يسار، قال: كانت لي أخت تخطب، فأتاني ابن عم لي، فأنكحته، ثم طلقها طلاقا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت أتاني يخطبها، فقلت: والله لا أنكحها أبدا ، قال: ففي نزلت هذه الآية: {فإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعظلوهن..} الآية، قال: فكفرت عن يميني، وأنكحتها(1) إياه. ألا ترى أن الله تعالى جعل امتناعه من الإنكاح عضلا، فنهى عنه، فلولا أن نكاحها كان يتعلق به كان لا يكون [ذلك ] (2) عضلا.

ولجاز أن تزوج هي نفسها، فبان أن الآية تدل على ما ذهبنا إليه دون مذهبهم، على أن ما تعلقوا به من هذه الآية إنما هو بيان جواز عقدة النكاح، دون ما به ينعقد، وأخبارنا التي استدللنا بها قد تتضمن بيان ما به ينعقد، وفيه اختلفنا، فصارت بموضع الخلاف أخص، وصار التعلق بها أولى.

فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الأيم أحق بنفسها من وليها) وهذا يوجب تخصيص أخباركم.

قيل له: هذا يوجب صحة مذهبنا، وذلك أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أحق بنفسها من وليها) يوجب أن للولي حقا في نفسها، كما أن لها حقا فيها، إلا أن حقها أوكد؛ لأن لفظة أفعل ظاهرها أنها لا تستعمل بين شيئين(3) إلا في أمر يشتركان فيه، ويكون لأحدهما مزية، وهذا نص مذهبنا؛ لأنا نقول [فيه] (4): إن المرأة إذا خطبها كفؤ، كان لكل واحد من الولي والمرأة حق في العقد؛، لأنه لا يتم عندنا إلا بهما، إلا أن حق المرأة آكد، وذلك أن الولي لو(5) امتنع، أجبر، والمرأة لو(6) امتنعت، لم تجبر، فأما قولهم: إن الولي لا حق له في العقد فإنه لا يصح مع قوله: (أحق بنفسها من وليها).

فإن قيل: ونحن نقول بذلك في موضع آخر(7)، وهو إذا خطبها غير كفؤ، فوجب(8) للولي فيه حقا؛ لأن العقد عندنا إذ ذاك لا يتم إلا بالولي.

Shafi 50