ويستطرد هسرل في شرحه لمعنى موضوعية الموضوع، فيقول: «عندما نحقق فعلا من أفعال المعرفة، أو - كما يحلو لي أن أعبر - عندما نحيا فيه، فإنما ننشغل بالجانب الموضوعي الذي يقصده ذلك الفعل، ويضعه بطريقة معرفية بطبيعة الحال، وكلما كانت معرفتنا معرفة بأدق معاني الكلمة، أي كلما أصدرنا حكما قائما على البداهة، فقد أعطينا الموضوعي عطاء أصيلا. وفي هذه الحالة لا يبدو لنا أننا نواجه الواقعة الموضوعية، وإنما تتمثل هذه الواقعة بالفعل أمام أعيننا كما يتمثل فيها الموضوع ذاته، من حيث ماهيته وما هو عليه؛ أي - تحديدا - على هذا النحو المقصود في هذه المعرفة، لا على نحو آخر؛ أي بوصفه حاملا لهذه الخصائص، وحلقة في هذه العلاقات، وما أشبه ذلك. وهو كذلك لا يبدو لنا بهذه الخصائص، وإنما يتقوم بها الفعل، وبهذه المثابة يعطي لمعرفتنا؛ أي إن المعنى الوحيد لهذا أنه لا يقتصر على أن يبدو لنا كذلك (أو لا يقف الأمر عند حكمنا عليه بذلك)، وإنما يكون قد عرف على ما هو عليه، أو أصبحت كينونته على هذا النحو حقيقة فعلية، متفردة في التجربة الحية للحكم البديهي، فإذا ما تأملنا هذا التفرد، وقمنا بتحقيق التجريد الفكري،
37
أصبحت الحقيقة ذاتها، بدلا من ذلك الجانب الموضوعي، هي الموضوع المدرك؛ عندئذ ندرك الحقيقة بوصفها المتضايف المثالي مع فعل المعرفة الذاتي العابر، ومن حيث هي الحقيقة الواحدة بالقياس إلى التنوع غير المحدود لأفعال المعرفة الممكنة للأفراد العارفين.»
38
لا يقتصر النص السابق، وعلى الرغم من صعوبته، على التعبير عما يعنيه هسرل بالموضوعية، وإنما يتعداه إلى وصف الطريق الذي اتبعه، وتلخيص المنهج الذي سار عليه؛ فنحن حين نحكم حكما قائما على البداهة، أي حين تكون لدينا معرفة دقيقة، فذلك لأن موضوع المعرفة قد أعطي لنا عطاء مباشرا أصيلا. والواقع أن هسرل قد أقام براهينه على فساد النزعة النفسية في فهم المنطق على أساس البداهة، وأثبت أن هذه النزعة تؤدي بالضرورة إلى التناقض. ولا بد في سبيل هذا الإثبات، وتلك البراهين التي تؤمن حقيقة المعرفة، من ظهور الحقيقة المعنية في صورة موضوعية؛ فالمقصود هو الحقيقة التي تصبح موضوعا، أي حقيقة في ذاتها؛ ومن ثم يكون النقد السلبي للشك والنسبية التي تؤدي إليها النزعة النفسية في المنطق قد تمخض عن موضوع إيجابي، كما تكون حقيقة هذا الموضوع، بل الحقيقة في ذاتها، قد خرجت بهذه الصورة الجدلية عن سلب أو تناقض. فكأن تفكيره في وضع منهجه الفلسفي، الذي سيعتمد عليه في الكشف عن حقيقة الموضوع أو موضوعية الحقيقة، قد ارتبط بتفكير نقدي وسلبي في مفارقة أو نقيضة معينة. ولم يكن هذا الارتباط من قبيل المصادفة؛ إذ تكرر - كما رأينا من قبل - مع منهج الشك عند ديكارت، ومع المنهج الشارطي (الترنسندنتالي) عند كانط؛ لأن إيجابية المنهج تقوم على خلفية سلبية، كما أن تكوين هذه الخلفية السلبية مرتبط ارتباطا ضروريا بتكوين الموضوع والحقيقة.
إذا كان هسرل قد قطع هنا تأملاته عن المنهج، وأخذ يجمع النتائج التي توصل إليها في مفهوم «المعطى» و«المعنى المثالي»، فقد عكف في الجزء الثاني من البحوث المنطقية على مواصلة تحليلاته للموضوع؛ فلا بد لهذا الموضوع أن يعطى عطاء أوليا أصيلا، وكونه معطى هو أسلوبه في الوجود الذي يربط الذات بالموضوع، كما أنه ينطوي في وقت واحد على وجوده، وعلى ضرورة أن يكون هذا الوجود بالقياس إلى شخص ما؛ أي ضرورة ظهوره لوعي أو شعور أو ذات معينة، وإلا انتفى كونه معطى. ومن هنا بدأ المنهج خطاه وتوسع فيها، وصارت مهمة «الظاهري» أن يبحث الموضوعات من جهة كونها معطاة لشعور أو وعي يتوجه إليها ويقصدها بأفعاله «القصدية»، وغدت «رؤية الماهيات» و«تحليلات المعنى» هي أدواته في هذا البحث .
بهذا يكون هسرل قد حدد مجال الظاهرات ووضحه. إنه هو المجال الذي تبحث فيه الموضوعات، ويعطي لكل من الموضوع والذات حقوقا متساوية؛ فالموضوع «يظهر»، والذات «ترى» وتصف ما تراه، وتكون الحقيقة حيثما ظهر الموضوع على ما هو عليه، وحيثما تمت رؤيته، أو بالأحرى رؤية ماهيته، على نحو ما يظهر للشعور وفيه ظهورا خالصا مباشرا. بذلك تتجه الظاهرات إلى الموضوعات، وتبقى معها. إنها لا تحلق فوقها بالتأمل المجرد، ولا تشغل نفسها بكيانها المادي الذي تعلق الحكم عليه أو تضعه بين قوسين، وإنما تحياها وتجربها وترى ماهياتها رؤية حدسية معيشة. ويضيق المجال عن تتبع خطوات المنهج الظاهري، ومراحله في الرد، وتحويل الموضوعات إلى موضوعات مثالية، وتأمين وجودها بوصفها ماهيات ثابتة في الشعور أو الوعي المتعالي، على نحو ما فصله وأفاض فيه في كتابه الأفكار؛ إذ يكفينا أن المنهج نفسه قد انبثق من أزمة تناقص ليصب في عمليات إيجابية لا آخر لها؛ لتكوين موضوعية الموضوعات، وتأمين حقائقها الثابتة في مملكة الشعور المتعالي، التي تعد بمعنى من المعاني مملكة الوجود المطلق.
39
ويكفينا كذلك أن نشير إلى أنه أراد بهذا المنهج أن يرفع الفلسفة إلى مرتبة المعرفة العلمية الدقيقة. أما عن نجاحه أو إخفاقه في تحقيق هذا الأمل القديم فشيء آخر؛ ذلك أن المنهج الظاهري الذي بدأ بالفصل بين المنهج والموضوع - كما هو الشأن في العلوم الدقيقة - قد انتهى إلى جعل المنهج نفسه موضوعا للبحث؛ وبهذا فتح للمعرفة الفلسفية وللسؤال النفسي أفقا شاسعا لم يكن من الممكن أن يحيط به منهج محدد ولا موضوع محدد.
شرع هسرل في اقتحام مملكة الشعور أو الوعي المتعالي، التي تعد بمعنى من المعاني مملكة الوجود المطلق في المرحلة المثالية المتعالية، التي بدأت مع نشر كتابه «أفكار عن ظاهرات خالصة وفلسفة ظاهرية» بين سنتي 1913م و1928م؛ فقد اتجه إلى نوع جديد من المثالية الذاتية المتعالية، لم يكتف بتقرير التضايف الضروري بين الموضوعية المقصودة والتجربة الحية للقصد، وإنما أسند إلى الشعور، أو الذات المتعالية الخالصة في سعيها المنهجي لرؤية الماهيات، عمليات التكوين أو البناء التي تضفي المعنى على العالم والوجود. وقد عاد في وقت متأخر من حياته إلى اقتحام مجال الذاتية المتعالية الخالصة بصورة نهائية حاسمة، فأكد في تأملاته الديكارتية (1931م) إمكان التوصل إلى الأنا المحضة المتعالية، التي هي الأساس الأخير لكل تفكير. وبدا الأمر لنقاده وكأن هذه الأنا أو الذات قد بقيت «رهينة محبسها» الذاتي والفردي العالي، ولم تتطرق للشروط التاريخية والاجتماعية التي تحددها. صحيح أن عالم الحياة - وهو عنده تعبير آخر عما نسميه عادة بالظواهر الاجتماعية والتاريخية - ظل من أهم مهام الأنا أو الذاتية المتعالية، التي أثبت أن علاقتها بالآخر وبغيرها من الذوات (فيما سماه الذاتية المشتركة) يدخل في صميم تكوينها، ولا غنى عنه لتأسيس الموضوعية العلمية، غير أن القراء والنقاد افتقدوا مواقفه المحددة من المشكلات المحددة عن المجتمع والتاريخ، وكاد بعضهم أن يتهمه بإغفال جوانب العمل والممارسة الإنسانية في العالم.
Shafi da ba'a sani ba