Tafsirin Asfa
التفسير الأصفى
Editsa
مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية
Bugun
الأولى
Shekarar Bugawa
1418 - 1376 ش
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا للتمسك بالثقلين، وجعل لنا القرآن هدى، والمودة في القربى قرة عين. أبلج عن هدى نبيه المرسل بنور كتابه المنزل، وكشف عن سر كتابه المنزل بعترة نبيه المرسل. جعل الكتاب والعترة بينه وبيننا حبلين ممدودين، وصاحبين مصطحبين غير مفترقين، لم يزل أقامهما فينا، طرف منهما بيده وطرف بأيدينا، ما تمسكنا بهما لن نضل، وما اعتصمنا بهما لن نزل. فصل اللهم على محمد وعترته، واسقنا من كأسهم الأصفى ما يروينا، وآتنا من فهم القرآن وعلمه الأوفى ما يغنينا.
أما بعد، فيقول الفقير إلى الله في كل مسلك وموطن، محمد بن مرتضى المدعو بمحسن - زوده الله في دنياه لعقباه، وجعل آخرته خيرا من أولاه -: هذا ما اصطفيت من تفسيري للقرآن المسمى ب " الصافي " راعيت فيه غاية الايجاز مع التنقيح، ونهاية التلخيص مع التوضيح، مقتصرا على بيان ما يحتاج إلى البيان من الآيات، دون ما يستغنى عنه من المحكمات الواضحات، فبالحري أن يسمى ب " الأصفى ".
وعسى أن يفي ببيان أكثر ما لا يفهم ظاهره بدون البيان من القرآن، وإن كان " الصافي " هو الأوفى، وإنما معولي فيه على كلام الامام المعصوم من آل الرسول، إلا فيما يشرح اللغة والمفهوم وما إلى القشر يؤول، إذ لا يوجد معالم التنزيل إلا عند قوم كان
Shafi 1
ينزل في بيوتهم جبرئيل، ولا كشاف عن وجوه عرائس أسرار التأويل إلا من خوطب بأنوار التنزيل. ولا يتأتى تيسير تفسير القرآن إلا ممن لديه مجمع البيان والتبيان. فعلى من نعول إلا عليهم؟ وإلى من نصير إلا إليهم؟ لا والله لا نتبع إلا أخبارهم، ولا نقتفي إلا آثارهم.
ولهذا ما أوردت فيما يفتقر إلى السماع إلا حديثهم ما وجدت إليه سبيلا، إما بألفاظه ومتونه، أو بمعانيه ومضمونه، غير أني لم أذكر قائله بخصوصه، إذ حديثهم واحد، وحديثهم حديث رسول الله، وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قول الله تبارك وتعالى، كما ورد عنهم عليهم السلام (1).
فكل ما كان من ألفاظهم عليهم السلام صدرته ب " قال "، أو " ورد "، أو " في رواية ".
فإن تصرفت في شئ منه لتلخيص يستدعيه، أو لتوضيح معانيه، نبهت عليه إن احتاج إلى التنبيه، ليعرف أنه المنقول بمضمونه ومعانيه، وأكثر ما نبهت به على ذلك تذييله ب " كذا ورد "، فإنه من أوجز ألفاظ هذا التنبيه.
وما نقلته من " تفسير علي بن إبراهيم القمي " مما لم ينسبه إلى المعصوم وظاهره أنه مسند إلى المعصوم، صدرته ب " القمي " ليمتاز عن المجزوم.
وما رويت من طريق العامة، صدرته ب " روي " ليمتاز عما رويت من طريق الخاصة.
وما لم أجد فيه إلى حديث المعصوم سبيلا، أو لم أعتمد على ما وجدت منه، وهو مما يفتقر إلى السماع - وعسى أن يكون قليلا - أوردت من سائر التفاسير ما هو أقوم قيلا. والله المستعان، نفعنا الله به وسائر الاخوان، بحق العترة والقرآن، إنه الجواد المنان.
Shafi 2
مقدمة:
ينبغي لمن أراد فهم معاني القرآن من الأخبار من دون توهم تناقض وتضاد، أن لا يجمد في تفسيره ومعناه على خصوص بعض الآحاد والأفراد، بل يعمم المعنى والمفهوم في كل ما يحتمل الإحاطة والعموم، كما ورد في بعض الآيات من الروايات. فإن وهم التناقض في الأخبار المخصصة إنما يرتفع بذلك، وفهم أسرار القرآن يبتني على ذلك، وإن نظر أهل البصيرة إنما يكون على الحقائق الكلية، دون الأفراد الجزئية.
فما ورد في بعض الأخبار من التخصيص، فإنما ورد للتنبيه على المنزل فيه، أو الإشارة إلى أحد بطون معانيه، أو غير ذلك. وذلك بحسب فهم المخاطب على سبيل الاستئناس، إذ كان كلامهم مع الناس على قدر عقول الناس (1).
وقد عمم مولانا الصادق عليه السلام الآية التي وردت في صلة رحم آل محمد عليهم السلام صلة كل رحم، ثم قال: " ولا تكونن ممن يقول في الشئ: إنه في شئ واحد " (2).
وعليه نبه عليه السلام في حديث المفضل بن عمر، حيث فسر له قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " علي قسيم الجنة والنار "، وقد ذكرناه في مقدمات " الصافي " (3).
كيف ولو كان المقصود من القرآن مقصورا على أفراد خاصة ومواضع مخصوصة، لكان القرآن قليل الفائدة، يسير الجدوى والعائدة، حاشاه عن ذلك فإنه " بحر لا ينزف (4)،
Shafi 3
ظاهره أنيق (1)، وباطنه عميق، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه ". كما ورد (2).
وقد تبين مما ذكرنا معنى التأويل، فإنه يرجع إلى إرادة بعض أفراد معنى العام، وهو ما بطن عن أفهام العوام، ويقابل التنزيل (3). والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
Shafi 4
سورة فاتحة الكتاب (بسم الله) قال: " الله هو الذي يتأله إليه كل مخلوق عند الحوائج والشدائد، إذا انقطع الرجاء من كل من دونه وتقطع الأسباب من جميع من سواه، يقول: " بسم الله "، أي: أستعين على أموري كلها بالله الذي لا تحق العبادة إلا له، المغيث إذا استغيث، والمجيب إذا دعي " (1).
أقول: معنى يتأله إليه: يفزع إليه ويلتجأ ويسكن. وفي رواية: " يعني: بهذا الاسم أقرأ، أو أعمل هذا العمل " (2). وفي أخرى: " يعني: أسم نفسي بسمة من سمات الله وهي العبادة. قال: والسمة: العلامة " (3). ويأتي حديث آخر في معنى " الله " في تفسير سورة الاخلاص إن شاء الله.
(الرحمن) قال: " الذي يرحم ببسط الرزق علينا " (4). وفي رواية: " العاطف على خلقه بالرزق، لا يقطع عنهم مواد رزقه، وإن انقطعوا عن طاعته " (5).
Shafi 5
أقول: الرزق يشمل كل ما به قوام الوجود والكمال اللائق به.
(الرحيم) قال: " الرحيم بنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا، خفف علينا الدين وجعله سهلا، وهو يرحمنا بتمييزنا من أعدائه " (1). وفي رواية: " الرحيم بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعاته، وبعباده الكافرين في الرفق في دعائهم إلى موافقته " (2).
(الحمد لله) قال: " قال الله: قولوا: الحمد لله عليه ما أنعم به علينا " (3). (رب العلمين). قال: " يعني: مالك الجماعات من كل مخلوق، وخالقهم، وسائق رزقهم إليهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، يقلب الحيوانات في قدرته، ويغذوها من رزقه، ويحوطها (4) بكنفه، ويدبر كلا منها بمصلحته، ويمسك الجمادات بقدرته ما اتصل منها عن التهافت (5)، والمتهافت عن التلاصق، والسماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، والأرض أن تنخسف إلا بأمره " (6).
(الرحمن الرحيم). لعل تكريرهما للتنبيه بهما في جملة الصفات المذكورة على استحقاقه الحمد.
(ملك يوم الدين). قال: " يعني: القادر على إقامته والقاضي فيه بالحق.
والدين: الحساب " (7).
(إياك نعبد) قال: " قال الله تعالى: قولوا يا أيها الخلق المنعم عليهم: إياك - أيها المنعم علينا - نطيع، مخلصين، موحدين مع التذلل والخشوع، بلا رياء ولا سمعة " (8).
Shafi 6
وفي رواية: " لا نريد منك غيرك " (1).
أقول: إنما انتقل العبد من الغيبة إلى الخطاب، لأنه كان بتمجيده لله سبحانه يتقرب إليه متدرجا، إلى أن بلغ في القرب مقاما كأن العلم صار له عيانا، والخبر شهودا، والغيبة حضورا.
(وإياك نستعين) قال: " على طاعتك وعبادتك، وعلى دفع شرور أعدائك " (2).
(اهدنا الصراط المستقيم). قال: " يعني: أدم لنا (3) توفيقك الذي أطعناك به في ماضي أيامنا، حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا " (4). وفي رواية: " يعني: أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك، والمبلغ إلى جنتك، والمانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب (5) وأن نأخذ بآرائنا فنهلك " (6). وفي أخرى: " الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو، وارتفع عن التقصير، واستقام، وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة " (7).
وفي أخرى: " هي الطريق إلى معرفة الله، وهما صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأما الصراط في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه على الصراط في الآخرة فتردى (8) في نار جهنم " (9). وورد: " الصراط أدق من الشعر
Shafi 7
وأحد من السيف. فمنهم من يمر عليه مثل البرق، ومنهم من يمر عليه مثل عدو الفرس، ومنهم من يمر عليه ماشيا، ومنهم من يمر عليه حبوا (1)، ومنهم من يمر عليه متعلقا، فتأخذ النار منه شيئا وتترك شيئا " (2). وفي رواية: " إنه مظلم، يسعى الناس عليه على قدر أنوارهم " (3).
أقول: مآل الكل واحد، لان الصراط المستقيم ما إذا سلكه العبد أوصله إلى الجنة، وهو ما يشتمل عليه الشرع، كما قال الله تعالى: " وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم " (4).
وهو صراط التوحيد والمعرفة، والتوسط بين الأضداد في الأخلاق، والتزام صوالح الأعمال.
وبالجملة: صورة الهدى الذي أنشأه المؤمن لنفسه ما دام في دار الدنيا مقتديا فيه بهدى إمامه، ينتقل فيه من معرفة إلى معرفة أخرى فوقها، ومن خلق محمود إلى أحمد، ومن عمل صالح إلى أصلح، حتى يلتحق بأهل الجنة. وهو أدق من الشعر وأحد من السيف في المعنى، مظلم لا يهتدي إليه إلا من جعل الله له نورا يمشي به في الناس، يسعى الناس عليها على قدر أنوارهم في المعرفة. وورد: " إن الصورة الانسانية هي الطريق المستقيم إلى كل خير، والجسر الممدود بين الجنة والنار " (5).
ويتبين من هذا كله أن الصراط والمار عليه شئ واحد، في كل خطوة يضع قدمه على رأسه، أعني يعمل على مقتضى نور معرفته التي هي بمنزلة رأسه، بل ويضع رأسه على قدمه، أي: يبني معرفته على نتيجة عمله الذي كان بناؤه على المعرفة السابقة، حتى يقطع المنازل ويصل إلى الجنة، وإلى الله المصير.
Shafi 8
(صرط الذين أنعمت عليهم) قال: " أي قولوا: صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك لا بالمال والصحة، فإنهم قد يكونون كفارا أو فساقا. قال: وهم الذين قال الله تعالى: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " (1).
(غير المغضوب عليهم) قال: " هم اليهود الذين قال الله فيهم: " من لعنه الله وغضب عليه ". (2) (ولا الضالين) قال: " هم النصارى الذين قال الله فيهم: قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ". ثم قال: كل من كفر بالله فهو مغضوب عليه وضال عن سبيل الله " (3).
وفي رواية: " المغضوب عليهم: النصاب، والضالين: أهل الشكوك الذين لا يعرفون الامام " (4).
أقول: ويدخل في صراط المنعم عليهم: كل وسط واستقامة في العقائد والأخلاق والأعمال، وهم: " الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " (5)، وفي صراط المغضوب عليهم: كل تفريط وتقصير، ولا سيما إذا كان عن علم كما فعلت اليهود بموسى وعيسى ونبينا صلوات الله عليهم، وفي صراط الضالين: كل إفراط وغلو، ولا سيما إذا كان عن جهل، كما فعلت النصارى بعيسى عليه السلام، وذلك لان الغضب يلزمه البعد والطرد، والمقصر هو المدبر المعرض فهو البعيد المطرود، والضلال هو الغيبة عن المقصود، والمفرط هو المقبل المجاوز، فهو الذي غاب عنه المطلوب.
Shafi 9
سورة البقرة [مدنية، وهي مائتان وست وثمانون آية] (1) (بسم الله الرحمن الرحيم). قد مر تفسيرها.
(ألم). قال: " هو حرف من حروف اسم الله الأعظم، المقطع في القرآن، الذي يؤلفه النبي أو الامام عليهما السلام، فإذا دعا به أجيب " (2). وفي رواية: " وإذا عد أخبر بما يغيب " (3).
أقول: فهو سر بين الله وبين الحبيب، لم يقصد به إفهام غيره وغير الراسخين في العلم من ذريته. وفيه الأعاجيب، والتخاطب بالحروف المفردة سنة الأحباب في سنن المحاب.
(ذلك الكتب) قال: " يعنى القرآن الذي افتتح ب " ألم "، هو " ذلك الكتاب " الذي أخبرت به موسى ومن بعده من الأنبياء، وهم أخبروا بني إسرائيل أني سأنزله عليك يا محمد " (4). (لا ريب فيه) قال: " لا شك فيه لظهوره عندهم " (5). (هدى للمتقين) قال:
Shafi 11