تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم)
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨].
وفي سورة مريم قال: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، وذلك عندما قال النبي ﷺ لجبريل: (لم لا تزورنا أكثر مما تزورنا)، فأنزل الله ﷾ في سورة مريم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].
أي: إذا أخر الله عنك جبريل فليس هذا بنسيان، ولكن الله ﷿ لحكمة يؤخره، ولحكمة وتشريع يرسله.
ويقول: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم:٦٤] فالملائكة يقولون: الله يملكنا وما أمامنا وما خلفنا، وكل ما حولنا يملكه الله ﷾، وهنا أخبر عن العلم، أن الله يعلم ما بين أيديهم، أي ما هو أمامهم، وما خلفهم، يعلم كل شيء في نفوس الملائكة، في أقوالهم وفي أفعالهم، ولا يجرءون على الشفاعة إلا لمن رضي الله ﷿ له ذلك، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، فتشفع الملائكة يوم القيامة؛ لأن الله ﷿ يشفع من يشاء من خلقه، فيشفع عباد الله المؤمنين وكذلك الملائكة وغيرهم.
فيشفعون بإذن الله ﷿ ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، أي: لهم أن يشفعوا لمن ارتضى أن يشفعوا له، وليس لهم أن يشفعوا لكل أحد.
ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]، الملائكة المطيعون يخشون الله ﷾، وهم من خشيته في غاية الشفقة والخوف، مع أنهم مطيعون لله فلا يعصون الله ﷾ أبدًا، ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨].
إذًا: أحرى بالإنسان الذي هو كثير العصيان لله ﷿ أن يكون فيه هذه الخشية، فالملائكة لا يعصون الله ﷾ ويفعلون ما يؤمرون، وهم مع ذلك في غاية الخوف من الله ﷾، فلم لا يخاف الإنسان من ربه ﷾؟
4 / 6