Tafsir Sadr al-Muta'allihin
تفسير صدر المتألهين
وأما معنى قطع هذا الميثاق ونقض العهد الواقع في البداية، فهو أن تلك الحقيقة الإنسانية الموجودة قبل هذه الأكوان الترابية في عالم الحضرة الربوبية، كانت ذات جهات وحيثيات عقلية، تضاعفت عليها من تضاعيف الإشراقات النورية الواجبية، وتضاعيف النقائص الإمكانية، وكثرة الإزدواجات الحاصلة بين جهات النور والظلمة، والوجوب والإمكان والكمال والنقصان.
فهذه الجهات العقلية، هي أسباب كثرة الأكوان لأفراد الإنسان، وهي المعبر عنها بالذرات المستخرجة بحسب الفطرة، فإنه استخرج الله من ظهر آدم ذرات بنيه، واستخرج أيضا من ظهورهم ذريات ذرياتهم المودعة فيها إلى يوم القيامة.
إذا تصورت هذا، فاعلم أن المستمعين منهم للخطاب، كانوا على ثلاث طبقات: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال؛ وجعل الله لكل منهم سمعا وبصرا وفؤادا - على حسب حاله ومقامه -.
ثم نظر إلى السابقين بنظر المحبة، وجعلهم قابلين لنور المحبة، كما في قوله:
يحبهم ويحبونه
[المائدة:54]. ونور سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم بأنوار اللطف والكرامة ". فلما قال لهم:
ألست بربكم
[الأعراف:172] فسمعوا الخطاب بالسمع المنور، وشاهدوا الجمال بالأبصار المنورة، وأحبوا لقائه بالقلوب المنورة، فأجابوه بلسان المحبة يقينا حقا، وايمانا وتسليما، وتعبدا ورقا.
وأما أصحاب اليمين، فسمعوا الخطاب بسمع القابلية، وأبصروا الشواهد بالأبصار الخالية عن الغشاوة، وفهموا تعريف الوحدانية بالقلوب الصافية، فأجابوه بلسان الايمان تعبدا ورقا، وقالوا: { بلى } أنت ربنا ومعبودنا.
وأما أصحاب الشمال، فامتحنوا بإظهار العزة والعلى، واحتجبوا برداء الغيرة والكبرياء، فسمعوا الخطاب من وراء الحجاب، وعلى السمع وقر البعد، وعلى الأبصار غشاوة الحجب الظلمانية، وفي القلوب ختم الظلمة لأنها في أكنة العزة، فلم يسمعوه بسمع القبول والطاعة، فأجابوا بلسان الإقرار جبرا واضطرارا، ودهشة وافتقارا.
Shafi da ba'a sani ba