Tafsir Sadr al-Muta'allihin
تفسير صدر المتألهين
[البقرة:19]، قال المنافقون: " الله أعلى وأجل من أن يضرب الأمثال " فأنزل هذه الآية.
أقول: ويحتمل أن المنافقين الذين كانوا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) - لقصور حالهم واتباعهم لقضايا عقولهم الناقصة، أو لتشبثهم بأذيال المتفلسفة النافين لعلمه بالجزئيات المتغيرة -، زعموا أن التمثيل بهذه الأشياء الجزئية لا يجوز ولا يمكن إلا بآلات ومشاعر جزئية، فكيف يتصور أن يقع الوحي بها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) عند عروجه بروحه إلى المقام الأعلى من عالم الحس والتخيل، وتلقيه للمعارف، فوقعت الإشارة إلى دفع ما زعموه بأن التمثيل بها - وبما هو أقل قدرا وأنزل مرتبة منها -، واقع من الله، ولكن العلم بحقية ذلك، وبكيفية الوحي والإنزال، لا يمكن إلا لمن آمن بالله وآياته، وعرف بكيفية تلقي النبي (صلى الله عليه وآله) القرآن من لدنه، فيهتدي بذلك؛ وأما الجاهل المغرور بعقله، فيقع لأجله في الضلالة.
الثاني: عن قتادة والحسن: لما ضرب الله المثل بالذباب والعنكوبت، تكلم فيه قوم من المشركين، وعابوا ذكره، فأنزلت.
الثالث: عن ابن عباس أن هذا الطعن وقع من اليهود، فإنه لما نزل
يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له
[الحج:73]. فطعن في أصنامهم بأنها كالذباب ، وشبهت عبادتها ببيت العنكبوت، قالت اليهود: " أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله بهما المثل "؟ فنزلت.
قال القفال: " الكل محتمل، أما اليهود فلما في آخر هذه الآية: { وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد الله } ، وهذه صفتهم كما دلت عليه قصتهم؛ وأما الكفار والمنافقون فقد ذكر في المدثر:
وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا
[المدثر:31] الآية. وهما المشار إليهما لأن السورة مكية، فقد جمع الفريقان، فإذا ثبت هذا، فالكل محتمل في هذه الآية، لأن الثلاثة كانوا متوافقين في ايذاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد مضى في هذه السورة إلى ههنا ذكر الثلاثة جميعا ".
ثم قال القفال: " وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب، لأن معناه مفيد في نفسه ".
Shafi da ba'a sani ba