Tafsir Sadr al-Muta'allihin
تفسير صدر المتألهين
فإن قلت: لما رجع حاصل مذاهب عبدة الأصنام - بل عبدة الأوثان - إلى الوجوه التي ذكرت، فما وجه المنع عنها؟
قلنا: لما تقربوا إليها، وعظموها، وسموها " آلهة " ، جرت أحوالهم مجرى من يعتقد أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادته، شنع عليهم واستفظع شأنهم، سيما إذا كانوا محاربين لأهل الحق، مخاصمين للأنبياء عليهم السلام؛ فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم بأن جعلوها أندادا كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ند واحد فقط، ولا يفيد في عبادته إلا الحنيفية والإخلاص ورفع الوسائط من البين.
تتمة
زعم أصحاب التأريخ أن عمرو بن لحى لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم، وولي أمر البيت الحرام، اتفقت له سفرة إلى البلقاء، فرأى قوما يعبدون الأصنام، فسألهم عنها فقالوا: " هذه أرباب نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقى " ، فالتمس منهم أن يكرموه بواحدة منها؛ فأعطوه الصنم المعروف ب " هبل " ، فسار به إلى مكة، ووضعه في الكعبة، ودعا الناس إلى تعظيمه - وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف -.
واعلم أن من بيوت الأصنام المشهورة غمدان الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة صنعاء، وخربه عثمان.
ومنها نوبهار بلخ، الذي بناه منوشهر الملك على اسم القمر.
ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل ود بدومة الجندل، وسواع لبني هذيل، ويغوث لمذحج، ويعوق لهمدان، ونسر بأرض حمير لذي الكلاع، واللات بالطائف لثقيف، ومناة بيثرب للخزرج، والعزى لكنانة بنواحي مكة، وأساف ونائلة على الصفا والمروة.
وكان قصي - جد رسول الله (صلى الله عليه وآله) - ينهاهم عن عبادتها، ويدعوهم إلى عبادة الله سبحانه؛ وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل - حتى فارق قومه - وقد نقلنا شعره الدال على توحيده الباري -.
[2.23]
اعلم أن الله سبحانه، لما أقام الدلائل الباهرة والحجج القاهرة على اثبات التوحيد وتحقيقه، وإبطال الإشراك، وهدم قواعد الأنداد والأعداد، وعرف العقول بأن من أشرك فقط عطل ميزان عقله عن الاستعمال، وباع رأس مال فطرته باتباع الأرذال وتقليد الجهال، وغطى ما أنعم الله عليه من نور العقل والتمييز بظلمات الوهم والخيال، عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات النبوة لنبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، المبعوث على كافة البرية، وما يدحض به الشبهة في كون القرآن معجزة، وأراهم ما يلجئهم إلى الاعتراف بذلك.
Shafi da ba'a sani ba