Tafsir Sadr al-Muta'allihin
تفسير صدر المتألهين
ولنذكر لك ثلاثة أمثلة من تعبيرات ابن سيرين تكفيك إن كنت فطنا لفهم معنى المثال ونسبته إلى الحقيقة.
فقد جاء رجل إليه وقال: رأيت كأن في يدي خاتما أختم به أفواه الرجال وفروج النساء. فقال: إنك مؤذن توذن في رمضان قبل الفجر فقال: صدقت.
وجاء آخر فقال: رأيت كأني أصب الزيت في الزيتون. فقال: إن كان تحتك جارية اشتريتها ففتش عن حالها فإنها أمك، لأن الزيتون أصل الزيت، فهو رد إلى الأصل، فنظر فإذا جاريته كانت أمه وقد سبيت في صغره.
وقال آخر له: كأني أعلق الدر في أعناق الخنازير، فقال: إنك تعلم الحكمة غير أهلها - وكان كما قال -.
فالتعبير من أوله إلى آخره مثال لعرفان طريق الأمثال، وليس للأنبياء عليهم السلام أن يتكلموا مع الخلق إلا بضرب الأمثال، لأنهم كلفوا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم، وقدر عقولهم أنهم في النوم، كما ورد: " الدنيا دار منام، والعيش فيها كأحلام ".
والنائم لا ينكشف له شيء إلا بصورة المثل، فإذا ماتوا انتبهوا ووصلوا إلى تعبير منامهم، وعرفوا أن المثل المضروب لهم كان صادقا كله.
وإنما نعني بالمثل؛ أداء المعنى، أو وجوده في صورة إن نظر إلى معناه وباطنه وجد صادقا، وإن نظر إلى صورته وظاهره وجد كاذبا.
المقدمة الثانية: إن موجودية الممكنات بحقيقة الوجود الفائض من الحق الأول، وقد علمت فيما سبق، أن الوجود في كل شيء هو نحو وجوده، وهو صورة ذاته دون المسمى بالماهية، إلا أن صورة الوجود في بعض الأشياء كالمفارقات، وضرب من الملائكة والمدبرات العلوية، قائمة في أنفسها بذات باريها وموجدها. وفي بعض الأشياء كالطبائع وضرب من الملكوت والمدبرات السفلية، قائمة لا في أنفسها، بل بتبعية المحال والمقادير، وكل من قسمي الوجود، أعني القائم بالذات والقائم بالمقدار ، نور من أنوار الله الفائضة عنه في سموات الأرواح وأراضي الأشباح، وهو من إسمه: العليم والنور، إذ هو عالم الغيب والشهادة، والله نور السموات والأرض، بل الوجود على مراتبه كله نور والله نور الأنوار.
والإنسان بالقوة، مشتمل على كل قسم من النور، وأشرف أنواره المكمونة بالقوة في ذاته بحسب أصل الفطرة، هو النور العقلي المدرك للحقائق، الفعال للصورة العقلية والنفسانية والحسية عند تفرده بذاته، وخروجه من القوة إلى الفعل، واتصاله بحضرة الحق الأول، وإنما يخرج من القوة إلى الفعل، عند استكماله بسلوك سبيل الحق وانقياد الشريعة الإلهية بالإيمان والعمل الصالح، وصرف قواه الإدراكية؛ كالحواس الظاهرة والتحريكية، كالقدرة والإرادة والشهوة والغضب، فيما خلقت هي لأجله.
وهذه القوى أيضا ضروب من الأنوار الوجودية التي أنعمها الله علينا للإستعمال في التوصل بها إليه تعالى والتقرب منه، وهي أيضا في أول النشأة، ضعيفة خامدة في مادة البدن، سيما الباطنية منها، كالوهم والخيال من القسم الأول، والهوى وحب الجاه والرياسة من القسم الثاني، وهذه الأنوار الحسية، وكذا محسوساتها ومتعلقاتها، صور مكمونة في مواد الأجسام، سيما العنصرية، كالصورة النارية في الفحم، إذ جميع هذه الأجسام التي تلينا وما حولنا بمنزلة الفحم والزغال، وأنوار صور الحقائق مندمجة فيها، وإنما تظهر من البطون وتبرز من الكمون لنا بسبب حركات ورياضات في كورة الدنيا وعالم الطبيعة، هي بمنزلة النفاخات الواقعة في كورة الحدادين.
Shafi da ba'a sani ba