Tafsirin Jilani
تفسير الجيلاني
ثم لما جمع سبحانه جميع الفضائل والكمالات، وعموم المعارف والمشاهدات والمكاشفات اللدنية في المرتبة الجامعة الختمية المحمدية، المحيطة على عموم المراتب والمناصب، خاطبهم سبحانه خطاب امتنان ورحمة على وجه التعطف والتلطف فقال: { إنا } بمقتضى فضلنا وجودنا { نحن نزلنا عليك } يا أكمل الرسل تأييدا لك، وتعظيما لشأنك { القرآن } الحاوي لما في الكتب السالفة، المحتوي لجميع الكمالات اللائقة لعموم الأنبياء والرسل، المجتازين في سبيل التوحيد { تنزيلا } [الإنسان: 23] مفرقا منجما على مقتضى الحكمة البالغة الباعثة على إنزالها حسب حاجتك إليها، وانكشافك بما فيها؛ لتتدرج في سلوكك وشهودك.
[76.24-31]
وبعدما سمعت ما سمعت من الكرامة والتعظيم { فاصبر لحكم ربك } ولا تستعجل في نصرتك وظهورك على عموم أعدائك من جنود أهل التقليد والضلال، سيما كفار مكة، خذلهم الله.
{ و } بعدما كوشفت بحقية الحق، ووحدته واستقلاله في الوجود ومطلق الآثار { لا تطع منهم } أي: من أهل التقليد وأصحاب الضلال أحدا سواء كان { ءاثما } متناهيا في الفسوق والعصيان، بحيث ينتهي إثمه إلى الكفر { أو كفورا } [الإنسان: 24] لنعم الله، مبالغا في كفران نعمه ونسيان كرمه، بحيث ينتهي كفرانه إلى الكفر، أعاذنا الله وعموم عباده منهما.
{ و } بعدما تحققت بمقام الكشف والشهود { اذكر اسم ربك بكرة وأصيلا } [الإنسا: 25] أي: في عموم أوقاتك وحالاتك، وداوم على ذلك.
{ ومن الليل } الموضوع؛ للخلوة مع الله، ودوام المراقبة معه { فاسجد له } وتوجه نحوه توجها خالصا، مقارنا بكمال الخضوع والخشوع، والتذلل التام { وسبحه } أي: نزه ذاته عن جميع ما لا يليق بشأنه { ليلا } أي: في خلاله تسبيحا { طويلا } [الإنسان: 26] خاليا عن مطلق الشواغل، فارغ البال عن تشتت الآمال، هكذا دأب أصحاب الكمال، وديدنة أصحاب الوجد.
والحال { إن هؤلاء } أي: أصحاب الضلال المنحرفين عن جادة الاعتدال { يحبون } اللذة { العاجلة ويذرون ورآءهم } أي: يتركون أمامهم وخلفهم بلا مبالاة لهم { يوما ثقيلا } [الإنسان: 27] شديدا، يشتد الأمر فيه عليهم ويصعب، ومع ذلك ينكرون له ويكذبونه.
وكيف يذرونه وينكرونه، مع أنا نخبر به، ونأمر بتصديقه؛ إذ { نحن } بمقتضى قدرتنا { خلقناهم } وقدرنا وجودهم أولا من أهون الأشياء، وأخسها وأرذلها { وشددنآ أسرهم } أي: عدلنا أركانهم وجوارحهم، وأحكمنا مفاصلهم وأوصالهم، وبالجملة: سويناهم أشخاصا قوابل للتكليف؛ ليترتب عليهم الإيمان والتصديق بجميع المعتقدات الدينية { و } بعدما لم يؤمنوا، ولم يصدقوا عنادا وكابرة { إذا شئنا } وعلق مشيئتنا على إهلاكهم واستئصالهم أهلكناهم واستأصلناهم، و { بدلنآ أمثالهم } في الخلقة وجميع لوازمها { تبديلا } [الإنسان: 28] حسنا، بحيث يكون المبدل خيرا، وأحسن وأكمل من المبدل منه.
وبالجملة: { إن هذه } الآيات الدالة على تهذيب الأخلاق والأطوار { تذكرة } ناشئة من قبل الحق { فمن شآء } أن يتعظ به، أو يتذكر بما فيها { اتخذ } أولا { إلى ربه سبيلا } [الإنسان: 29] يعني: شرع في مسالك القرب والوصول إلى الله، فتقرب نحوه بالمعاملات، ثم بالأحوال والمقامات، ثم بالمعارف والحقائق المنتهية إلى المكاشفات والمشاهدات المؤدية إلى الوصول والنهايات، وليس وراء الله مرمى ومنتهى.
{ و } لكن { ما تشآءون } أيها المتقربون إلى الله، السائرون نحوه حسب التوفيق والتيسير الإلهي { إلا أن يشآء الله } الموفق لهم، الموجد المقدر لعموم أفعالهم وأعمالهم، المنجي لهم عن غياهب الإمكان، وظلمات الخيالات والأوهام { إن الله } المطلع على استعدادات عباده { كان عليما } بقابلياتهم اللائقة لفيضان الكشف والشهود { حكيما } [الإنسان: 30] في تربيتهم وتكميلهم.
Shafi da ba'a sani ba