849

Tafsirin Jilani

تفسير الجيلاني

Daurowa & Zamanai
Seljukawa

هذا أخذنا إياهم في النشأة الأولى، وفي الأخرى بأضعافها وآلافها، فأنتم أيضا يا أهل مكمة مثل فرعون عصيتم رسلوكم الذي أرسل إليكم؛ يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، فنأخذكم مثلما أخذنا فرعون، في الدنيا نجعلكم صاغرين مهانين، وفي الآخرة مسجونين بعذاب أليم، مخلدين في النار أبد الآبدين.

ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع تهويلا عليهم، وتعريضا: { فكيف تتقون } وتحفظون أنفسكم أيها المنهمكون في أنواع الغفلات والجهالات { إن كفرتم } وبقيتم على الكفر، ومتم عليه، مع أنكم ستسقبلون وتقعون يومان وأي يوم { يوما يجعل الولدان شيبا } [المزمل: 17] من غاية طوله، وشدة أهواله وأحزانه؟!

هذا على وجه التمثيل والتشبيه بحسب متفاهم العرف، وإلا فلا يكتنه هول ذلك اليوم وشدته بالوصف والبيان.

ومن جملة ما يدل على شدة هوله: إنه { السمآء } المشيدة المحكمة { منفطر به } أي: متشققة متضعضعة، منخرمة في ذلك اليوم بمقتضى قهر الله وجلاله، وكيف لا يكون كذلك بعدما وعد الله القادر المقتدر على عموم ما دخل في حيطة علمه وإرادته بوقوعه، ولا شك أنه { كان وعده مفعولا } [المزمل: 18] دائما، وأمره مقضيا أبدا، وحكمه مبرما أزلا، وقضاؤه نافذا سرمدا؟!

{ إن هذه } الكلمات الدالة على إنجاز وعد الله { تذكرة } وعظة للمتعظين المتذكرين من أرباب العناية والتوفيق { فمن شآء } أني يتعظ بها { اتخذ } وأخذ { إلى ربه سبيلا } [المزمل: 19] بعدما وفقه الحق، وأعان عليه بالخروج عن لوازم الإمكان، وهداه للعروج إلى معارج الوجود مترقيا من درجة إلى درجة، ومقام إلى مقام إلى أن وصل إلى مبدأ طريق الفناء، ثم ترقى منه أيضا من حاله إلى حالة إلى أن فني عن الفناء أيضا، وبعد ذلك ذار ما صار، وليس وراء الله مرمى ومنتهى.

[73.20]

وبعدما أمر سبحانه حبيبه صلى الله عليه وسلم بقيام الليل على الوجه المذكور، وحثه عليه، ورغبه على وجه المبالغة والتأكيد بأن علله بعلمه سبحانه إياه على أي وجه، فقال: { إن ربك } يا أكمل الرسل { يعلم } بعلمه الحضوري { أنك تقوم } إلى التهجد { أدنى } وأقل { من ثلثي اليل } وأعلى، وأكثر من نصفه تارة { و } تارة أخرى أدنى من { نصفه } السياق يدل على أن التفسير جرى على قراءة ابن عامر ونافع وغيرهما: { ونصفه } تارة أدنى من { ثلثه } السياق يدل على أن التفسير جرى على قراءة ابن عامر ونافع وغيرهما: { ثلثه } وأكثر من ربعه، وهذا أدنى تاراتك، وأعلاها: ما هو أدنى من ثلثي الليل؛ إذ هي أقرب إلى قيام الكل الذي فرض أولا، ثم الثانية، ثم الثالثة.

{ وطآئفة } أي: ويعلم سبحانه أيضا قيام طائفة { من } المؤمنين { الذين } يقومون { معك } ويوافقون لك في تهجدك وقيامك؛ يعين: علمه سبحانه محيط بهذه الأوقات الثلاثة الواقعة منك ومنهم، بخلاف علمك فإنه؛ أي: علمك لا يقدر بتعيينها على وجهها { و } بالجملة: { الله } العليم الحكيم الذي { يقدر } بمقتضى علمه وإرادته { اليل والنهار } على سبيل التجدد والتتابع، والاختلاف طولا وقصرا، وإيلاج بعض أجزاء كل منهما على الآخر، وإخراجهما منه، وضبط أجزائهما وساعاتهما وآنائمها، إنما هي بعلمه لا بعلم غيره من مظاهره ومصنوعاته، وهو سبحانه { علم } منك { أن } أي: إنه { لن تحصوه } أي: ليس ي وسعكم وطاقتكم تقدير الأوقات، وضبط الأحيان والساعات، وإحصاء الآناء الواقعة في الليل والنهار، وقيامكم في كلها أو بعضها على وجه التعيين والتخصيص.

وبعدما ظهر عنده سبحانه عدم طاقتكم ووسعكم { فتاب } أي: عاد { عليكم } ورجع عما ألزمكم، وأزال تعبكم بالرخصة في ترك القيام المقدر المعين على الوجوه المذكورة؛ إذ لا يسع لكم ضبطها، وبعدما رخصكم سبحانه، وخفف عنكم تفضلا وامتنانا، قوموا في خلال الليل مقدار ما يسر الله لكم ووفقكم عليه { فاقرءوا } أي: صلوا التهجد بقراءة { ما تيسر } لكم { من القرآن } المقرون بصلاتكم.

قيل: كان التهجد واجبا على التخيير المذكور، ثم رخص بترك التقدير والتعيين، ثم نسخ هذا أيضا بالصلوات الخمس المقدرة في الأوقات الخمسة، وإنما نسخه سبحانه؛ إذ { علم } بمقتضى حضرة علمه وحكمته { أن } أي: إنه { سيكون } بعضا { منكم مرضى } من السهر المفرط؛ إذ الأبدان متفاوتة في تحمل المشاق، سيما ترك النوم المعد؛ لاستراحة البدن في الليل { و } أيضا { آخرون } منكم { يضربون } ويسافرون { في الأرض } سفرا مباحا { يبتغون } ويطلبون بسفرهم { من فضل الله } وسعة جوده وكرمه مزيد رزق، أو طلب علم، أو صلة رحم، أو زيارة صديق إلى غير من الأسفار المشروعة، فيتحرجون بقيام الليل والتهجد فيه { وآخرون } أيضا { يقتلون } مع أعداء الله { في سبيل الله } ترويجا لدينه، وإعلاء لكلمة توحيده، فإنهم لو تهجدوا لضعفوا ألبتة فشق عليهم أمر القتال .

Shafi da ba'a sani ba