Tafsirin Jilani
تفسير الجيلاني
{ إنما توعدون } أنتم أيها المكلفون، المجبولون على فطرة التوحيد والعرفان من البعث والحشر والحساب والجزاء، وغير ذلك من المعتقدات الأخروية، المترتبة على العالم المحيط الإلهي، وقدرته الغالبة وإرادته الشاملة { لصادق } [الذاريات: 5] ثابت محقق وقوعه بلا شك وشبهة.
{ وإن الدين } والجزاء الموعود لكم في النشأة الأخرى، والمتفرع على أعمالكم وأفعاكم في النشأة الأولى { لوقع } [الذاريات: 6] محقق وقوعه، كائن إتيانه ألبتة، بلا تردد وارتياب.
ثمل لما أقسم سبحانه بما يتعلق بعالم الأمر، أراد أن يقسم بما يتعلق بعالم الخلق تتميما للتأكيد والمبالغة بالقسم باعتبار كلا العالمين، فقال: { والسمآء } أي: وحق السماء الرفيعة، البديعة النظم، العجيبة التركيب { ذات الحبك } [الذاريات: 7] أي: الحسن والزينة، وكمال الصفاء، والبهجة والبهاء؛ لاشتمالها على الكواكب المشيرة إلى الطرق الموصلة إلى قدرة الصانع القديم، ومتانة حكمة الحكيم العليم.
إن اليوم الموعود لبعثكم وجزائكم لآت ألبتة { إنكم } أيها الشاكون في شأنه، وشأن من أخبر به بمقتضى الوحي والإلهام والإلهي، وشأن ما أنزل لبيانه من الكتاب المبين لإعداد الزاد له، وطريق النجاة عن أهواله وأفزاعه { لفي قول مختلف } [الذاريات: 8] تنكرون له، وتكذبون المخبر الصادق، وتنسبون له وإلى الكتاب المبين المعجز من المفتريات الباطلة؛ حيث تقولون تارة: إنه سحر، أو من أساطير الأولين أو كهانة اختلقها الشاعر، أو كلام المجانين يتكلم به هذا المجنون.
وبالجملة: { يؤفك } ويصرف { عنه } وعن دينه وكتابه { من أفك } [الذاريات: 9] وصرف عن الحق وقبوله، ومال إلى الباطل، وسعى نحوه.
وبسبب إفكهم، وذبهم عن طريق الحق والامتثال به { قتل } أي: طرد ولعن على ألسنة عموم أهل الحق { الخراصون } [الذاريات: 10] المنكرون الكاذبون، المكذبون من أصحاب القول المختلق، وهم: { الذين هم } من شدة انصرافهم عن الحق وأهله { في غمرة } وغفلة عظيمة، وجهل متناه { ساهون } [الذاريات: 11] غافلون عن الله وقدر ألوهيته وحقوق ربوبيته.
ومن كمال غفلتهم، وشدة عمههم في سكرتهم { يسألون } على سبيل التهكم والاستهزاء: { أيان يوم الدين } [الذاريات: 12] أي: يقولون: متى يوم الجزاء والقيامة يامحمد؟! وفي أي آن يأتينا عذاب الساعة وأهوالها؟!
قال تعالى في جوابهم: { يوم هم على النار يفتنون } [الذاريات: 13] أي: يوم يقع عليه الجزاء والعقاب والعذاب، وهم يحرقون فيه في النار، ويطرحون عليها صاغرين مهانين.
ويقول لهم الموكلون حين طرحهم فيها توبيخا وتقريعا: { ذوقوا } أيها المجرمون المسرفون { فتنتكم } التي أنتم تستعجلون بها في دار الدنيا على سبل الاستهزاء والمراء، وبالجملة: { هذا الذي } وقعتم فيه، وحبستم عليه الآن من العذاب { كنتم به تستعجلون } [الذاريات: 14] في سالف الزمان على سبيل الإنكار والاستكبار.
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة: { إن المتقين } الممتثلين لأوامر الله، المجتنبين عن نواهيه الموردة في كتبه الجارية على ألسنة رسله، الحافظين لنفوسهم عن الإفراط في الرخص والمباحات، فيكف عن تفريط المحظورات والمحرمات! متلذذون باللذات الروحانية { في جنات } أي: منتزهات العلم والعين والحق { وعيون } [الذاريات: 15] جاريات من الحكم، والمعارف اللدنية المستخرجة من ينابيع قلوبهم، المترشحة إليها من بحر الوجود على مقتضى الحفظ الإلهي، حسب استعداداتهم واستفاضتهم بمقتضاها.
Shafi da ba'a sani ba