711

Tafsirin Jilani

تفسير الجيلاني

Daurowa & Zamanai
Seljukawa

[45.16-20]

كما أخبر سبحانه حكاية عن ضلال بني إسرائيل وانحرافهم عن سواء السبيل: { ولقد آتينا } بمقتضى فضلنا وجودنا { بني إسرائيل الكتاب } أي: التوراة المبينة لهم طريق الهداية والرشاد { والحكم } أي: الحكمة المنبئة عن العدالة الإلهية في قطع الخصومات { والنبوة } أذ أكثر الأنبياء بعث منهم وإليهم { ورزقناهم من الطيبات } أي: الرزق الصوري والمعنوي { و } بالجملة { فضلناهم } بإفاضة النعم الجليلة عليهم { على العالمين } [الجاثية: 16] من أهل عصرهم.

{ وآتيناهم بينات } دلائل مبينات منبهات موضحات { من الأمر } أي: التوحيد الذاتي الذي أنت يأ أكمل الرسل تبعث عليه وعلى تبيينه، وبالجملة: { فما اختلفوا } في شأنك أي: { إلا من بعد ما جآءهم العلم } القطع في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم بأنك وكتابك ودينك يا أكمل الرسل على الحق، وما أنكروا لك إلا { بغيا } وطغيانا ناشئا بينهم حسدا وعدوانا بلا مستند عقلي أو نقلي، فاصبر يا أكمل الرسل على مضضهم، وغيظهم { بينهم إن ربك } الذي اصطفاك بكرامته، واجتباك لرسالته { يقضي } ويحكم { بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } [الجاثية: 17] يعني: في شأنك ودينك وكتابك، بعدما عرفوا صدقك وحقية كتابك بالدلائل العقلية والنقلية بأنواع المؤاخذة والمجازاة.

{ ثم } اعلم يا أكمل الرسل إنا من مقام فضلنا وجودنا { جعلناك } تابعا مقتديا مقتفيا { على شريعة } وطريقة منبئة موضحة { من الأمر } الذي أنت تظهر عليه، وأتيت لتنبيهه، ألا وهي الحقيقة التي هي عبارة عن الوحدة الذاتية الإلهية { فاتبعها } أي: الشريعة الموصلة إلى الحقيقة بالعزيمة الخالصة { ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون } [الجاثية: 18] فكيف ينكشفون بسرائرها وحكمها، ولا تقبل منهم أباطيلهم الناشئة وآراءهم الفاسدة وأحلامهم السخيفة الكاسدة.

وبالجملة: { إنهم لن يغنوا عنك من } غضب { الله شيئا } إن تعلقت مشيئته بطردك ومقتك بسبب موالاتهم ومتابعتهم { و } بالجملة: { إن الظالمين } الخارجين عن مقتضى الحدود والإلهية، المنحرفين عن جادة العدالة الفطرية { بعضهم أوليآء بعض } لكمال مناسبتهم وموالاتهم؛ إذ الجنسية علة الانضمام وعلامة الالتئام بينهم، فعليك الإعراض والانصراف عنهم وعن موالاتهم { والله } المطلع على عموم ما في ضمائر عباده { ولي المتقين } [الجاثية: 19] الذين يتقون عن محارم الله، ويوالون ألوياء الله لله وفي الله.

{ هذا } الذي ذكر في كتابك من الأخلاق المرضية، والمنبهة على القسط الحقيقي والعدل الإلهي { بصائر للناس } يبصرهم طريق الهداية، ويوصلهم إلى التوحيد الذاتي، إن استقاموا عليها بالعزيمة الصادقة الصحيحة { وهدى } يهديهم إلى سواء السبيل { ورحمة } نازلة من قبل الحق { لقوم يوقنون } [الجاثية: 20] يوفقون للإيمان والإيقان والكشف والعيان.

[45.21-24]

ثم قال سبحانه: { أم حسب } الغافلون الضالون المسرفون { الذين اجترحوا } واكتسبوا طول عمرهم { السيئات } المبعدة لهم عن طريق الحق وسبيل الهداية { أن نجعلهم } ونصيرهم بعدما رجعوا إلينا { كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } المقربة لهم إلى الحق وتوحيده، أي: مثلهم بلا مزية لهم عليهم، بل ظنوا أنهم وهم { سوآء محياهم ومماتهم } السياق يدل على أن التفسير على قراءة بن عامر ونافع وغيرهما: { سوآء } يعني: حياة المشركين ومماتهم عندنا كحياة الموحدين المخلصين ومماتهم؟ كلا وحاشا { سآء ما يحكمون } [الجاثية: 21] أي: حكمهم هذا، وما حكموا به لأنفسهم أولئك الجاحدون الجاهلون.

{ و } كيف يحكم الحكيم المتقن في عموم أحكامه وأفعاله بمساواة المطيع والعاصي، مع أنه { خلق الله } المستوى بالعدل القويم على عروش عموم المظاهر { السموت والأرض } ملتبسة بالحق، أي: بالعدالة الصورية المنبئة عن العدالة المعنوية الحقيقية، وإنما خلقها كذلك { بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت } من خير وشر، بعدما أمر الحق بما أمر، ونهى عن ما منهى { وهم لا يظلمون } [الجاثية: 22] في أجور أعمالهم وجزائهم زيادة ونقصانا.

{ أفرأيت } أيها المعتبر الرائي إلى { من اتخذ } أي: إلى الجاحد الجاهل المعاند الذي اتخذ { إلهه هواه } أي: ما يهواه، وكيف أطاع من يتمناه وعبد إلى ما يحبه ويرضاه ولم يفوض أمره إلى مولاه { و } ما ذلك إلا أن { أضله الله } العليم الحكيم باسمه المذل المضل مع أنه أظهره سبحانه { على } صورة ذي { علم } وجبله على فطرة أولى المعرفة والتوحيد { وختم على سمعه } لئلا يسمع كلامه الحق من أهله { وختم } أيضا { وقلبه } لئلا يتفكر في آيات الله ودلائل توحيده { وجعل على بصره غشاوة } غليظة وغطاء كثيفا، لئلا يعتبر من عجائب مصنوعاته سبحانه وغرائب مخترعاته، مع انه خلقه سبحانه كذلك { فمن يهديه } ويرشده أي: ينقذه من الضلال { من بعد } إضلال { الله } إياه وإذلاله { أفلا تذكرون } [الجاثية: 23] وتتفطنون من تبدل أحواله أيها العقلاء المجبولون على فطرة العبرة والعظة من غاية غوايتهم وضلالهم، عن مقتضى كمال قدرة الله، وعدم تنبههم وتفطنهم بوحدة ذاته، وكمال أسمائه وصفاته، واستقلاله في تدبيراته وتصرفاته.

Shafi da ba'a sani ba