669

Tafsirin Jilani

تفسير الجيلاني

Daurowa & Zamanai
Seljukawa

وكيف يستنكفون ويستكبرون عن عبادة الفاعل على الإطلاق، والمنعم بالاستقلال والاستحقاق مع أنه { الله } الواحد الأحد الصمد، المتصف بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال، هو { الذي جعل لكم الليل } مظلما باردا { لتسكنوا } وتستريحوا بلا ضرر وإضرار { فيه } جعل لكم { و } لتكتسبوا فيه معايشكم، وتجمعوا حوائجكم { النهار مبصرا } المنعم المكرم على عباده { إن الله } عظيم وكرامة كاملة شاملة { لذو فضل } عموم { على } المجبولين على النسيان والكفران { الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } [غافر: 61] نعمه، ولا يواظبون على أداء حقوق كرمه، جهلا منهم بالله، وعنادا مع رسله الهادين إليه.

{ ذلكم الله } الذي أفاض عليكم موائد بره وإحسانه، وأظهر عليكم مقتضيات ألوهيته وربوبيته { ربكم } الذي رباكم بأنواع اللطف والكرم، بعدما أوجدكم من كتم العدم؛ إذ هو { خلق كل شيء } ومظهره من العدم إظهارا إبداعيا بمقتضى اختياره واستقلاله، فلكم أن تتوجهوا إليه وتتحنثوا نحوه مخصلين؛ إذ { لا إله } يعبد له بالاستحقاق، ويرجع إليه في الخطول على الإطلاق { إلا هو } الذات الواحدة الموصوفة بالصفات الكاملة، المربية لجميع ما في الكون من العكوس والأظلال المنعكسة منها { فأنى تؤفكون } [غافر: 62] وتنصرفون عن عبادته أيها الآفكون المنصرفون؟!.

فأين تذهبون من بابه أيها الذاهبون الجاهلون، ما لكم كيف تحكمون أيها الضالون المحرومون؟! { كذلك } أي: مثل ما سمعت من المجادلة والمكابرة بلا برهان واضح وبيان لائح { يؤفك } ويصرف عن طريق الحق عموم المسرفين { الذين كانوا بآيات الله } ودلائل توحيده { يجحدون } [غافر: 63] وينكرون بلا تأمل وتدبر؛ لينكشف لهم ما فيها من المعارف والحقائق المودعة فيها، فكيف تجحدون بآيات الحكيم العليم أيها الجاحدون الجاهلون، مع أنه سبحانه هو المتفرد بالألوهية والربوبية؟!.

إذ { الله } الواحد الأحد الصمد { الذي جعل لكم الأرض } أي: عالم الطبيعة والهيولي { قرارا } تستقرون عليها بمقتضى هويتكم { و } رفع لكم { السمآء } أي: عالم الأسماء والصفات { بنآء } أي: سقفا محفوظا رفيعا، تستفيضون منها الكمالات اللائقة لاستعداداتكم وقابلياتكم الموهوبة لكم من عنده { و } بالجملة: { صوركم } من آباء العلويات وأمهات السفليات { فأحسن صوركم } بأن خلقكم على أعدل الأمزجة وأحسن التقويم؛ لتكونوا قابلين لائقين لخلافة الحق ونيابته.

{ و } بعدما صوركم فأحسن صوركم { ورزقكم من الطيبات } الصورية والمعنوية تقوية وتقويما لأشباحكم وأرواحكم { ذلكم الله } الذي سمعتم نبذا من أوصافه الكاملة ونعمه الشاملة { ربكم } الذي أظهركم من كتم العدم بمقتضى لطفه، فأنى تصرفون عنه وعن توحيده وعبادته أيها المسرفون الضالون، مع ألا رب لكم سواه؟! { فتبارك الله } الواحد الأحد الصمد، العلي ذاته، الجلي بحسب أسمائه وصفاته { رب العالمين } [غافر: 64] على الإطلاق بالاستقلال والاستحقاق لا يعرضه زوال، ولا يطرأ له انقراض واتقال.

بل { هو الحي } الأزلي الأبدي الدائم، المستغني عن مقدار الزمان ومكيال المكان مطلقا { لا إله } في الوجود سواه، ولا موجود يعبد بالحق { إلا هو } وبعدما سمعتم أيها المكلفون خواص أسمائه وصفاته سبحانه { فادعوه مخلصين } واعبدوه مخصصين { له الدين } أي: العبادة والانقياد؛ إذ لا مستحق للإطاعة والعبادة سواه، وبعدما رجعتم نحوه مخلصلين، وعبدتم له مخصصين، قولوا بلسان الجمع: { الحمد } المستوعب لجميع المحامد الناشئة من ألسنة عموم المظاهر ثابت { لله رب العالمين } [غافر: 65] لانفراده في الألوهية، واستقلاله في الربوبية بلا توهم الشركة والمظاهرة.

[40.66-68]

{ قل } يا أكمل الرسل لعموم المشركين على وجه التنبيه والإرشاد، بعدما وضح أمر التوحيد، واتضح سبيل الهداية والرشاد: { إني نهيت } من قبل ربي الذي سمعتم استقلاله في ألوهيته وربوبيته { أن أعبد } وانقاد الآلهة الباطلة { الذين تدعون } أنتم { من دون الله } الواحد الأحد الصمد، الفريد في الألوهية، الوحيد بالربوبية { لما جآءني البينت } أي: حين نزل علي الآليات المبينة الموضحة { من ربي وأمرت } أيضا من لدنه سبحانه { أن أسلم } أي: أعبد وأنقاد على وجه الإخلاص والاختصاص، بلا رؤية الوسائل والأسباب { لرب العلمين } [غافر: 66] إذ هو سبحانه منزه عن التعدد والتكثر مطلقا، ورجوع الكل إليه أولا وبالذات.

وكيف لا يعبدونه سبحانه، ولا ينقادون إليه بتوحيده مع أنه { هو } الخالق المصور { الذي خلقكم } قدر صوركم أولا { من تراب } مسترذل إظهارا لقدرته الغالبة الكاملة { ثم من نطفة } مهينة مستحدثة من التراب { ثم من علقة } خبيثة متكونة من النطفة { ثم يخرجكم } من بطون أمهاتكم { طفلا } كائنا من أجزاء العلقة، والروح المنفوخ فيها من لدنه سبحانه.

{ ثم } يربيكم بأنواع اللطف والكرم { لتبلغوا أشدكم } أي: كمال قوتكم وحولكم نظرا وعملا { ثم } أمهلكم وأعمركم زمانا { لتكونوا شيوخا } منحطين منسلخين عن كلتا القوتين معا { ومنكم من يتوفى } ويموت { من قبل } أي: قبل بلوغه إلى أشده أو شيخوخته { و } إنما فعل سبحانه كل ما فعل من الأطوار المتعاقبة { لتبلغوا أجلا } معينا مقدرا { مسمى } عنده بلا اطاع أحد عليه؛ لقبضكم نحوه ورجوعكم إليه { و } الحكمة الباعثة على جميع ذلك { لعلكم تعقلون } [غافر: 67] وتفهمون أن مبدأكم ومنشأكم منه، ومعادكم إليه، فتبعدونه حق عبادته كي تعرفوه حق معرفته.

Shafi da ba'a sani ba