Tafsirin Jilani
تفسير الجيلاني
ثم ناداهم وخاطبهم مضيفا لهم إلى نفسه إمحاضا للنصح، واشتراكا معهم في الوبال النازل عليه، فقال: { يقوم لكم الملك اليوم } أي: ملك العمالقة مختص لكم اليوم بلا منازع ومخاصم، حال كونكم { ظاهرين } عالين غالبين { في } أقطار { الأرض } كلها، والحمد لله والمنة، فلا ترتكبوا فعلا جالبا لغضب الله عليكم، بل اتركوا قتله، وإلا { فمن ينصرنا } وينقذنا { من بأس الله } المنتقم الغيور وعذابه { إن جآءنا } ونزل علينا بسبب قتل الصادق الصدوق في الدعوى، المرسل من عند الله تبارك وتعالى، لو نزل بما كيف ندفعه؟.
قيل: هذا القائل المؤمن هو ابن عم فرعون، وهو عنده من المقربين.
ثم لما سمع فرعون من كلامه المشتمل على محض النصح { قال فرعون } معرضا له مطرحا إياه: { مآ أريكم } وأشير إليكم في رفع هذا المفسد المدعي { إلا مآ أرى } واستصوب في رأيي، واستقر عليه فكري، وهو أن يقتله ليدفع شره { و } اعملوا أيها الملأ { مآ أهديكم } بقولي هذا، وأمري بقتله { إلا سبيل الرشاد } [غافر: 29] الموصل إلى نجاتكم وخلاصكم من مفاسد هذا المدعي الساحر.
[40.30-33]
{ و } بعدما أكد فرعون أمر القتل، وبالغ في تصميم العزم { قال } الرجل { الذي آمن يقوم } ناداهم وأضافهم إلى نفسه إظهارا لكمال الاختصاص والشفقة: { إني } بمقتضى عقلي { أخاف عليكم } يوما هائلا شديدا { مثل يوم الأحزاب } [غافر: 30] الهالكين المستأصلين بحلول عذاب الله عليهم فيه؛ لأن دأبكم وديدنتكم في الخروج عن حدود الله ومقتضيات أوامره وأحكامه، والظهور على رسله وتكذيبهم إياهم.
{ مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود و } مثل المكذبين المسرفين { من بعدهم } ظهروا على رسل الله وكفروا به سبحانه { الذين } فلحقهم من العذاب ما لحقهم، وكذلك يحل عليكم ما حل عليهم، لو تقتفون أثرهم بالخروج عن مقتضى الحدود الإلهية { و } إلا { ما الله } العليم الحكيم { يريد ظلما للعباد } [غافر: 31] المتحرزين عن مطلق الجرائم والآثام المنافية للحدود الإلهية، فلا يعاقب من لا ذنب له، ولا يحل عليه عذابه.
ثم ناداهم القائل الموحد أيضا على سبيل التأكيد والمبالغة تتميما لما يخفى في صدره من ترويج الحق وتقوية الرسول المرسل به، فقال: { ويقوم إني أخاف عليكم يوم التناد } [غافر: 32] أي: العذاب الموعود في يوم القيامة، سميت به؛ لتفرق الناس فيه وفرار كل منهم عن أبيه وأخيه وأمه وبنيه.
وأخاف أيضا { يوم تولون } وتنصرفون عن موقف العرض والحساب { مدبرين } قهقرى هاربين فارين من كثرة الآثام والجرائم الجالبة لأنواع العذاب، تخيلوا أيها المسرفون وتحروا في نفوسكم { ما لكم } حينئذ { من } غضب { الله } ونزول عذابه عليكم { من عاصم } يعصمكم ويدفع عنكم عذابه { و } بالجملة: اعلموا أن { من يضلل الله } المضل المغوي بمقتضى قهره وجلاله، ويحمله على ما لا ينبغي له ولا يرضى منه سبحانه، بل إنما ابتلاه وحمله عليه فتنة واختبارا { فما له من هاد } [غافر: 33] أي: إنه ماله هاد يهديه إلى ما يعينه ويليق بحاله ويرضى منه سبحانه.
[40.34-35]
ثم قال القائل المذكور تسجيلا على غيهم وضلالهم: { و } كيف تستبعدون نبوة هذا المدعي ورسالته من عند الله مع أنه ليس ببدع منه، بل { لقد جآءكم } أي: على آبائكم وأسلافكم { يوسف } ابن يعقوب رسولا { من قبل } أي: من قبل هذا المدعي مؤيدا من عنده سبحانه { بالبينات } المبينة الموضحة لدعواه ورسالته { فما زلتم } أي: كنتم دائما مستمرا سلفا وخلفا { في شك } وتردد { مما جآءكم به } في أمر الدين وشأن التوحيد واليقين { حتى إذا هلك } أي: مات يوسف عليه السلام وانقرض زمانه { قلتم } من كمال تعنتكم وعنادكم على سبيل الجزم، بلا دليل وبرهان نزل عليكم عقلا ونقلا: { لن يبعث الله من بعده رسولا } مع أنكم شاكون في رسالته أيضا، بل في مطلق الرسالة والإنزال من الله الواحد القهار.
Shafi da ba'a sani ba