Tafsirin Jilani
تفسير الجيلاني
أتتعجب وتستبعد من الله إنجاز المواعيد الموعودة من عنده؟! { ألم تر } أيها المعتبر الرائي { أن الله } القادر المقتدر بالإرادة والاختيار { أنزل } وأفاض بمقتضى جوده المعهود { من السمآء } أي: عالم الأسماء والصفات { مآء } أي: حياة مترشحة من عين الوجود، وبحر الذات { فسلكه ينابيع } أي: أدخله في ينابيع التعينات، والهويات المنعكسة من تلك السماء والصفات، وأجراه { في الأرض } أي: الأرض الطبيعية القابلة لقبول الآثار الفائضة { ثم } بعد إخراجه عليها { يخرج به } يمقتضى حكمته المتقنة { زرعا } أي: هياكل أنواعا، وأصنافا مثمرة ثمر العقائد والمعارف والحقائق { مختلفا ألوانه } حسب اختلاف الاستعدادات الفائضة عليها من عنده.
{ ثم يهيج } أي: بعدما ظهر منها ما ظهر، وترتب عليها ما ترتب، يجف وييبس إلى حيث يذهب نضارتها ورواؤها المترتب على الإمداد الإلهي { فتراه } حنيئذ { مصفرا } مشرفا على الانهدام والانعدام { ثم يجعله } يقبض ما فيه من رشاشات الحياة { حطاما } فتاتا ورفاتا، تذروه رياح الآجال، وتعيده إلى ما عليه من العدم { إن في ذلك } المذكور { لذكرى لأولي الألباب } [الزمر: 21] أي: تذكيرا بليغا، وبرهانا قاطعا على وجوب وجود من هو منبع الجود، ومبدأ جميع الموجود، لا يطرؤه زوال، ولا يعرضه انتقال، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، إلا أنه يتذكر به، ولا يتنبه منه إلا أولوا الألباب، الناظرون بنور الله على لب الأمور، المعرضون عن قشوره.
ثم قال سبحانه: { أفمن شرح الله صدره للإسلام } يعني: أيستوي من وسع الله قلبه بنزول توحيده، ووفقه لقبل شرائع الإسلام ومعالم الدين المبين لدلائل التوحيد واليقين { فهو } بواسطة تشرح الله وتوفيقه أياه { على نور } انكشاف تام يقين كامل { من ربه } بحيث يفنى فيه، ويبقى ببقائه، وينظر بنوره، ومن طبع الله على قلبه، وختم على سمعه وبصره، فأعماه عن إبصار آيات وجوب وجوده، وأصمته عن استماع دلائل توحيده؟! كلا وحاشا.
بل { فويل } عظيم، وعذاب شديد معد { للقاسية } المضيقة المكدرة { قلوبهم من } سماع { ذكر الله } واستماع ما نزل من عنده من الآيات العظام الدالة على وحدة ذاته ووجوب وجوده { أولئك } الأشقياء المردودون عن ساحة عز القبول والحضور { في ضلال مبين } [الزمر: 22] وجهل عظيم، وغفلة شديدة، وغشاوة غليظة، لا نجاة لهم منها.
وبالجملة: لا يرتفع عن عيون بصائرم حجبهم الكثيفة أصلا
ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
[النور: 40].
[39.23-24]
فكيف يتيسر لأحد أن يعرض عن ذكر الله وعن استماع كلامه؟! مع أنه: { الله } الذي دبر أمور عباده، وأرشدهم إلى طريق معاده؛ حيث { نزل } تتميما لترتبيهم { أحسن الحديث } وأبلغه في الإفادة والبيان { كتابا } جامعا لما في الكتب السالفة { متشابها } بعض آياتها ببعض في حسن النظم، واتساق المعنى { مثاني } أي: ثنى سبحانه، وكرر الأحكام فيه تأكيدا ومبالغة، أمرا ونهيا، وعدا ووعيدا، وثوابا وعقابا، عبرا وأمثالا، قصصا وتذكيرا.
وجعله في كمال الإيجاز والإعجاز والتأثير؛ بحيث { تقشعر } أي: تنقبض وتضطرب على الاستمرار { منه } أي: من سماعه { جلود الذين يخشون } مهابة { ربهم } في جميع حالاتهم، خوفا من سلطة سلطنة جلاله { ثم تلين جلودهم و } تطمئن { قلوبهم إلى ذكر الله } رجاء من سعة رحمته، بمقتضى لطفه وجماله.
Shafi da ba'a sani ba