640

Tafsirin Jilani

تفسير الجيلاني

Daurowa & Zamanai
Seljukawa

{ و } قلنا له تعليما: { خذ بيدك } لحلفط { ضغثا } حزمة مشتملة على مائة من إغصان صغار، فاضرب به - أي: بالضغث - امرأتك بحيث وصل أثر جميع ما في الحزمة من الأغصان إليها { فاضرب به ولا تحنث } حينئذ في حلفك، فحللنا يمينك بها، عناية منا لك ولأمرأتك، فصارت رخصة باقية في حدود الشرائع إلى الآن.

وكيف لا نزيل شكواه، ولا نحسن إليه، ولا نجزيه أحسن الجزاء؟ { إنا وجدناه } عبدا { صابرا } لجميع ما هجم عليه من أنواع البلاء المتعلقة بماله وأولاده وبدنه { نعم العبد } عبدنا أيوب الصبور المسلم المفوض بلا جزع وتزعزع، فكيف يجزع ويتزعزع { إنه أواب } [ص: 44] رجاع الينا، متشمر نحونا في عموم أوقاته وحالاته، طلبا للفناء فينا والبقاء ببقائنا.

روي أن أيوب عليه السلام كان متمولا منعما عظيما، وكان له جميع أنواع متاع الدنيا، ومع ذلك شاكرا راضيا منفقا في سبيل الله لفقراء الله طلبا لمرضاته، وبعدما بالغ في شكر نعم الله وأداء حقوق كرمه، حسد عليه إبليس فقال مناجيا إلى الله: نظرت في عبدك أيوب فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكر لك، ولو ابتليته بالفاقة لم يكن كذلك، فقال سبحانه: " سلطتك يا ملعون علا ماله " فقال: إبليس لعفاريت: أيكم أشد وأقوى على إتلاف ماله؟ فقام أحدهم وتحول إعصارا من نار فأحرق إبله، وجميع من كان معها من الراعي، وصاح أحدهم منهم على أغنامه ورعاتها فهلكوا بالمرة، وآخر جاء بريح عاصفة على حرثه فنسفت ولم يبق منهما شيء.

فتمثل إبليس بصورة راع، وآخر من أعوانه بصورة حارث، وأتياه وهو يصلي وقالا: أقبلت نار فغشيت إبلك فأحرقتها ومن معها، وصاح على غنمك شيطان فهلكت بالمرة، وهبت على حرثك ريح فنسفت وصار كأن لم يكن، فقال أيوب: الحمد لله إنها مال الله أعارينها وهو أولى بها، وقد كنت قدما قد وطنت نفسي ومالي على القضاء.

وبعدما آيس إبليس من هذا الطريق قال: إلهي إنك متعته بأولاد فشكر لك لأجلها، فهل أنت مسلطي على أولاده؛ إذ هي من أعظم المصيبات لا يصبر عليها أحد من الناس؟ فقال: " نعم " ، فأتاهم اللعين وهم مجتمعون في قصر عند معلم أ>يب، فلم يزل يزلزلها ويحركها حتى أسقطها عليهم فأهلكهم بالمرةن فتمثل اللعين بصورة معلهم فأتاه وهو صريخ جزوع، فقال: لو رأيت بنيك كيف عذبوا، ونكسوا إلىحيث سال دمهم ودماغهم وشقت بطونهم وتناثرت أمعاؤهم، فقال أيوب عليه السلام متأوها: ليت أمي لم تلدني، ثم أفاق واستغفر عن ضجرته سريعا.

ورجع خاسئا وقنط اللعني من هذا أيضا، وقال: إليه إنما صبر أيوب عليه السلام على إهلاك أمواله وأولاده، ولازم توجهه نحوك؛ لأنك متعته بصحة البدن وسلامة الجسد، وهل أنت مسلطي على جسده؟ قال سبحانه: " سلطتك على غير لسانه وقلبه، فأتاه فوجده ساجدا، فنفخ في منخره نفخة اشتغل منها جسده، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم، فوقعت فيه حكة فلم يزل يحكه حتى قرح جسده وأنتن لحمه، فأخرجه أهل القرية منها، ورفضوه من كان من أرحامه سوى امرأته " رحمة " فتمثل لها إبليس في صورة رجل، فقال لها: أين بعلك؟ هو ذلك يحك قروحه وتردد الديدان في جسده.

فلما سمعتها خيلت أنها كلمة جزع صدرت منه، فذكر لها تغريرا ما كان فيه من النعيم ثم أتى بسخلة، فقال لها: ادفعيها إلى أيوب عليه السلام ليذبح لي حتى يبرأ من السقم فجاءت مع السخلة تصرخ يا أيوب إلى متى يعذبك ربك أين الأموالم والأولاد والوجه الحسن؟! اذبح هذه واسترح، فقال أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك، أرأيت ما تبكين عليه من المال والولد الصحة من أعطانيه؟ قالت: الله، قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: فمنذ كم ابتلينا؟ قالت: سبع سنين وأشهرا، قال: ويلك ما أنصفت لنصبرن في هذا البلاء ثمانين سنة كما لنا في الرخاء، أما تستحين من الله؟! أمرتني أن أذبح لعدو الله، لا أذوق شيئا مما تأتيني به بعد اليوم، اعزلي عني ودعي معي ربي.

فلما ذهبت امرأته ورأى أيوب ليسي عنده طعام ولا شراب ولا صديق، اضطر إلى بث الشكوى مع المولى فسقط ساجدا، وقال مناجيا صارخا ضارعا: { أني مسني الشيطان بنصب وعذاب } [ص: 41] وسمع حنيئذ من الهاتف: ارفع رأسك فقد استجبت لك، فرفع رأسه وأوحي إليه من قبل ربه { اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } [ص: 42].

{ واذكر } يا أكمل الرسل { عبادنآ } الذين هم أجدادك وأسلافك { إبراهيم و } ابنه { إسحاق و } سبطه { يعقوب } واذكر من شمائلهم الجميلة وخصائلهم الحميدة؛ ليتعظ من سماعها ذوو الاعتبار من المؤمنين، ويقتدون بمآثرهم؛ لأنهم كانوا { أولي الأيدي والأبصار } [ص: 45] أي: ذوي القوة في الطاعة والبصيرة في مراسم الدين ومعالم اليقين، ولهم التمكن في مقر التوحيد، والوصول إلى درجات التجريد والتفريد.

ولا بد للذين يلونهم أن يقتدوا بهم، ويسترشدوا من أخلاقهم وآثارهم، ويتصفوا بأوصافهم؛ كي يفوزوا بمعارفهم، وينكشفوا بمكاشفتهم ومشاهدتهم؛ لأنهم قدوة أصحاب التوحيد، وزبدة أرباب الشهود.

Shafi da ba'a sani ba