Tafsirin Jilani
تفسير الجيلاني
{ و } المحجوبون { الذين تدعون } وتدعون { من دونه } من التماثيل الباطلة والأظلال الهالكة العاطلة تعنتا وعنادا، مع أو ما يسمون أولئك الجاهلون آلهة سواه سبحانه، ويسندون الأمور إليهم مكابرة { ما يملكون من قطمير } [فاطر: 13] أي: ليس لهم أن يتصرفوا في قشرة رقيقة ملتفة على ظهر النواة، وهذه مثل في القلة عند العرب فيكف في غيرها؛ إذ الألوهية مسبوقة بوجوب الوجود بالصفات الكاملة الذاتية والأسماء الحسنى التي لا تعد ولا تحصى.
وليس لهؤلاء الأظلال الهالكة وجود في أنفسها، ومن أين يتأتى منهم الألوهية؟! بل هم من أدنى الممكنات وأدون المكونات؛ لكونهم جمادات لا شعور لهم أصلا إلى حيث { إن تدعوهم } وتلتجئوا نحوهم { لا يسمعوا دعآءكم } إذ ليس لهم قابلية السماع والاستماع { ولو سمعوا } يعني: لو فرض أنه سمعوا على سبيل الفرض المحال { ما استجابوا لكم } إذ ليس لهم القدرة والإرادة والأوصاف الكاملة اللازمة للألوهية والربوبية { و } مع عدم نفعهم إياكم أنتم أيها الجاهلون { يوم القيامة يكفرون } ويؤاخذون { بشرككم } وإشراككم؛ أي: اتخاذكم إياهم شركاء مع الله، وهم يتبرءون عنكم وأنتم عنهم { ولا ينبئك } ويخبرك أيها المخاطب النبيه الفطن أحوال النشأة الأخرى، وما سيجري بينك وبين شركائك من البراءة والملاعنة { مثل خبير } [فاطر: 14] وهو الله العليم الحكيم، الذي لا يعزب عن إحاطة حضرة علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، لا في الأولى ولا في الأخرى، وعنده مفاتح الغيب ومقاليد الأمور لا يعلمها إلا هو.
[35.15-18]
ثم نادى سبحانه عموم عباده على سبيل الاستغناء عنهم وعن أعمالهم وعن محامدهم وأثنيتهم الجارية على ألسنتهم، فقال: { يأيها الناس } الناسون عهود الله ومواثيقه التي واثقكم بها ربكم مع أنكم تنسون نعمه، وتذهلون عن حقوق كرمه { أنتم الفقرآء } المحتاجون بالذات المقصورون على الافتقار { إلى الله } الذي أظهركم من كتم العدم ولم تكونوا شيئا مذكورا، ورباكم بأنواع النعم، سيما العقل المفاض، الذي هو مذكركم عن مبدئكم ومنشئكم، فلم تشكروا نعمة مبدعكم ومربيكم أيها الغافلون الجاهلون مع أنكم محتاجون إليه.
{ والله } المنزه بذاته عن شكر الشاكرين وكفر الكافرين { هو الغني } المنحصر على الغنى الذاتي، بحيث لا احتياج له ولا استكمال أصلا؛ إذ كمالاته سبحانه كلها بالفعل بحيث لا ترقب في شئونه مطلقا { الحميد } [فاطر: 15] المحمود في نفسه على الوجه الذي يليق بشأنه؛ إذ لا يتأتى عن مصنوعاته الحمد الحقيقي بذاته، وإنما أظهركم أيها الأظلال الهالكة بمقتضى جماله ولطفه؛ لتواظبوا على عبادته وعرفانه، كي تصلوا إلى توحيده صاعدين من حضيض الإمكان إلى أوج الوجوب الذاتي علما وعينا وحقا، فأنتم تتكاسلون وتتمايلون إلى أهوية نفوسكم البهيمية ومشتهيات قواكم البشرية، أما تخافون وتتأملون أيها المغرورون؟!.
{ إن يشأ } سبحانه { يذهبكم } عن فضاء البروز بالمرة إلى كمون العدم { ويأت } بدلكم { بخلق جديد } [فاطر: 16] أي: بمخلوق سواكم؛ تتميما لحكمة العبادة والمعرفة.
{ و } اعلموا أيها الهالكون في تيه الغفلة أنه { ما ذلك } التبديل والإتيان { على الله } القادر المقتدر على إظهار جميع ما لاح عليه برق علمه وإرادته { بعزيز } [فاطر: 17] غير متعذر، بل عنده ويجنب سرعة نفوذ قضائه سهل يسير.
{ و } بعدما عرفتم قدرة الله وسمعتم كمال استغنائه، فلكل منكم الإتيان بمأموراته والاجتناب عن منهياته؛ إذ { لا تزر } تحمل نفس { وازرة } آثمة عاصية { وزر } نفس عاصية { أخرى وإن تدع } تطلب نفسه { مثقلة } بالأوزار والمعاصي { إلى حملها } أي: حمل بعض من الأوزار المحمول عليها { لا يحمل منه شيء } أي: لا يحمل أحد شيئا من أوزاره، وإن رضي بحملها على مقتضى العدل الإلهي { ولو كان } المدعو للحمل { ذا قربى } أي: من قرابة الداعي، بل كل واحد من النفوس يومئذ رهينة ما اقترفت من المعاصي، ما حملت إلا عليها وما حوسبت بها إلا هي.
ثم قال سبحانه مخاطبا لحبيبه صلى الله عليه وسلم في شأن عباده: { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } يعني: ما تفيد إنذاراتك التي تلوت يا أكمل الرسل على هؤلاء الغفلة إلا القوم الذين يخافون من الله، ومن عذابه وعقابه حال كونهم غائبين عنه، سامعين له، خاشعين من نزوله، خائفين من حلوله بغتة { و } مع ذلك { أقاموا الصلاة } المأمورة، المقربة لهم إلى جانب قدسه، المخلصين فيها، المطهرين نفوسهم عن الميل إلى ما سوى الحق { ومن تزكى } وظهر نفسه عن الميل إلى البدع والأهواء { فإنما يتزكى لنفسه } إذ نفع تزيكته عائد إليه، مفيد له في أولاه وأخراه { و } بعد تزكيته عن لوازم بشريته ومقتضيات بهيميته العائقة عن الوصول إلى مبدأ فطرته { إلى الله } المنزه عن مطلق النقائص، المبرء عن جملة الرذائل { المصير } [فاطر: 18] أي: المنقلب والمآب يعني: مرجع الكل إلأيه، ومقصده دونه سبحانه.
[35.19-26]
Shafi da ba'a sani ba