Tafsirin Jilani
تفسير الجيلاني
{ فلما جآءهم موسى } مؤيدا { بآياتنا } الدالة على صدقها في دعواه، مع كونها { بينات } ظاهرات واضحات أنها من عندنا بلا تردد وريب { قالوا } من كمال قسوتهم وانهماكهم في الضلال: { ما هذآ } الذي أتى به على صورة المعجزة والبرهان { إلا سحر مفترى } اختلقه من تلقاء نفسه، ونسبه إلى الله افتراء وترويجا لباطله من صورة الحق { و } من شدة حرصه على ترويج ما زخرفه من عند نفسه سماه دينا وهداية ورشدا، ونسبه إلى الوحي والإنزال من الإله الواحد الموهوم، مع أنا { ما سمعنا بهذا } أي: بوحدة الإلهة المرسل للرسل، والمنزل للكتب بالوحي والإلهام، الواضع للأديان والشرائع بين الأنام كائنا ثابتا { في آبآئنا الأولين } [القصص: 36] إن هو إلا إفك افتراه، ولبس على الأنام أمره؛ تغريرا عليهم، وتضليلا لهمز
{ و } بعدما أبصروا الآيات القاطعة والبراهين الساطعة، ونسبوها من غاية غيهم وضلالهم إلى لاسحر والشعوذة، مع أنها بمراحل عنها { قال موسى } بعدما قنط من إيمانهم وصلاحهم: { ربي } الذي رباني بأنواع الكرامات { أعلم } مني { بمن جآء بالهدى } والرشد المنزل { من عنده } بمقتضى وحيه وإلهامه، ومن اهتدى واسترشد به { ومن تكون له عاقبة الدار } يعني: العاقبة الحميدة المترتبة على هذه النشأة التي هي دار الابتلاء والاختبار، وبالجملة: { إنه } سبحانه بمقتضى عدله وحكمته { لا يفلح الظالمون } [القصص: 37] الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية، ولا يفوزون بما فاز المتقون من المثوبة العظمى والدرجة العليا.
[28.38-42]
{ و } بعدما أتم موسى كلامه الصادر عن محض الحكمة { قال فرعون } مستكبرا مستحييا عمن حوله من الأنام؛ لئلا ينسبوه إلى العجز والإفحام مناديا لهم على سبيل العظمة والكبرياء: { يأيها الملأ ما علمت لكم من إله } يعبد بالحق ويستحق لها { غيري } ومن أين يدعي هذا الكذاب في السماء إلها سواي؟! { فأوقد لي يهامان على الطين } أ ي: من العملة أن يتخذوا من الطين لبنها، وأوقدوه بالنار إلى أن ياصر آجرا متحجرا { فاجعل لي } منها { صرحا } رفيعا، وقصرا منيعا سمكها متصلا إلى السماء، فأستعلي عليه { لعلي أطلع إلى إله موسى } فإن أقبل بالقتل أغلبه، وأحطه على الأرض صاغرا مهانا { و } بالجملة: { إني لأظنه } في هذه الدعوة { من الكاذبين } [القصص: 38] القائلين بقول لا منشأ لها في الواقع ولا أصل.
قيل: بنى رصدا؛ ليطلع على نظرات الكواكب، هل يجد فيها نظرا يدل على زوال ملكه باستيلاء موسى عليه السلام.
{ و } من كمال سكرتهم وعمههم، وإمهالنا إياهم متمتعين { استكبر هو } أي: فرعون { وجنوده في الأرض بغير الحق } والاستحقاق، وترقبوا في عتوهم وعنادهم إلى أن ظهروا على الله بأمثال هذه الهذيانات الباطلة { وظنوا } بالإقدام والجرأة على مثل هذه الخرافات { أنهم } بعد خلعهم لوازم الناسوت { إلينا لا يرجعون } [القصص: 39] رجوع الأظلال إلى الأضواء المنعكسة من شمس الذات، والأمواج إلى الماء.
وبعدما بالغوا في العتو والعناد، وظهروا على الأرض بأنواع الفساد { فأخذناه } أي: فرعون بمقتضى قهرنا وجلالنا { وجنوده } أيضا بأنواع العذاب { فنبذناهم } أي: طرحناهم { في اليم } وغطيناهم بالماء فأغشيناهم بها، مثل غشي وجوداتهم الباطلة بالوجود الحق الإلهي { فانظر } يا أكمل الرسل { كيف كان عاقبة الظالمين } [القصص: 40] ومآل أمرهم، وما يؤول إليه حالهم وشأنهم { و } من كمال ابتلائنا إياهم ومكرنا معهم: { جعلناهم أئمة } قدوة للضلال { يدعون } من تبعهم ويقتفي أثرهم { إلى النار } أي: أسبابها وموجباتها؛ إذ مآل الكل إليها تابعا ومتبوعا { ويوم القيامة لا ينصرون } [القصص: 41] أي: لا يدفع عنهم العذاب، ولا يخفف عليهم بشفاعة أحد.
{ و } كيف ينصرون أولئك الضالون المضلون، مع أنا { أتبعناهم } وألزمنا عليهم { في هذه الدنيا لعنة } مستمرة جارية على ألسنة من على الأرض { ويوم القيامة } المعدة للجزاء { هم من المقبوحين } [القصص: 42] المطرودين المسوقين نحو جهنم صاغرين مهانين؟!.
[28.43-46]
{ و } بعدما نبذنا فرعون وجنوده في اليم { لقد آتينا } وأعطينا من كمال جودنا { موسى الكتاب } أي: التوراة الجامعة لظواهر الأحكام { من بعد مآ أهلكنا القرون الأولى } واستأصلنا آثارهم وأحكامهم، بحيث لم يبق من شرائع المتقدمين وآثارهم وأحكامهم شيئا بين الأنام، كنوح وهود وصالح وإبراهيم؛ وإنما آتيناه ليكون { بصآئر للناس } أي: ينوروا بأحكامه وأوامره عيون بصائرهم، ويستيقظوا من منام الجهل والغفلة، ويشتغلوا بطلب الحق.
Shafi da ba'a sani ba