244

{ قل } أيضا لهم إلزاما وتبكيتا: { لو شآء الله } أي: لو تعلق مشيئته غير هذا المتلو { ما تلوته } أنا، وما أوحاه علي، وما أجراه على لساني { عليكم ولا أدراكم به } وأعلمكم على لساني، ولكن تعلق بمشيئته بهذا فأوحاه وأجراه { فقد لبثت فيكم عمرا } مدة أربعين سنة { من قبله } أي: قبل وحي القرآن بلا تلاوة وإدراء وإعلام { أفلا تعقلون } [يونس: 16] وتستعملون عقولكم في هذا الأمر، ولا تدبرون وتدربون فيه مع أنكم متدربون بأساليب الكلام، متبالغون فيه أقصى الغاية.

{ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ونسب إليه ما لم يصدر عنه؛ افتراء ومراء { أو كذب بآيته } التي صدرت عنه، ونزلت على رسله وأنبيائه؛ لإصلاح أحوال عباده، وإرشادهم مبدأه ومعاده، وبالجملة: { إنه } سبحانه { لا يفلح المجرمون } [يونس: 17] المفترون عليه بالأباطيل الزائفة، المكذبون كلامه المنزل من عنده على رسله.

[10.18-21]

وكيف يفلحون ويفوزون بالفلاح { و } هم من شدة ضلالهم { يعبدون من دون الله } المتوحد بذاته، المستقل بألوهيته { ما لا يضرهم ولا ينفعهم }؟! لأنهم ليسوا من ذوي القدرة والإرادة، بل من جملة الجمادات المعطلة التي لا شعور لها أصلا { ويقولون } من كمال غفلتهم وضلاتهم: { هؤلاء } الأجسام والتماثيل العاطلة { شفعاؤنا عند الله } ينقذوهم من بأس الله وبطشه إن تحقق وقوعه { قل } لهم يا أكمل الرسل تسفيها وتحميقا: { أتنبئون } تخبرون بقولكم هذا { الله } العالم بالسرائر والخفايا { بما لا يعلم } من الأمور الكائنة لا { في السموت ولا في الأرض } من الكوائن فيها، مع أنه سبحانه لا يعزب عن حيطة علمه شيء في الأرض ولا في السماء { سبحانه وتعالى عما يشركون } [يونس: 18] من الأوثان والتماثيل التي لا شعور لها أصلا، مع أنها من أدون المظاهر، وأخس المخلوقات، وبالجملة: ما قدروا الله أولئك الحمقى حق قدره، لذلك نسبوا إليه ما هو منزه عنه، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

{ وما كان الناس } المجبولون على مظهرية الحق، المنعكسون من أظلال أسمائه الحسنى وصفاته العليا { إلا أمة واحدة } ملتجئة إلى الله، مقتبسة من أنوار تجلياته { فاختلفوا } أي: الأظلال الهالكة باختلاف صور الأسماء المتقابلة، والأوصاف المتضادة المتخالفة حسب الشئون والتجليات المتجددة في الكمالات المترتبة عليها { ولولا كلمة سبقت من ربك } يا أكمل الرسل؛ لتسويتهم وتعديلهم في النشاة الأخرى { لقضي بينهم } بالعدالة والقسط { فيما فيه يختلفون } [يونس: 19] في هذه النشأة بلا تأخير إلى أخرى، لكن الحكمة المتقنة الإلهية تقتضي تأخيرها، ولذلك أخرت أمرهم وحسابهم وعذابهم؛ لئلا يبطل سر التكاليف والأوامر والنواهي.

{ ويقولون } بعدما اقترحوا عنه بالآيات ولم تنزل: { لولا } أي: هلا { أنزل عليه آية من ربه } من الآيات المقترحة، مع أنه دعواه أن الله قادر على جميع المقدورات والمرادات، لا يخرج عن حيطة قدرته شيء { فقل } في جوابهمه: بلى، إن الله قادر على جميع المقدورات، ومن جملة مقترحاتكم، إلا أن في عدم إنزالها وإنجائها حكمة غيبية ومصلحة خفية، لا يعلمها إلا هو { إنما الغيب } كله { لله } وفي حيطة حضرة علمه { فانتظروا } بتعليق إرادته بمقترحاتكم { إني معكم } أيضا بلا تفاوت بيني وبينكم في عدم الاطلاع على غيبه { من المنتظرين } [يونس: 20].

ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع للمسرفين: { وإذآ أذقنا الناس رحمة } خلاصا ونجاة { من بعد ضرآء مستهم } واضطرتهم إلى الرجوع والتوجه نحونا { إذا لهم مكر } أي: ما جاءوا بعد نزول الرحمة إلى المكر والخديعة مع نبينا، والطعن { في آياتنا قل } لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا: { الله } المطلع لضمائركم ومخايلكم { أسرع مكرا } وأشد تدبيرا وانتقاما على مكركم وخداعكم، أعد لكم عذاب مكركم، وأشهد عليكم الملائكة، كما قال: { إن رسلنا } الموكلون عليكم، المراقبون لأحوالكم { يكتبون } في صحائف أعمالكم { ما تمكرون } [يونس: 21] وتحيلون مع الله ورسوله.

[10.22-23]

وكيف لا يراقبكم ويحافظ عليكم { هو الذي يسيركم } أي: يمكنكم على السير والسياحة { في البر والبحر } ليجرب إخلاصكم وتقوالكم، ورسوخكم في الإيمان { حتى إذا كنتم في الفلك } أي: السفن { وجرين } الجواري { بهم } أي: بمن في السفن { بريح طيبة } معتدلة، موافقة لسيرها { وفرحوا بها } ويجريها على مرادهم { جآءتها } بغتة { ريح عاصف } شديدة الهبوب، مزلزلة لها { و } من شدة هبوبها وتحركها البحر { جآءهم الموج } مثل الجبال الرواسي { من كل مكان } أي: جانب وجهة { وظنوا } من غاية ارتفاع الأمواج المتتالية { أنهم أحيط بهم } أسباب الأهلاك لتقع عليهم وتستأصلهم، وحينئذ { دعوا الله } ملتجئين متضرعين { مخلصين له الدين } أي: مقتصرين الإطاعة والانقياد له؛ إذ لا تعارضه حينئذ الأهواء الفاسدة والآراء الباطلة، قائلين: { لئن أنجيتنا } يا ربنا بفضلك وجودك { من هذه } البلية المحيطة بنا { لنكونن من الشاكرين } [يونس: 22] لنعمك المتذكرين دائما لجودك وكرمك.

{ فلمآ أنجاهم } إجابة لدعائهم، وكشفنا لضرهم وبلائهم { إذا هم } يفاجئون إلى الكفران ويسارعون إلى الطغيان، حيث { يبغون } ويطلبون الفساد { في الأرض } المعدة للعبادة والصلاح { بغير الحق } أي: بلا رخصة شرعكية، بل عن بغي وعناد، التفت سبحانه من الخطاب إلى الغيبة؛ تنبيها على بعدهم وطردهم عن ساحة عز الحضور، لذلك أبعدهم بالغيبة بعدما قربهم بالخطاب.

Shafi da ba'a sani ba