الباب الثالث في ذكر ما وقفت عليه من أسمائه الشريفة ﷺ وشرحها وما يتعلق بها من الفوائد
قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: قال بعض الصوفية: لله تعالى ألف اسم، وللنبي ﷺ اسم شريف.
قلت: والذي وقفت عليه من ذلك خمسمائة اسم، مع أن في كثير منها نظرًا وها أنا ذاكر ما رأيته معزيًا كلّ اسم لم يرد في القرآن ولا في السنة برموز فللقاضي «يا» وللعزفي «ع» ولابن دحية «د» ولأبي الفتح ابن سيد الناس «ح» ولشيخنا الأسيوطي «ط» وللسّخاوي «خا» وللشيخ عبد الباسط البلقيني «عا» ومن عداهم صرّحت به.
«محمّد»
قال الله ﷾: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هو علم وصفة اجتمع فيه الأمران في حقه ﷺ وإن كان علما محضا في حق كثير ممن يسمّى به غيره ﷺ. وهذا شأن أسماء الرب ﵎ وأسماء نبيه ﷺ، هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف مدح فلا تضادّ فيها العلمية الوصفية بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين. فهو الله الخالق البارئ المصوّر القهّار. فهذه أسماء له تعالى دالة على معان له هي صفات.
وكذلك أسماء النبي ﷺ وإلا لو كانت أعلامًا محضة لا معنى لها لم تدلّ على مدح.
وهي في الأصل اسم مفعول منقول من صفة الحمد وهو بمعنى محمود، وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته وإجلاله وتعظيمه، وهذا هو حقيقة الحمد وبني على زنة مفعّل بتشديد العين مثل معظّم ومبجّل لأن هذا البناء موضوعٌ للتكثير فإن اشتق منه اسم فاعل فمعناه من كثر صدور الفعل منه مرةً بعد مرة كمعلّم ومفهّم ومفرّح وإن اشتقّ منه اسم مفعول فمعناه من تكرر وقوع الفعل عليه مرة بعد أخرى، أو الذي يستحق له الحمد إما استحقاقًا أو وقوعًا.
فمحمد هو الذي كثر حمد الحامدين له. مرةً بعد مرة، كالممدوح كما قال الأعشى:
إليك أبيت اللّعن كان وجيفها ... إلى الماجد القرم الجواد المحمّد
[(١)]
[(١)] البيت من قصيدة في مدح النعمان بن المنذر ومطلعها:
أترحل من ليلى، ولما تزوّد؟ ... وكنت كمن قضّى اللبانة متردد
ورواية البيت في الديوان:
إليك- أبيت اللّعن- كان كلالها ... إلى الماجد الفرع الجواد المحمد
وكلالها أي: إرهاقها انظر ديوان الأعشى الكبير، ص ٥٨، ٥٩ والأغاني ٩/ ٨١، ط بولاق.