Shuyuciyya Wa Insaniyya
الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام
Nau'ikan
ولقد آل هذا التراث الملوث إلى زعيمين منفذين، هما بالإجماع أكبر من تولى تنفيذ الشيوعية بعد قيام دولتها في بلاد القياصرة، وهما «لينين» و«ستالين» وكلاهما ناقص التكوين من مولده، وكلاهما منعوت بألسنة ذوية وأعرف الناس به أو بلسانه وما يتكشف من خلائقه في عرض كلامه، وكل هذه النعوت خليقة أن تسلكهم فيما شاءوا من زمرة إنسانية إلا زمرة الصادقين في حب الخير والصلاح. «لينين» تأخر في المشي حتى ولدت أخته التي هي أصغر منه فتدرب على المشي معها، وعللت أخته الكبرى - أنا - في مذكراتها عنه هذا التأخير بكبر دماغه، وكبر - كما قالت أخته هذه - وليس له صديق حميم بين لداته وإن كان منهم من يحبه، وجاء في مذكرات «كيرنسكي» عنه وهو مولود في بلده - أنه كان مطبوعا على القسوة منذ صباه، وكان يتلذذ بإطلاق بندقيته على القطط وكسر أجنحة الغربان، وهذه كلمة خصم قد يتهم في شهادته لو لم تؤيدها كلمة «أوجين شيركوف» من لداته في المدرسة بقازان: «إنه كان دائما مخضب اليد، وبالأمس قتل ببندقيته قطة صغيرة» - وتزيد أخته - أنا - في مذكراتها على ما تقدم من وصف أخيها أنه كان لا يحضر معه إلى البيت أحدا من زملائه في المدرسة، وكان يجتنب زملاءه في خارجها، أو يقضي أوقاته في عزلة عن الصحاب. ولما انتظم في جماعات الثوار كان من الفريق الذي يستبيح الفتك والإرهاب، وكتب في سنة 1901م: «إننا لم نمنع الفتك والإرهاب قط من جهة المبدأ، وإنهما قد يكونان من ضروريات الكفاح التي لا غنى عنها.»
ولا يخفى أن التراجم التي كتبت عن «لينين»، وعرضت لسيرته من مولده إلى نهاية حياته سيل لم ينقطع منذ اشتهار اسمه بعد الثورة الروسية، تحرينا منها ما كتبه أقرباؤه وأبناء بلده؛ لأنهم أولى بمعرفته وأبعد من مطعن التحامل عليه، وراجعنا - مع هذا - غير تلك التراجم، فلم نجد فيها ما يخالف الصورة التي صورها له أقرب الناس إليه وأرغبهم في الثناء عليه، صورة مخلوق ناقص التكوين ناقص العاطفة، بينه وبين أبناء نوعه جفوة إن لم تكن قطيعة، تغري بالعداء ولا تغري بالولاء.
وفي رأينا أن كلمة منه هنا - وكلمة هناك - أحجى من كل ما قيل عنه أن تبرزه في صورة العاطفة الناقصة، وما تنم عليه من التكوين الناقص، وهو القائل فيما نقلناه عنه من غير هذا الفصل أن سياسته مع الخصم أن يمحوه من على ظهر الأرض، ويعفي على أثره، وهو القائل في حديث عابر رواه عنه: «جوركي» الكاتب الروسي المشهور: إنه يخشى مغبة التلطف مع الناس، ولم يقل ذلك في كلام عن العداوة السياسية أو المذهبية، بل قاله وهو يستمع إلى الموسيقى التي كان يحبها كما يحبها جمهرة الروسيين.
روى «جوركي» أنه استمع يوما إلى لحن من ألحان «بيتهوفن» فقال له: «إنه يود أن يسمعه صباح مساء، وإنه على حبه الموسيقى يحذر أن يصغي إليها طويلا ؛ لأنها ترقق العاطفة، وتهم بيد السامع أن يربت على رءوس من حوله. وينبغي على كل حال أن يحذر الإنسان التربيت بيده على رءوس الناس؛ لأنها قد تصادف هناك عضة تستأصلها.»
4
إنسان يحسب أنه على خطر من العطف والرحمة، وأنه لا يجد الأمان مع الناس إلا على الحذر والاتقاء. وعلى هذا الحذر والاتقاء لا نعلم من سيرته أنه حذر الفطنة واتقاء الوعي الذي يدرك به طبائع الناس ممن هم أولى بإدراكه لاشتراكهم معه في الدعوة، وملابستهم إياه فيما يعلمونه على توالي السنين جهرة وخفية، فقد كان على خبثه لا يقدر على ذلك «التعاطف» من الجانب المقابل لجانب الاشتراك في المودة والتفاهم «الشعوري» بغير كلفة، فلم يفهم نفوس أعدى أعدائه المتجسيين عليه والمرائين له بالحماسة والغيرة والمجانسة في الرأي والشعور، وكان له أربعة من أخص الخواص عنده يعملون لحساب الحكومة، ويحتلون مراكز القيادة في حزبه، ومنهم «آزيف» رئيس فرقة المقاتلين، و«مالنوفسكي» محرر «برافدا» لسان حال الحزب زعيم النواب الشيوعيين في الدوما، و«ميرون شرنيمازوف» زميله في تحريرها وأمين صندوقها بالتناوب مع الجواسيس الآخرين، و«كوكوشكين» رئيس شعبة موسكو المدخرة لتنفيذ الانقلاب في ساعة الخطر، وسيأتي أن «ستالين» - خليفته - كان واحدا من هؤلاء الجواسيس المؤتمنين على أسرار الحزب والزعامة في أحرج أوقات «الجهاد».
5
إن هذا الجهل بضمائر الناس - مع ذلك الحذر - معناه نقص العاطفة من طرفها الآخر - أو معناه انحصار العاطفة انحصارا لا مجاوبة فيه بينه وبين أبناء حواء على العداء ولا على الولاء. •••
وقد أصيب «لينين» بالعجز التام عن الحركة في أواخر أيامه، قيل: من أثر رصاصة لم تقتله، وقيل من أثر النقص الذي كمن في تكوينه، وظهر مبكرا في عجزه عن المشي قبل الرابعة، وتتواتر الشائعات بين المطلعين على أخباره ومنهم «تروتسكي» - أنه مات مسموما، ولم يمت مباشرة بفعل الفالج الذي كان يعاوده في السنة الأخيرة كلما خفت وطأته عليه، وأن «ستالين» عجل بسمه خشية على مركزه في الحزب بعد وصية «لينين» التي نصح فيها لأعضاء اللجنة العليا فيه بالتخلص من «ستالين»، وإسناد «السكرتارية» إلى غيره. •••
وإذا انتهينا إلى البحث في طبيعة «ستالين»، فنحن أمام «شخصية مفسرة» تتقارب فيها الشقة بين أقوال الشيوعيين وأعداء الشيوعية، وتتكرر من أعمالها دلائل الإجرام التي لا حاجة بها إلى أقوال الأنصار والخصوم.
Shafi da ba'a sani ba