369

وكانا أومأنا إلى ذلك في بعض ما سلف فنقول : إن " الضروري " إما أن يقال بحسب الوجود المطلق بلا شرط : وهذا الذي لا يمكن البتة أن يفرض معدوما في وقت من الأوقات. وإما أن يقال بحسب العدم المطلق، وهو الشيء الذي لا يمكن البتة أن يفرض موجودا في وقت من الأوقات، وإما أن يقال بحسب وجود حمل ما أو عدم حمل ما وهو سلبه. وهذا على أنحاء خمسة : فيقال إما أن يكون السلب والإيجاب دائما لم يزل ولا يزال : كقولنا الباري واحد، والباري ليس بجسم. أو يكون السلب والإيجاب ليس دائما على الإطلاق، بل دائما ما دام ذات الموضوع موجودا ذاتا كقولنا : كل إنسان حيوان بالضرورة، أي ما دام كل إنسان وكل موصوف بأنه إنسان - وهو الموضوع - موجود الذات : فإنه يوصف بأنه حيوان لا دائما : فإن كل إنسان يفسد فلا يبقى اتصافه بأنه حيوان دائما، أو يكون لا ما دام ذات الموضوع موجودا، بل ما دام ذاته موصوفا بالمعنى الذي جعل موضوعا معه. مثاله : كل أبيض فهو بالضرورة ذو لون مفرق للبصر لا دائما لم يزل ولا يزال، ولا ما دام ذات الموصوف بأنه أبيض موجودا - فإن بعض الذوات الموصوفة بأنها أبيض قد تزول هذه الصفة عنها مع وجودها ويزول أيضا ما يلزم هذه الصفة وهو ذو لون مفرق للبصر - بل ما دامت الذات موصوفة بأنها أبيض فإنها تكون لا محالة موصوفة بأنها ذات لون مفرق للبصر. أو تكون الضرورة فيه بشرط ما دام المحمول موجودا. وهذا يصح في كل وجود وفي كل نحو من الضرورة مما سبق ذكره وما يجيء بعد : فإن كل موجود ضروري الوجود أو غير ضروري الوجود فإنه ما دام موجودا فلا يمكن ألا يكون موجودا بشرط ما دام موجودا. ولكن إنما يفرد هذا القسم فيما لا كون لمحموله ضرورة إذا رفع (97 ب) هذا الشرط البتة. كقولنا كل إنسان فإنه قاعد بالضرورة ما دام قاعدا، ولا نقول قاعد بالضرورة ونسكت. فمادة هذه الجهة من الضروريات ممكنة للكل من الموضوع وفي كل لوقت. وبهذا تفارق الأقسام الأخرى. أو تكون الضرورة متعلقة بشرط وقت كائن لا محالة - لا بشرط وضع أو حمل - مثل إن القمر ينكسف بالضرورة - أي وقت ما، وبعض الشجر ينتثر ورقه بالضرورة ويورق في الربيع بالضرورة. وقوم حسبوا أن هذا القسم هو الذي قبله : لأن القمر ينكسف بالضرورة ما دام منكسفا، وليس كذلك : بل هذا قسم على حدة وإن كان يصح عليه شرط ذلك القسم كما يصح في سائر الأقسام السالفة، وذلك لأن هذا القسم له وقت ضروري لا يمكن ألا يكون فيه. والقسم الذي قبله ليس له وقت ضروري؛ بل ضرورته اشتراط وجود نفسه، واشتراط وجود نفسه صالح في كل وقت. وهذا القسم في وقته ضروري الوجود - ل لأنه موجود وبشرط وجوده فقط، بل على الإطلاق. وهو في ذلك الوقت لا يمكن ألا يكون.وليس انكساف القمر وقت انكسافه كقعود زيد وقت قعوده. ولا يحتاج إلى أن نطول الكلام في هذا فإن المقدار الذي قلناه واضح. والقسم الرابع لا يدخل في إنتاج النتائج البرهانية الضرورية بذاتها : بل إن كانت من مواد ممكنة أكثرية صلحت أن تنتج نتائج إمكانية أكثرية. وأما سائر الأنحاء فتستعمل في البرهان إن كانت محمولاتها ذاتية. وسنفصل الذاتي بعد. ولكن كل نحو يفيد نتيجة مثل نفسه. وإنما صلحت أن تدخل في البرهان لأنها تصلح أن تفيد اليقين. وإنما صلحت لأن تفيد اليقين لأن كل واحدة منها فهي من الجهة التي صار بها ضروريا ممتنع التغير، فما يلزمه من النتيجة ممتنع التغير.

وكنا إذا قلنا في " كتاب القياس " إن كل ج ب بالضرورة، عنينا أنكل ما يوصف بأنه ج - كيف وصف بج - دائما أو بالضرورة، أو وصف به وقتا ما، أو بالوجود الغير الضروري، فهو موصوف كل وقت ودائما بأنه ب ، وإن لم يوصف بأنه ج. وأما في هذا الكتاب فإنا إذا كل ج ب بالضرورة، عنينا أن كل ما يوصف بأنه ج بالضرورة فإنه موصوف بأنه ب. لا - بل معنى أعم من هذا وهو أن كل ما يوصف بأنه ج فإنه ما دام موصوفا بأنه ج فإنه موصوف بأنه ب ، وإن لم يكن موجود الذات، لأن المحمولات الضروريات هاهنا أجناس وفصول وعوارض ذاتية لازمة. ولزوم هذه بالضرورة على هذه الجهة. فإنه ليس إذا وصف شيء بنوع ما يجب أن يوصف بجنسه أو فصله أو حده أو لازم له دائما. بل ما دام موصوفا بذلك النوع؛ فإذا زال فإن حده يزول لا محالة. وكثير من فصوله لا محالة. وأما الجنس فربما زال. مثلا إذا استحال الأبيض فصار مشفا؛ أو الحلو فصار تفها لا طعم له؛ فزال حينئذ النوع وجنسه، وهو الأبيض واللون؛ وزال الحلو والطعم معا. وربما لم يزل كما إذا استحال الأسود فصار أبيض، بطل حمل النوع ولم يبطل حمل الجنس.

ولأن المقدمات البرهانية قيل فيها إنها يجب أن تكون كلية؛ فلنبين كيف يكون المقول على الكل في المقدمات البرهانية فنقول : أما في " كتاب القياس " فإنما كان المقول على الكل بمعنى أنه ليس شيء من الأشياء الموصوفة بالموضوع كج مثلا إلا والمحمول كب مثلا موجود لها إن كان القول الكلى موجبا، ومسلوب عنها إن كان القول الكلى سالبا. ولم يكن هناك شرط ثان : وهو أن الوجود والسلب يكون في كل زمان، بل في المطلقات - لقد كان يجوز أن يكون المحمول موجودا في كل واحد من الموصوفات بالموضوع وقتا ما ولا يوجد وقتا.

وأما هاهنا فإن المقول على الكل معناه أن كل واحد مما يوصف بالموضوع، وفي كل زمان يوصف به - لا في كل زمان مطلقا - فإنه موصوف بالمحمول أو مسلوب عنه المحمول. وذلك لأن هذه المقدمات كليات ضرورية. والضروري تبطل كليته بشيئين : إما أن يقال إن من الموضوع واحدا ليس الحكم عليه بالمحمول موجودا : كالكتابة للإنسان : لأنه ليس كل إنسان كاتبا. أو يقال إن من الموصوف بالموضوع ما هو في زمان ما ليس يوصف بالمحمول، كالصبي لأنه لا يوصف بعالم. فهذان يبطلان كون المقول على الكل ضروريا.

Shafi 425