146

لكن ألفاظ المتقدم، والمتأخر، والمقابل، والمع، والحركة، كانت الفاظا قد استعملت فى تعليم المقولات، وكانت قريبة من أن يكون فيها تعارف تخيل للمتعلم ما تعلمه فى ابتداء الأمر، فحسن تعقيب النظر بتفصيل مشهور لهذه الألفاظ. وأما النظر فى حال الاتفاق والتواطؤ، وما على موضوع، وغير ذلك فكان محتاجا تقديمه على المقولات، إذ كان لا بد من استعمالها فى تعليم المقولات، ولم يكن فى المشهور لها معان معلومة أو متخيلة بوجه.

فليكفنا ما قلناه فى أمر فاطيغورياس، فإن الزيادة على ذلك فضل، ولا يبعد أن يكون القدر الذى أوردناه أيضا فضلا.

( آخر الفن الثانى من الجملة الأولى من المنطق ) 352 114 /

العبارة

بسم الله الرحمن الرحيم

المقالة الأولى من الفن الثالث من الجملة الأولى في المنطق وهى عشرة فصول

الفصل الأول (أ) فصل في معرفة التناسب بين الأمور والتصورات والألفاظ والكتابات وتعريف المفرد والمركب فيما يحتملها من ذلك

إن الإنسان قد أوتى قوة حسية ترتسم فيها صور الأمور الخارجية، وتتأدى عنها إلى النفس فترتسم فيها ارتساما ثانيا ثابتا، وإن غاب عن الحس. ثم ربما ارتسم بعد ذلك فى النفس أمور على نحو ما أداه الحس؛ فإما أن تكون هى المرتسمات فى الحس، ولكنها انقلبت عن هيئاتها المحسوسة إلى التجريد، أو تكون قد ارتسمت من جنبة أخرى لا حاجة فى المنطق إلى بيانها. فللأمور وجود فى الأعيان ووجود فى النفس يكون آثارا فى النفس. ولما كانت الطبيعة الإنسانية محتاجة إلى المحاورة لاضطرارها إلى المشاركة والمجاورة، انبعثت إلى اختراع شىء يتوصل به إلى ذلك، ولم يكن أخف من أن يكون فعلا، ولم يكن أخف من أن يكون بالتصويت، وخصوصا والصوت لا يثبت ولا يستقر ولا يزدحم، فتكون فيه مع خفته فائدة وجود الإعلام به مع فائدة انمحائه، إذ كان مستغنيا عن الدلالة به زوال الحاجة عنه، أو كان يتصور بدلالته بعده، فمالت الطبيعة إلى استعمال الصوت، ووفقت من عند الخالق بآلات تقطيع الحروف وتركيبها معا ليدل بها على ما فى النفس من أثر.

ثم وقع اضطرار ثان إلى إعلام الغائبين من الموجودين فى الزمان أو من المستقبلين إعلاما بتدوين ما علم، إما لينضاف إليه ما يعلم فى المستقبل فتكمل المصلحة أو الحكمة الإنسانية بالتشارك فإن أكثر الصنائع إنما تمت بتلاحق الأفكار فيها والاستنباطات من قوانينها واقتفاء المتأخر بالمتقدم وافتدائه به، أو لينتفع به الآتون من بعد. وإن لم يحتج إلى ما يضاف إليه فيكمل به، فاحتيج إلى ضرب آخر من الإعلام غير النطق، فاخترعت أشكال الكتابة، وكله بهداية إلهلية وإلهام إلهى، فما يخرج بالصوت يدل على ما فى النفس، وهى التى تسمى آثارا. والتى فى النفس تدل على الأمور وهى التى تسمى معانى، أى مقاصد للنفس. كما أن الآثار أيضا بالقياس إلى الألفاظ معان. والكتابة تدل على اللفظ إذ يحاذى بها تركيب اللفظ؛ واختير ذلك للسهولة، وإن كان إلى إنشائها بحيث لا يحاذى بها اللفظ وأجزاؤه سبيل، لكن ذلك مما يصعب ويطول.

Shafi 151