وقال صاحب "الكشاف": "ومعنى "علمه به": أنه علم منه أحوالًا بديعة، وأسرارًا عجيبة، وصفات قد رَضِيَها وأحمدها، حتى أهّلَهُ لمخالّته ومخالصته، وهذا كقولك في خَيِّر من الناس: أنا عالم بفلان، فكلامك هذا من الاحتواء على محاسن الأوصاف" (^١).
وهذا كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الدخان: ٣٢]، ونظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤]، وقريب من قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]، فلما ذكر ما خصّ به نبيه سليمان، وخصّ به الأرض التي بارك فيها قال: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾، حيث وضعنا هذا التخصيص في المحل الذي يليق به من الأماكن والأناسي.
فصل
وهو سبحانه كما هو العليم الحكيم في اختيار مَن يختار من خلقه، وإضلاله مَن يضله منهم؛ فهو العليم الحكيم بما في أمره وشرعه من العواقب الحميدة، والغايات العظيمة، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، بيَّن سبحانه أن ما أمرهم به
(^١) "الكشاف" (٣/ ١٢١).
1 / 114
الباب الأول في تقدير المقادير قبل خلق السماوات والأرض
الباب السادس والعشرون فيما دل عليه قوله ﷺ: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» من تحقيق القدر وإثباته، وما تضمنه الحديث من الأسرار العظيمة