313

Sheikh Saad Al-Breik's Lessons

دروس الشيخ سعد البريك

Nau'ikan

المنكر في كل زمان والمعروف كذلك
هذه السفينة؛ ألا وهي مجتمعنا لا نتصوره مجتمعًا ملائكيًا يخلو من الخطيئة والمعصية، إن من أراد مجتمعًا إسلاميًا لا معصية فيه قد طلب مجتمعًا أفضل من مجتمع النبي ﷺ، وهذا محال بكل حال، يقول ﷺ: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فلا يمكن أن يأتي أحد ليجعل أو ليصنع من مجتمع خيرية تحاكي -فضلًا أن تكون أفضل- أو تضاهي مجتمع النبوة أو مجتمع الخلافة الراشدة، أو القرن الأول والثاني والثالث، ينبغي أن نفهم هذا تمامًا، ولكن إذا علمنا أن صلاح المجتمع وصلاح أهل السفينة لا يعني بالضرورة سلامة أهلها من وقوع وحصول بعض المعاصي والمنكرات؛ إذ لو تأملت مجتمع النبي ﷺ لوجدت فيه من زنا فرجم، ومن زنا فجلد، ومن سرق فقطع، ومن زنت فرجمت، بل ومن خان خيانة عظمى، ومع ذلك فإن المنهج القرآني والمنهج الإسلامي الشرعي جاء ليحفظ لكلٍ حسناته؛ إذ أن السيئة لا تلغي الحسنات ولكن الحسنات تمحو السيئات، هذا أمر ينبغي أن نفهمه تمامًا.
على سبيل المثال: حاطب بن أبي بلتعة لما بعث بكتاب في قرن امرأة إلى قريش ليخبرهم أن النبي ﷺ يصبِّحهم ويمسِّيهم، هذا في المصطلح السياسي المعاصر يسمى الخيانة الكبرى، إفشاء أسرار الجيش والدولة، حاطب بن أبي بلتعة قد أرسل مع ضعينة إلى أهل مكة رسالة تخبرهم أن النبي سيغزوهم، فجاء الوحي وأخبر النبي ﷺ بذلك، فبعث عليًا وآخر من الصحابة وقال: ستجدون الضعينة في مكان كذا خذوا منها الكتاب، فلما أسرعوا وجدُّوا في السير وبلغوها حيث وصف وذكر النبي ﷺ، قالوا لها: [أخرجي الكتاب، قالت: ما معي من كتاب، فقالوا: لتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لننزعن الثياب] فقامت فأخرجت كتابًا من ضفائرها، ثم جيء بـ حاطب إلى رسول الله ﷺ، وعمر بن الخطاب شهيد المحراب، الإمام الأواب، الفاروق الذي يهابه الشيطان؛ يتطاير غيظًا وحنقًا على من فعل هذه الفعلة، فقال عمر ﵁: نافق يا رسول الله، فدعني أقطع رأسه، فقال ﷺ: (يا عمر! وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني قد غفرت لكم).
انظروا إلى هذا العدل النبوي؛ تذكر حسنة عظيمة أمام سيئة عظيمة، حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وأرضاه من صحابة رسول الله أفشى أسرار الدولة، أفشى أسرار المصطفى ﷺ، فجاء من يظن أن عقابه أن يقطع رأسه، ولكن من يتكلم بالوحي الذي لا ينطق عن الهوى يتكلم بهدي مبين وشرع من عند رب العالمين، يذكر حسنته عند سيئته هذه، هذا هو المنطق وهذا هو الواجب، إذا أردنا أن نعاقب فعلينا أن نذكر الحسنات والسيئات، إذا أردنا أن نجازي فلنذكر الحسنات والسيئات، لا أن ننظر بعين مغضية عن السيئات أو بعين مسرفة في الحسنات أو العكس، لابد أن ننظر بعين متوازنة إلى مجتمعنا وإلى أفرادنا وأئمتنا وعلمائنا وقادتنا وحكامنا حتى نعرف مقدار الخير الذي نملكه وحجم الشر الذي نخشاه على ولاة أمرنا ومجتمعنا وأنفسنا.

21 / 11