161

ما أكثر ما يشغل الإنسان عن نفسه، تتوالى الأيام وهو في شغل من أعمال نافعة أو ضارة، جليلة أو حقيرة، لا يتلبث حينا ليسأل نفسه: فيم أنت، ولم نهجت هذا المنهج ولم آثرت هذا العمل؟ والذي يدركه في هذه الشواغل هو ما يخلص إلى عقله وقلبه من هذه الضوضاء المحيطة، والعجاج الثائر، لا يفرغ لتمحيصه ولا هو مستوح له قلبه وعقله، فهو يسمع ويقرأ ذاهبا مع التيار، ويسير ماضيا مع الركب.

وإذا خلا الإنسان إلى نفسه، ونفى عن سمعه وعينه حينا ما يشغلهما كل حين من الأصوات والمرائي، واستوحى ربه، وسمع قلبه في سكون الليل وهدأة السحر، فعسى أن يفقه في ساعة ما لا يفقه في أيام، بل يدرك في لمحة ما لم يدرك في سنين، وعسى أن تتنزل عليه في هذه الخلوة من المعاني ما لم يخطر له، وما يحسب أنه بعيد عنه، وعسى أن يفتح له في خلوته طريق في الحياة جديد، ويبين له رأي في نفسه سديد، فيعدل عن نهجه الأول، ويحيد عن عيشته الماضية. إن كان شاعرا أو كاتبا انثالت عليه الأفكار، وواتته الصور وحيا على القلم واللسان، لا ينصب له، ولا يتكلف. وأحسب أن كثيرا مما اخترع الناس، وكثيرا مما أبدع فيه المفكرون كان من بركة هذه الخلوات، وإلهام هذه الساعات.

ونحن في معيشتنا هذه، قل أن نظفر بخلوة نسكن إليها، ووقت نجمع فيه أنفسنا، فنمضي مع السابلة، ونقول على القائلين في قلق واضطراب وصخب، فليتلمس كل واحد خلوته، وليبعد عن الضوضاء جهده، وليتوجه إلى الله الملهم الهادي، وينصت إلى ما في سريرته، ويصرف سمعه وبصره عن الناس قليلا، ليتلقى عن ربه، ويأخذ عن قلبه، فهذه ساعات أجدى من السنوات، هي ساعات يهتدي بها الإنسان ما لا يهتدي في طويل الزمان.

الجمعة 29 محرم/10 نوفمبر

على ضريح القائد الأعظم

ما تزال عواطف أمة تجيش، وآمالها تطمح، وعزائمها تمضي حتى تجمع أو تكاد على مقصد تقصده، ومطلب عظيم تطلبه، وفيها المخالف والمتردد، والخائف واليائس ومن لا يبالي. ويقيض الله للأمة زعيما يدعوها وقائدا يقودها ويحدوها فتسلس القياد، وتستقيم على الطريقة وتشجع على المخاوف، وتقدم على الأهوال، وتمضي على كل حال، وينحاز إلى القافلة من المخالفين والمترددين والخائفين واليائسين وغير المبالين. ويبقى من هؤلاء جميعا من ينظر وينتظر ويقدم ويحجم حتى يرى الأمر جدا والسير قدما، والغاية قريبة، فيصحب الركب طوعا أو كرها.

وتوفي الأمة على الغاية، فتنظر إلى القائد شاكرة، وتجمع على إعظامه معترفة، ويبقى الزعيم قائد السلم كما كان قائد الحرب، ودليل الحضر كما كان دليل السفر. وبعض السلم أشد حاجة إلى القيادة من الحرب، وبعض الحضر أحوج إلى الدليل من السفر. فما تزال الأمة في كفالة زعيمها وقيادته وهدايته، فيجمع الكلمة، وينفي التخاذل ويدفع الشبهة، ويدير الأمور، حتى يوافيه الأجل والكلمة عليه مجتمعة، والنفوس له متطلعة. ويختم الموت الصحيفة المجيدة ويصونها ويقدسها، فإذا مجد الزعيم فوق كل خلاف، وإذا سيرته أعلى من كل ريب، وإذا الزعيم بعد موته أعظم قيادة، وأكبر في الأمة سيادة، وإذا سيرته التي ختم عليها الموت لا ينقص فيها خطب ولا يزيد، سنته للأمة لا تنقطع ولا تتبدل، وطريقته لا تخفى ولا تتحول. ذلكم ما جال في نفسي بعد زيارة الزعيم الكبير «القائد العظيم» محمد علي جناح رحمه الله.

السبت 1 صفر/11 نوفمبر

اللاجئون

هذه الملايين من البشر الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وهجروا مواطن الآباء والأجداد، وفقدوا من أهليهم كثيرا، واستبدلوا بالغنى والعزة، وبالطمأنينة والدعة، الفقر والذلة والقلق والنصب، هؤلاء المشردون الذين تلقاهم في كراچي حيثما توجهت، وأمثالهم في ديار العرب أخرجهم من فلسطين بغي اليهود ومن ناصرهم من أنصار البغي وعبدة المنافع والأموال، وغير هؤلاء من المشردين في أقطار أخرى؛ كل أولئك شهود على ظلم الإنسان وقسوة الإنسان وجهل الإنسان. إن في أرض الله متسعا لعباده، وإن في رزق الله كفالة لهم. وكانوا - لو اتسعت عقولهم وأخلاقهم - جديرين أن يعيشوا متحابين في أرجاء الأرض على اختلاف الأجناس والأديان.

Shafi da ba'a sani ba