Sharh Fath al-Majid by al-Ghunayman
شرح فتح المجيد للغنيمان
Nau'ikan
معنى قوله ﷿: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا)
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]].
هذا أمر من الله جل وعلا بعبادته، وأمره واجب الامتثال، وقد سبق أن العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، أي أن كل فعل يفعله الإنسان يتقرب به إلى الله، أو قول يقوله يتقرب به إلى الله، أو نية ينويها في قلبه يتقرب به إلى الله فهو عبادة، ويجب أن يكون هذا العمل خالصًا لله جل وعلا، ولا يجوز أن يكون منه شيء لغيره؛ لأنه سبحانه قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦].
فقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦] يدل على أن العبادة لا تكون عبادة شرعية إلا إذا كانت خالية من الشرك، أما إذا كان فيها شرك فهي ليست العبادة الشرعية التي أمر الله جل وعلا بها وطلب من عباده أن يعبدوه بها، وإن كانت تسمى عبادة في اللغة فهي ليست عبادة في الشرع، فلابد من اجتماع هذين الأمرين: عبادة الله، وعدم الشرك.
أي: أن يعبد الله العابد ولا يوجد الشرك، أما إذا وجد الشرك فقد انتفت العبادة وجاء بما يناقضها، هذا هو معنى قوله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦].
يقول العلماء: أول أمر جاء في القرآن -على ترتيب المصحف- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، مع أن هذا في الواقع هو دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، فكل رسول أرسل إلى قومه أمر قومه بالعبادة، بل أول ما يأمرهم به أن يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، ومعنى قوله: (ما لكم من إله غيره) هو معنى قوله هنا في هذه الآية: ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦].
وكذلك خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين جاء بهذا، فكان أول ما بعث يقول: (أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله)، ومعنى قوله: (لا إله إلا الله) هو معنى هذه الآية: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]؛ لأن قوله: (لا إله) هو معنى: (ولا تشركوا به شيئًا)، وقوله: (إلا الله) هو معنى: (اعبدوا الله)، فهذا دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم اتفقوا على هذا، وهذا هو الذي لا يقبل الله جل وعلا غيره، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فأخبر أن الذي يأتيه مشركًا أنه غير مغفور له، وأن مأواه جهنم، وأن الذي يلقاه بذنوب ما عدا الشرك فإن الله يغفرها له إذا شاء، أي: بدون أن يعاقب صاحبها، أما الشرك فقد استثناه من جميع الذنوب وبين أنه لا يغفره لصاحبه.
وقال جل وعلا في الآية الأخرى في المشركين الذين يتخذون أندادًا يحبونهم كحب الله، قال في نهاية الآيات: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]، وبهذا يتبين عظم الشرك وأنه أمر عظيم جدًا، فإذا كان صاحب الشرك لا يدخل الجنة، ومأواه جهنم خالدًا فيها فيتعين على الإنسان الذي تهمه نفسه ولها قدر عنده أن يتعرف على الشرك خوفًا من أن يقع فيه وهو لا يدري، فلا يعذر بذلك؛ لأن الرسول ﷺ قد بينه ووضحه ولم يتركه ملتبسًا مشتبهًا حتى لا يحتج محتج ويقول: أنا ما بان لي الأمر.
وكون الإنسان يغفل عن هذا أو يعرض عنه فليس هذا عذرًا؛ لأن الإنسان مكلف باتباع الرسول ﷺ، ومكلف بأن يعلم ما قاله الرسول ﷺ في أصل العبادة، ولهذا كل ميت يسأل في قبره يقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وهي ليست مجرد كلمات لو حفظها الإنسان لاستطاع أن يجيب، بل مضمونها عمل ينطوي عليه القلب وتتحلى به الجوارح من إيمان بالله يقيني لا يتطرق إليه شك، وعمل ينبعث من النية والقصد والإرادة الذي يكون منطويًا عليه القلب وعازمًا عليه، وكذلك اتباع للرسول ﷺ.
فمعنى قوله: (من ربك؟) أي: من الذي تعبده؟ ومعنى قوله: (ما دينك؟) أي: بأي دين تتعبد؟ ومعنى قوله: (من نبيك؟) من الذي جاءك بالعبادة؟ وممن أخذت العبادة؟ وهل أخذتها من آبائك وأهل بلدك، ومن المجتمع الذي تعيش فيه؟ فإن أخذها عن هؤلاء فإن هذا لا يجدي لا يفيد، ولهذا قال في نهاية الحديث: (فإن كان موقنا فإنه يجيب -يعني: بلا تلعثم وبلا تردد-، وإن كان مرتابًا أو شاكًا فإنه يتلعثم ويقول: هاه هاه لا أدري، رأيت الناس يفعلون شيئًا ففعلته)، أو قال: (سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته)، فهذا لا يجدي، ولهذا يعذب ويضرب بمطارق من نار يلتهب عليه قبره، ثم يقول له الملك: (لا دريت ولا تليت)، أي: ما علمت العلم النافع الذي يكون يقينًا يبعث على العمل، ولا تلوت كتاب الله حتى تتيقن من ذلك.
فإذًا لابد للعبد أن يعبد ربه، ولابد له أن تكون العبادة خالصة لله جل وعلا، ولابد أن تكون العبادة مأخوذة عن الرسول ﷺ، هذه أمور ثلاثة لابد منها على كل إنسان، وإن أخل بها فاللوم عليه، والله جل وعلا أنزل كتابه وأرسل رسول الله ﷺ لبين هذا ويوضحه بجلاء، فكيف يجوز للمسلم أن يخفى عليه أمر عبادة ربه، أو يخفى عليه الشرك؟! وكثير من الناس من يلتبس عليه هذا الأمر؛ لأنه يجهل معنى العبادة، ويجهل ما معنى (عبد)، ويجهل معنى (التأله)، ولا يدري ما معنى (الإله)، ولهذا تجد كثيرًا ممن يقول: (لا إله إلا الله) يقع في الشرك، فيأتي بما يناقض هذه الكلمة، بأن يطوف على القبر ويدعو الولي، ويمد يديه إليه ويقول: يا سيدي فلان! أعطني كذا وكذا، ويا سيدي فلان! أنا بحسبك، أو: أنا بجوارك، أو: أريد أن تنفعني بكذا، أو: أريد أن تصد عني كذا وكذا، ونحو ذلك من هذه الدعوات التي لا يجوز أن تكون إلا لله، وهذا هو الذي يجب أن يكون التوحيد فيه؛ لأن الدعاء هو: طلب النفع ودفع الضر، والدعاء في كل ما هو من الغيب كدعاء الغائب من ميت أو حي يوقع الإنسان في الشرك.
ثم مما يعين على معرفة هذا أن يتأمل الإنسان شرك المشركين السابقين الذي نزل القرآن بتخليدهم في النار والذين بعث فيهم رسول الله ﷺ، فسيجد أن الله جل وعلا وضح هذا وبينه، والرسول ﷺ كذلك وضحه، وأخبر جل وعلا في القرآن في مواضع متعددة بأنهم كانوا إذا سئلوا من الذي خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله.
أي: ما أحد شاركه في هذا.
وإذا سئلوا من الذي ينزل من السماء ماء فيخرج به من الثمرات رزقًا لكم؟ قالوا: الله وحده.
وإذا سئلوا: من الذي خلقكم؟ ومن الذي خلق الذين من قبلكم؟ قالوا: الله.
وإذا سئلوا: من الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء؟ قالوا: الله.
وإذا سئلوا: لمن السماوات والأرض؟ قالوا: لله.
وهذا أمر واضح في القرآن، فهل كان شركهم أنهم يقولون: إن مع الله خالقًا؟
الجواب
كلا، بل شركهم أنهم كانوا يتوجهون إلى أشجار وإلى أحجار وإلى عباد وإلى كواكب وإلى أنبياء فيدعونهم ويقولون: نجعلهم وسائط بيننا وبين ربنا ليشفعوا لنا، ويقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
فليوازن الإنسان بين عبادتهم وبين ما يحصل لكثير ممن يدعي الإسلام وهو يتضرع إلى الأموات الذين في قبورهم الذين لا يستطيعون أن يكفوا الدود عن أجسادهم، ويسألهم جلب النفع ودفع الضر، فهذا ليس فيه إشكال ولا خفاء على من نظر في كتاب الله جل وعلا أنه شرك، فيجب على العبد أن يعرف هذا، وأن يتنبه قبل أن يأتيه الموت؛ لأن الله جل وعلا قال لنا في هذه الآية: (اعبدوا الله) وهل يجوز للإنسان أن يخفى عليه أمر الله ويقول: ما أدري ماذا أراد مني ربي؟! والله ﷿ قد قال: (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا)، فأمر بالعبادة ونهى عن الشرك، وهل للإنسان حجة إذا وقف بين يدي الله أن يقول: يا رب! ما دريت ماذا تريد بقولك: (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا)؟! وهل يمكن أن ينتفع الإنسان بهذا القول؟! إذًا ما فائدة إنزال الكتاب؟ وما فائدة إرسال الرسول؟ فلابد للإنسان أن يعرف كيف يعبد ربه، وبم يعبد ربه، ومن أين جاءت العبادة، وأصل الدين الإسلامي مبني على هذا، ألا يُعبد إلا الله وألا يشرك به شيء، وأن تكون العبادة مأخوذة من الوحي، لا من الرأي ولا من الذوق، ولا مما وجد الناس بعضهم بعضًا عليه وتوارثوه، وإلا فيكون الإنسان ممن ذكر الله جل وعلا أنهم قالوا: «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٣] يعني: على ملة ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، وهل هذا يفيد؟
الجواب
كلا.
فهذا هو أصل دين الإسلام الذي يتعين على العبد أن يعتني به باهتمام بالغ ولا يفرط فيه، وإلا فيكون مؤاخذًا.
6 / 2