Sharhin Burhan

شرح كتاب البرهان

Nau'ikan
Logic
•
Yankuna
Maroko
•

Averroes, Šarḥ kitāb al-burhān (شرح كتاب البرهان), ed. Badawī.

[١ب] بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على جميع الأنبياء

استفتاح

Shafi 157

قال الفقيه الأجل : الغرض في هذا القول شرح « انو لو طيقي الثانية » ، وهو المعروف بكتاب « البرهان » ، إذ لم يقع إلينا لأحد من المفسرين فيه شرح على اللفظ . ولنستفتح ذلك ، على عادتهم ، بذكر طرف من غرض الكتاب ، وأجزائه ، ومرتبته ، ومنفعته - فنقول : أما غرض الكتاب فهو النظر في البراهين والحدود . أما البراهين فإنه ينظر منها في الأشياء التي تتنزل منها منزلة المواد ، وهي بالجملة : المقدمات اليقينية . وذلك أنه لما كان البرهان يلتئم من شيئين : أحدهما المقدمات ، وهو الذي ينزل فيه منزلة المواد والثاني : تأليفه وهو الذي يتنزل منه منزلة الصورة - وكان قد تكلم في الشيء الذي يتنزل منه منزلة الصورة في كتاب «القياس» - شرع هاهنا فتكلم في الشيء الذي بقى عل من معرفة القياس البرهاني ، وهو أمر المواد التي يأتلف منها . ولذلك سمى الكتاب باسم واحد . وقد قيل في شرح كتاب القياس ما معنى « أنولو طيقى » ، وأنه : التحليل بالعكس . وقيل هناك ما هو التحليل بالعكس ، أي التحليل الذي هو عكس التركيب . وهو ينظر من هذه المقدمات في تقدير أصنافها والأوصاف التي إذا اعتبرت فيها أمكن أن تفضي الإنسان الى اليقين . وليس ينظر فيها من حيث هي أحد الموجودات ، وإنما ينظر من جهة ما هي مفضية بالإنسان إلى اليقين التام والتصور التام . والفصول الأخيرة التي تنقسم إليها أنواع البراهين من قبل المواد هي الفصول الموجودة في البراهين من جهة ما هي معرفة لغيرها ، ونافعة في وقوع التصديق بها ، لا الفصول الموجودة لها من جهة أنها أحد الموجودات ، كما نجد أبا نصر صنع ذلك في كتابه . ولذلك التبس على أهل زماننا النظر في البرهان ، وظن أن ما أتى به أبو نصر هو شيء قد نقص أرسطاطاليس . وقد بينا نحن هذا المعنى في مقالة مفردة . نعم ! وهو إذا نظر في المقدمات وأحصى شروطها ، فإنما ينظر فيها من حيث هي حدود < وبقول عام > من حيث هي مفضية الى التصور التام . فهذا هو الجزء الأول من أجزاء هذا الكتاب ، وهو المكتوب في المقالة الأولى . وأما الحدود فينظر منها هاهنا في أصنافها وفي الأمور التي منها تتقوم الحدود وذلك أنه ليس يوجد في الحدود [ ٢ أ] شيء يتنزل منزلة الصورة والأمر العام ، وشىء يتنزل منزلة المادة والأمر الخاص ، وأن النظر فيها ينقسم إلى جزئين كالحال في البرهان : أعني مشتركا للصائع كلها وخاصا بهذه الصناعة . ومن ظن أنه يوجد في الحدود جزء عام مشترك شأنه أن يقدم على النظر في الحدود الخاصة بصناعة صناعة - فقد غلط ذلك غلطا كبيرا ، كما نجد أبا نصر يظن ذلك . ولذلك عد « ايساغوجي » من الجزء المشترك من المنطق . وهو أيضا ليس ينظر في الحدود من حيث هي أحد الموجودات ، بل إنما ينظر فيها من حيث هي معطية التصور التام بحسب طبيعة موجود موجود . ويشبه أن يكون ليس نظره في هذين الصنفين ، أعني البراهين والحدود ، في هذا الكتاب ينتهي به الى فصوله الخاصية الأخيرة بحسب صناعة صناعة ، لأن الذي يخص من ذلك صناعة صناعة جرت عادته أن يصادر بذكره في تلك الصناعة ، مثلما فعل في « السماع الطبيعي » والحادية عشرة من « الحيوان » . وإنما يذكر ها هنا الفصول العامة والقريبة من الأخيرة ، ويترك الأخيرة إلى تلك الصنائع . ولذلك لم يفرد أرسطو في هذا الكتاب جزءا على حدة يتضمن كيفية استعمال الصنائع هذه البراهين والحدود ، كما فعل أبو نصر . وأنما ذكر من ذلك ما عرض له أن يكون من الفصول الأول للبراهين والمقدمات . ولا أرى أيضا أن النظر في أصناف المخاطبات البرهانية مما يحتاج أن يفرد بقول ، لأنه ليس للبراهين والحدود فصول من هذه الجهة إلا أن تكون نزرة ومما ليست تستحق أن يفرد لها قول ، وإنما شأنها أن تذكر في أثناء تلك الأجزاء الأول . ولذلك لم يقسم النظر في كتابه إلى أربعة أجزاء ، كما فعل أبو نصر . فهذا هو غرض الكتاب ، وهذه هي موضوعاته التي ينظر فيها . وأما أجزاؤه الأول فهي جزآن ، كما قلنا : الأول : الناظر في البرهان ، وهو الذي تحتوي عليه المقالة الأولى من هذا الكتاب . والجزء الثاني : الناظر في الحدود ، وهو الذي تحتوي عليه المقالة الثانية . وأما المقالة الأولى فإنها تنقسم الى أجزاء صغار ، وكذلك الثانية . ونحن فرأينا أن الارشاد إلى جزء جزء منها عند الشروع في شرحها وانفصاله مما قبله - مغن عن تعديدها هاهنا وأقرب إلى الاختصار وترك التطويل ، من قبل أنها ليست تدخل على ترتيب تحت أجناس عامة ، بل يتكلم في الجنس منها في أكثر من موضع واحد بضرورة التعليم . ومن شاء أن ينتزعها من تلك المواضع ويعددها في أول كل مقالة فليفعل . وأما منفعته فهي المنفعة الأولى من منافع علم المنطق ، وهو الوقوف على الحق [٢ ب ] < في كل الأمور > ، وقد قيل في هذه المنفعة في غير ما وضع . وأما مرتبته فهو بعد < كتاب > القياس ولا بد ، لأسباب ثلاثة : أحدها أن العام أعرف من الخاص ، والواجب في ترتيب التعليم أن يقدم الأعرف ، كما الواجب في استنباط المطلوب ، أعني أن نصير في استخراجه من الأعرف إلى الأخفى . وإنما كان الكلي عندنا أعرف من الجزئي ، أعني من الأقل كلية ، لأن الكلي يشبه الجملة المركبة ، والجزئي يشبه الأجزاء . وكما أن الجملة المركبة أعرف عندنا من أجزائها ، كذلك الأعم عندنا أعرف من الأخص ، لأنه يحتوي على أشياء خاصية كثيرة ، أو جزئية ، أو كيف شئت أن تسميها . وقد بين هذا أرسطو غاية البيان في أول « السماع » . أما السبب الثاني : فهو أن النظر الذاتي إنما يكون بأن ينظر في الأمر الكلي من حيث هو موجود في موضوعه الكلي ، لا في موضوعاته الجزئية . مثال ذلك أنه إن رام أن يبين أن الزوايا المساوية لقائمتين موجودة للمثلث المختلف الأضلاع ، كان نظره غير ذاتي ، أعني أن مقدماته التي بها يتبين ذلك تكون غير أول ولا محمولة من طريق ما هو - على ما سيظهر من هذا الكتاب فيما بعد . فمن رام أن يبين أن القول المؤلف من مقدمتين يقينيتين هو قول قياسي - هو كمن رام أن يبين أن المثلث المختلف الأضلاع أو المتساوي الساقين مساوية زواياه لقائمتين . وذلك أنه كما أن مساواة الزوايا لقائمتين ليست موجودة للمثلث المختلف الأضلاع من طريق ما هو مختلف الأضلاع ، بل من طريق أنه مثلث ، كذلك وجود التأليف القياسي للمقدمتين اليقينيتين ، أعني المنتج ليس هو لها من طريق أنهما يقينيتان ، بل من طريق انهما مقدمتان فقط . فهذا هو السبب الثاني . وأما السبب الثالث : فالا يلحق في التعليم التكرار . وذلك أن المستعمل لهذا النحو من التعليم يلحقه أن يبين هذا المعنى بعينه للمقدمتين اليقينيتين على حدة ، ولغير ذلك من أصناف المقدمات ، أن وجدت مقدمات أخر ، يستعمل القياس الصحيح الشكل غير هذين الصنفين من المقدمات . وأما تقديمه على سائر الكتب الخاصية ، أو تأخيره ، فليس هنالك شيء يوجبه من طريق التعليم ، لكن لمكان الأفضل ، أعني أن الأفضل تقديمه إذ كان هو المقصود أولا من الجزء المشترك ، وغيره مقصودا ثانيا . ولذلك ما استفتح أرسطو كتاب «القياس » ، بأن أعلم أن قصده منه هو هذا الكتاب في قوله : « فأما ما عنه الفحص فالبرهان » . فجعل الفحص عن القياس من أجل الفحص عن البرهان. [ ٣ أ] وقد ظن قوم أنه كما أن الأفضل في الفحص عن الشيء المجهول أن يتقدم أولا فيفحص عن طريق الجدل ، ثم يرفق ذلك بالفحص البرهاني ، كذلك الأفضل في التعلم أن يبدأ بكتاب الجدل بعد الجزء المشترك ، ثم يرفق بكتاب البرهان . والذي ظنوه توهم ، فإنه ليس كما أن من الأفضل أن يتقدم تعريف قوانين المقدمات المشهورة قبل تعريف قوانين المقدمات اليقينية ، فإن صفات المقدمات اليقينية التي يسبر بها هي غير صفات المقدمات المشهورة التي يسبر بها ، فإن سبار المشهور الشهادات وأنواعها بحسب أنواع الشهادات ، وسبار اليقينية أحوال أخر ، مثل أن تكون ذاتية وغير ذلك مما قيل . ولذلك أيضا ليس في تعريف سبارات المقدمات المشهورة ضرب من العموم لسبارات المقدمات اليقينية ، حتى تكون إذا عددت سبارات المقدمات المشهورة فقد عددت بالقوة سبارات المقدمات اليقينية ، فإن سيارات تلك غير سبارات هذه . وقد غلط ابن سينا في هذا غلطا بينا ، فإنه زعم أن لتقديم الجدل على صناعة البرهان وجها ، من جهة أن المقدمات المعقولة الأول يعرض لها أن تكون مشهورة ، وليس ينعكس هذا ، فواجب أن تقدم لموضع العموم الموجود فيها . وهذا إنما كان يصح لو كان القصد من كتاب « البرهان » تعديد المقدمات المعقولة واحصاؤها وليس القصد هذا ، وإنما القصد إعطاء العلامات والسبارات المعرفة لها . وكذلك ليس القصد من كتاب « الجدل » إحصاء المقدمات المشهورة ، وإنما القصد إعطاء العلامات التي يميز بها ، وهي غير علامات المقدمات المعقولة . فأي منفعة - ليت شعري ! - في علم سبارات المقدمات المعقولة أن يتقدم المرء فيعلم سبارات المقدمات الجدلية ؟ ! هذا لو سلمنا أن كل معقول مشهور ، ونحن نجد مقدمات كثيرة معقولة غير مشهورة ، وهي التي تسمى التجريبية . ولكن هذا شأن هذا الرجل في قلة تثبتة وحكمه على الأشياء . وبالجملة ، فتقدم معرفة المقدمات الجدلية على المقدمات المعقولة غير تقدم سباراتها على سبارات < هذه الأخيرة . وقد يمكن > أن يقال أنه لا يعرف القوانين التي تفيد المقدمات المشهورة بالحقيقة إلا من عرف نقصانها عن القوانين اليقينية ، أعني التي تفيد المقدمات اليقينية . وليس يتأتى ذلك إلا لمن عرف اليقينية . فكأن تقدم معرفة القوانين التي تفيد اليقينية شيء واجب في معرفة جوهرها ، أعني التي تفيد غير اليقينية لأنها إنما تفيد ظنا ، والظن إنما يحد من جهة ما لحمه من عدم اليقين . وأما اليقين فليس يحتاج في حده الى أخذ حد الظن فيه ، كالحال في الملكة والعدم . فإن العدم ليس يمكن فيه أن يتصور إلا بالإضافة [٣ ب ] < الى الملكة . أما > الملكة فليس يحتاج في معرفة جوهرها أن تتصور بالإضافة إلى العدم . < فهي إنما > تؤخذ من حيث هي كاملة ، والعدم ناقص ، وبالجملة من حيث هي ملكة ، أعني من حيث هي مضافة . ولذلك لنا أن نقول أيضا إن معرفة نقصان السبارات المشهورة عن اليقينية فيما تفيده مما يكمل العلم باليقينية . لكن الفرق بين الكمالين أن هذا الكمال لليقينية ليس في جوهرها . وأما الكمال الذي يحصل في معرفة المشهورة من قبل معرفة اليقينية فيشبه أن يكون كمالا في جوهرها أو قريبا من جوهرها ، وأنت تتبين ذلك من حد العلم والظن ، فإنا نقول إن الظن هو علم ناقص . وليس يسوغ لنا أن نقول إن العلم ظن تام إلا على جهة الاستعارة واستعمال الأسماء الشعرية . وكيفما كان الأمر ، فبالواجب أن نبدأ بالمتشوق إليه بالطبع ، وهو الأشرف بالطبع ، وهو معرفة البرهان . فقد تبين من هذا القول غرض هذا الكتاب ، ومنفعته ، ومرتبته ، وأجزاؤه . وذلك ما قصدنا الاستفتاح به على عادة القوم . فأما اسمه ومن واضعه فمعلوم مما قاله في استفتاح كتاب « القياس » . وأما نسبته إلى سائر أجزاء هذه الصناعة فنسبة الرئيس إلى المرءوس والغاية إلى ما قبل الغاية . أما نسبة الجزء المشترك فنسبة ما قبل الغاية إلى الغاية ، وهي بجهة ما - نسبة المرءوس إلى الرئيس . وأما نسبته إلى سائر الصنائع الخمس فنسبة الرئيس إلى المرءوس على الحقيقة ، والمخدوم إلى الخادم . وذلك أن تلك إنما استنبطت لتخدم العلم البرهاني الحاصل عن هذا الجزء ، وذلك إما أن تقنع فيه بالاقناع الجدلي أو الخطبي ، أو تخيل فيه بالتخيل الشعري . وقد ينبغي أن نشير بعد هذا إلى شرح شيء مما يقوله في هذا الكتاب ، مستعينين بالله عز وجل ، وسائلين التوفيق والتسديد للحق منه .

Shafi 163

١ - < نظرية البرهان >

Shafi 165

قال ارسطاطاليس : [71a ]* « كل تعليم وتعلم ذهني إنما يكون من معرفة متقدمة الوجود . وهذه القضية يظهر لنا صدقها بالاستقراء . وذلك أن العلوم التعاليمية إنما يوقف على مطالبها بهذا الوجه ، وكذلك كل واحدة واحدة من الصنائع البواقي . وعلى هذا المثال يجري الأمر فيما يقع التصديق به بالقول ، أعني بالقياس والاستقراء . فإن سائر ما يدرك بهذين الطريقتين أنما يدرك بأشياء يتقدم علمها : فالشيء الذي يعلم بالقياس إنما يقع < العلم > به بعد أن يتقدم العلم بالمقدمات . والمقدمة الكلية التي تظهر بالاستقراء إنما يمكن إظهارها بالاستقراء [٤ أ] بعد أن يتقدم عندنا ظهور سائر الجزئيات . والخطباء إنما يمكنهم أن يأتوا < بأحكام مقنعة > بأن يتقدموا فيستقرئوا ويوردوا الأمثلة ، أو بأن يأتوا بالمقاييس المضمرة . » التفسير هذه القضية ، كما يقول أبو نصر ، تحتوي بموضوعها على جميع ما في هذا الكتاب . وذلك أن قوله : « كل تعليم وكل تعلم ذهني » تدخل تحته جميع أصناف المطالب التي على طريق التصديق والتي على طريق التصور . وقوله : « إنما تكون عن معرفة متقدمة » تدخل فيه جميع أصناف المقدمات وجميع أصناف أجزاء الحدود الفاعلة للتصور . وليس في هذا الكتاب شيء غير أصناف المطالب وأصناف المقدمات . بل يمكن أن تكون هذه القضية تعم الصنائع المنطقية الخمس ، وأصناف الحدود ، وأجزاء الحدود . وقوله : « ذهني » استعمله بدل قوله : « وكل تعلم بقول » - لأن التعليم منه ما يكون بقول ، ومنه ما يكون بفعل ، وهي الصنائع التي تتعلم بالاحتذاء . ونعني بقولنا : « بقول » أي بحجة . وبهذا يفارق تعليم التقليد فإنه تعليم بغير حجة . وأما ثامسطيوس فيجعل هذه القضية عامة في الصنائع والعلوم ، أعني الصنائع التي تتعلم باحتذاء . وذلك أنه يقول أن الذي يتعلم البناء إنما يمكنه تعلمه من معلمه بعد أن يكون قد تقدم فعرف الطين والحجارة وسائر ما يصفه له ويشير له إليه معلمه . وهذا الذي قاله لم يقصده أرسطو . وأيضا فإنه ليس بصحيح من جميع الوجوه ، لأن المتعلم الأصم الأخرس يمكنه أن يتعلم صناعة البناء بالاحتذاء ومحاكاة فعل المعلم ، من غير أن يتقدم عنده علم ، كما يفعل كثير من الحيوانات التي تقبل التعليم . وإنما القضية صادقة وضرورية في الأشياء التي تتعلم بقياس . نعم إذا تقدم المتعلم فعرف أسماء الأشياء التي في الصناعة التي يتعلمها على طريق الاحتذاء من معلمه ، كان اسهل لتعليمه ، لأن ذلك شيء ضروري كالحال في التعليم الذي يكون بالقول . وقد ينبغي أن ينظر من هذه القضية فيما يقوله أبو نصر وغيره من أنها عامة للتصديق الحاصل والتصور ، فإن ظاهر كلام أرسطو ومثالاته التي استعمل في ذلك هى من مواد التصديق ، لا من مواد التصور . وعلى هذا المعنى نجد ثامسطيوس قد لخص هذا الموضع ، وهل تتضمن المعرفة أيضا المعرفة الموطئة للتصديق والتصور مع المعرفة الفاعلة لهما ، أم إنما قصد المعرفة الفاعلة فقط فنقول : أما أن غرضه على القصد الأول في هذه القضية إنما هو تبيين وجوب تقديم المعرفة الفاعلة للتصديق نفسه - فذلك [٤ ب] < بين من الأمور التي > استقرى في تصحيحها ، وذلك أنه لم يستقر فيها شيئا من الأشياء الفاعلة < للتصور > وقد يظن أنه عدد منها من الأشياء الموطئة للتصور والأشياء الموطئة للتصديق . وأيضا فإن نحن جعلنا الأشياء الفاعلة للتصور داخلة تحت هذه القضية ، كانت قضية مشتركة . وذلك أنه ليست جهة فعل المقدمات الأول للتصديق بالنتيجة المجهولة بالطبع وتيقننا بها من قبل المقدمات الأول المعلومة بأنفسها هي بعينها جهة فعل أجزاء الحدود للتصور المجتمع من الحدود ، وذلك أن كليهما ليس السير فيه من الأعرف الى الأخفى على مثال واحد . وذلك أن المقدمات قد تكون معلومة بالطبع والنتيجة مجهولة . وإذا ألفنا المقدمات ، حصلت النتيجة عنها معلومة . وأما أجزاء الحدود ، فليس يمكن أن تكون عندنا معلومة بعلم أول ، وتكون الحدود مجهولة عندنا على مثال ما يكون في المقدمات مع النتيجة . بل إذا كانت عندنا معلومة إما بنفسها وأما بقياس ، كان الحد معلوما بنفسه وإن كان قد يتفق أن يكون اقل ظهورا . ولذلك يحتاج في أمثال هذه الحدود الى استنباطها بطريق القسمة وطريق التركيب . وهذا أحد ما يقول أرسطو من قبله أنه ليس على الحد برهان ، أي على وجوده للمحدود إذا كان المحدود معلوم الوجود ، والحد مجهولا . وذلك أن الحد إذا كان مجهولا بالطبع ، والمحدود معلوم الوجود ، فإنما يلزم تصوره على البرهان بضرب من العرض ، لأن البرهان إنما يعطى بالذات التصديق بأجزاء الحد ، على جهة ما يعطى المعروف بنفسه التصديق بالمجهول بالطبع وبنفسه . وأما أجزاء الحدود فإنما تعطى الحدود ، لا على جهة ما يعطى المعلوم التصور بنفسه المجهول التصور بنفسه . فإنه ليس يوجد في التصور هذا النوع من الطريق ، أعني أن يصار فيه من التصور المعلوم بنفسه إلى التصور المجهول بالطبع حتى يستنبط المجهول منها من المعلوم . فإنه لو كان ذلك ، لما احتيج في الحدود المجهولة بالطبع إلى استعمال القياس في استنباطها . وسنقف على هذه المعاني كلها - إن شاء الله - في المقالة الثانية . ولذلك ليس يلفى في الحدود مصادرة على الإطلاق ، كما يتوهم ذلك كثير من الناس ، بل إن وجدت فيها مصادرة فمن جهة التقدم والتأخر في الوجود ، أعني أنه يصير المتقدم متأخرا والمتأخر متقدما ، مثل من يأخذ النهار في حد الشمس ، والشمس في حد النهار ، لا من جهة تبيين المجهول بالمجهول . وإذا كانت المعرفة المتقدمة على التصديق ، أعني الفاعلة له ، ليس يقال لها فاعلة على نحو ما يقال في المعرفة للتصور إلا باشتراك الاسم ، فبين أنه ليس ينبغي أن يعتقد أنه تشملها قضية واحدة . وهذا كله [ ٥ أ] مما يوجب عندي ألا يحمل قول أرسطو هاهنا إلا على المعرفة < الفاعلة للتصديق ومعاني > الأسماء وبخاصة المفصلة وكذلك شك مانن الذي يأتي بعد . وقوله :« وكذلك < كل واحدة واحدة > من الصنائع الباقية » - يعني سائر العلوم النظرية . وثامسطيوس يفهم عنه العملية ، وهو كما قلنا . وقوله : « وعلى هذا المثال يجرى الأمر فيما يقع التصديق به بالقول ، أعني بالقياس والاستقراء » - يريد : وعلى هذا المثال يلفى الأمر بالجملة في كل ما يقع التصديق به بالقول بالإطلاق ، برهانيا كان أو غير برهاني ، يعنى به باقي الصنائع الخمس ، إذ أنه إنما يكون العلم الحاصل فيها من معرفة متقدمة . وذلك أنه لما تبين أن الأمر يظهر أنه كذلك في العلوم النظرية بالاستقراء ، قال أنه بين أنه كذلك أيضا في جميع ما تقع فيه حجة وقول . ويعني هاهنا بالاستقراء شيئا يعم الاستقراء والمثال . وذلك أنه على هذا يصدق أن كل ما يتعلم بقول - أعني يقع التصديق به فإنما يكون ذلك باستقراء أو قياس ، فيأتلف القياس هكذا : كل ما يتعلم بقول فإنما يتعلم بقياس أو استقراء . وكل ما يتعلم بقياس أو استقراء فإنما يتعلم من معرفة متقدمة . أما ما يعرف بالقياس : فبالمقدمات ، وهي المتقدمة فيه بالمعرفة . وأما ما يعرف بالاستقراء فبالجزئيات وهي المتقدمة عليه في المعرفة . وقوله : « والمقدمة الكلية التي تظهر بالاستقراء إنما يمكن إظهارها بالاستقراء » - يريد : وأما المقدمة الكلية التي يلتمس تصحيح كليتها بالاستقراء ، فإنما يمكن ذلك فيها باستقراء الجزئيات المعروفة قبل غير المستقرى ،أعني قبل معرفة الكلية التي تصح بالاستقراء . أما أن كانت الكبرى ، فإنها تستعمل في الجدل . وأما إن كانت الصغرى ، فقد تستعمل في العلوم إذا كان استقراء يفيد اليقين . والقياس أيضا في قوله : « أعني بالقياس والاستقراء » - ينبغي أن يفهم منه شيء يعم القياس والضمير ، أعني القياس الخطبي ، كما قلنا إنه يجب أن يفهم من قوله « الاستقراء » شيء يعم الاستقراء الجدلي والمثال . ولذلك قال : « والخطباء إنما يمكنهم أن يأتوا بأحكام مقنعة بأن يتقدموا فيستقروا ويوردوا الأمثلة ، أو بأن يأتوا بالمقاييس المضمرة » - يعني بأن يوردوا الأمثلة المعروفة عند السامعين لإقناعهم ، المعروفة المقدمات أيضا عندهم والمعروفة الشكل . قال أرسطاطاليس : « ومما يجب أن يتقدم فيعرف من الاضطرار فهو على ضربين : أحد الضربين هو أن بعض الأشياء يحتاج الى أن يعلم من أمرها أنها موجودة . والضرب الآخر هو أن بعض الأمور الأولى فيها أن ننظر على ماذا يدل اسمها . وبعض الأمور تحتاج أن تعلم من الوجهين جميعا ، مثل القضية القائلة : على كل شيء يصدق الإيجاب أو السلب ، فإنه [٥ ب ] < يحتاج إلى > أن يعلم من أمرها أنها موجودة ، والمثلث المتساوي الأضلاع يحتاج الى أن يعلم من أمره الوجهان جميعا : على ما يدل اسمها ، وأنها موجودة . وذلك أن العلم بأن الشيء موجود والعلم على ما يدل اسمه ليس هما على مثال واحد . » التفسير إنه لما عرف أن كل علم وكل تعلم فإنما يكون عن معرفة متقدمة ، وكانت هذه المعرفة المتقدمة الفاعلة هي المعرفة بالمقدمة والأوائل التي ينبني البرهان عليها - أخذ يعرف الأنحاء التي يجب أن تتقدم معرفتها من أمر الأوائل التي هي مبادئ البرهان ، فقال : « وما يجب أن يتقدم فيعرف من الاضطرار فهو على ضربين » يريد : وما يجب أن يتقدم فيعرف من أمرها صدق وجودها ، وهذه هي القضايا الواجب قبولها ، أعني المعروفة بالطبع مثل القضية القائلة إن كل شيء إنما يصدق عليه الايجاب أو السلب . وبعضها يجب أن يعرف من أمرها على ماذا يدل اسمها فقط ، وتلك هي الأشياء - التي إذا شرح ما يدل عليه أسماؤها عادت حدودا ، وذلك مثل ما يفعله ، في صدر كتابه ، المهندس من حد الدائرة والمثلث وغير ذلك ، فإنه شبيه أن تكون الأقاويل الشارحة لأمثال هذه الأشياء التي إذا فهمت عادت حدودا لها ، لأن الوجود فيها معروف بنفسه. وبعضها يجب أن يجتمع فيه الأمران جميعا ، وهو ضرب ثالث مركب من الضربين البسيطين ، أي ينبغي أن يتقدم فيعرف من أمره أنه موجود ، وعلى ماذا يدل اسمه ، مثل الوحدة التي هي موضوع العدد . فإنه إذا أراد أن ينظر ناظر في العدد ، فيجب أن يتقدم فيعرف على ماذا يدل عليه اسم « الوحدة » أولا ، وأن ذلك المعنى هو شيء موجود ، وسواء كان الوجود فيها معلوما بنفسه أو متسلما من صناعات أخر ، فإن موضوعات الصناعات تلفى بهذه الثلاثة أقسام : بعضها تحتاج إلى أن يعلم من أمرها أنها موجودة فقط ، وبعضها تحتاج إلى أن يعلم من أمرها على ماذا يدل اسمها فقط إذا كان الوجود لها معروفا ، وبعضها تحتاج أن يعلم منها الأمران جميعا . وكذلك المقدمات : بعضها تحتاج أن يعلم من أمرها أولا صحة وجودها ، وبعضها تحتاج أن يعلم من أمرها على ماذا يدل اسمها ، وبعضها على الأمرين جميعا . فأرسطو أتى بمثال واحد من هذه الثلاثة ضروب من المقدمات ، وهو الذي يحتاج أن يعرف من أمره أنه موجود فقط حين قال : « مثل القضية القائلة : على كل شيء يصدق الايجاب أو السلب وأتى بمثال [ ٦ أ] الضربين الآخرين من الموضوعات . وإنما قال على ضربين وعدد < ثلاثة لأن الضرب > الثالث هو مركب من الاثنين ، والبسيطة هي اثنان . وثامسطيوس < يرى أن > هذه المعارف المتقدمة التي عددها أنها أنحاء يجب أن تتقدم في المطلوبات أنفسها ، لا في الأوائل التي يبنى عليها البرهان . فيقول إن بعض المطالب تحتاج أن يعلم من أمرها أنها موجودة . وحينئذ يطلب المجهول فيها ، وهي جميع الأشياء التي تطلب أسبابها على ما سيأتي بعد . وبعضها تحتاج أن يعلم من أمرها على ماذا يدل الاسم ، أعني القول الشارح له ، وحينئذ نطلب : هل هي موجودة ، أو غير موجودة ؟ مثل أن الذي يطلب هل الخلاء موجود ، أو غير موجود - فيجب أن يتقدم فيعرف على ماذا يدل اسم الخلاء . والذي قاله صحيح . وينبغي أن يفهم هذا في المقدمات أولا ، وفي موضوعات الصنائع ثانيا ، وفي المطالب ثالثا . فهذه الأنحاء من المعارف هي أنحاء المعارف الأول التي يجب أن تتقدم في المعارف الفاعلة للتصديق والمعارف الموطئة له . وكذلك يشبه أن يكون الأمر في أنحاء المعارف المتقدمة على التصور ، أعني الفاعلة ، والموطئة . لكن كلامه ، على القصد الأول ، إنما هو في أنحاء المعارف الموجودة في الأشياء الفاعلة للتصديق . وإنما قال : « وذلك أن العلم بأن الشيء موجود والعلم على ما يدل اسمه ليس هما على مثال واحد » - ليعرف بذلك أن العلمين معنيان متغايران ، ومع أنهما متغايران غير متلازمين . وذلك أنه قد يعرف على ماذا يدل الاسم ، أعني القول الشارح ، ولا يعرف أنه موجود ، مثل الحال في اسم الخلاء واسم الطبيعة عند من يرى أنها غير معروفة الوجود بنفسها . وكذلك أيضا قد يعلم أن الشيء موجود ، ويجهل شرج اسمه ، أعني رسمه أو حده . قال أرسطاطاليس : « وقد يتعرف الإنسان بعض ما كان حصلت له المعرفة به قديما . وبعض الأمور قد يحصل له علمها ومعرفتها معا ، بمنزلة جميع الأشياء الموجودة تحت الأشياء الكلية التي قد أفتى العلم بها ، مثل طبيعة المثلث : قد كان العلم بأن زواياه الثلاث تعادل قائمتين ، فحصلت الكلية . فأما المثلث الموضوع في نصف الدائرة فساعة كشف عنه حصل له علمه وتعرفه معا . » التفسير لما كان هاهنا أشياء قد تعلم لا بعلم متقدم ، أو بعلم متقدم بجهة غير الجهة التي تعلم منها المطالب المجهولة بالمعارف الأول المتقدمة - وتلك هي التي تعلم على جهة التذكر ، أو التي تعرف بالحس - أخذ يعرف أن هذا النوع من العلم [٦ ب ] < وهو الذي > يعلم بعلم متقدم لما أمكن أن يعلمه الإنسان ، لا بعلم متقدم ، بل ابتداء - هو غير النوع الذي تضمنته القضية القائلة إن كل علم وتعلم فهو عن معرفة متقدمة - فقال : « وقد يتعرف الإنسان بعض ما كان حصلت له المعرفة به قديما » - يريد : وقد يعلم الإنسان أشياء كثيرة قد كان حصل له علمها قديما فنسيها ، ثم إنه تذكرها . وهذا النوع من العلم ، أعني الذي يكون على طريق التذكر ، وإن قيل فيه أنه معرفة متقدمة ، فهو على نحو غير نحو تقدم علم المقدمات على علم النتائج . وذلك أن العلم المتقدم في التذكر هو بعينه العلم الحاصل بعد ، وليس العلم بالمقدمات هو العلم بالنتيجة إلا بالقوة فقط . - وأيضا فإن العلم الحاصل بالتذكر علم قد حصل بالنعل . وأما علم النتيجة فلم يحصل قط بالفعل في الذهن قبل عمل القياس عليه . وذلك أمر بين . وإنما قصد بهذا ليعلم فيما بعد أن حل أفلاطون شك « مانن » - بوضعه أن التعلم تذكر- بر يكن صوابا . ولما كان ها هنا إدراكات لا عن معرفة متقدمة ، وهي علم الحواس ، وكان هذا الإدراك غير الإدراك بالعلم المتقدم ، وكان متى وضع الادراكين واحدا لزم عنه شك في المقدمة المذكورة ، وذلك أن المحسوس مجهول قبل أن يحس ، فإذا أحس علم بعلم متقدم . وكان أيضا للسفسطائيين تغليط من قبل هذا في أن الشيء الواحد بعينه يعلم ويجهل معا على ماسيحكيه عنهم بعد ، أعني متى لم يفرق بين هذين العلمين ، قال : « وبعض الأمور قد يحصل لنا علمها وتعرفها معا - بمنزلة جميع الأشياء الموجودة تحت الأشياء الكلية التي قد أفتى العلم بها » يريد: وبعض الأمور قد يحصل للإنسان علمها عن غير معرفة متقدمة ويعرفها بالحس معا ، وهما المعرفة التي تكون عن معرفة غير متقدمة ، وذلك مثل جميع الأشياء الجزئية الغائبة عن الحس الداخلة تحت أمر كلي قد علم . مثال ذلك أنه قد يكون عندنا علم كلي بأن المثلث زواياه مساوية لقائمتين ، ولا نكون نعلم بوجود مثلث ما مشار إليه أو مخصوص أنه بهذه الصفة ، كأنك قلت : المثلث المرسوم في هذه الدائرة المحسوسة لأنا لم نحسه بعد ولا كان عندنا علم بوجوده ، فإذا أحسسناه بأن كشف لنا مثل عنه حصل لنا عند الكشف عنه معرفة وجوده بالحس وعلمه معا ، أعني أن زواياه مساوية لقائمتين ، وذلك أن كونه مثلثا يحصل عن الحسن ، وكون زواياه مساوية لقائمتين يحصل عن العلم الكلي وهو أن كل مثلث فهو بهذه الصفة . قال أرسطاطاليس : « وقد توجد بعض الأمور علمها على ما ذكر أولا بالمشاهدة ، وليس إنما يعرف الأخير بوسط ، وهذه هي صورة الجزئيات [ ٧ أ] والتي لا تقال على موضوع . لكن قبل أن يكشف عن المثلث المستور ويعمل < عليه > القياس ، فإن معرفته تكون حاصلة لنا بنحو ما ، وأما بنحو آخر فلا ، من قبل أن الشيء الذي لا يعلم وجوده على الإطلاق كيف يعلم أن زواياه تعادل قائمتين على الإطلاق ! لكن العلم لهذا المعنى يكون موجودا له بوجه وهو : من حيث هو حاصل تحت الكلي . أما على الإطلاق ، فلا . » التفسير قوله : « وقد يوجد بعض الأمور علمها على ما ذكرأولا بالمشاهدة » - يريد : والسبب في أن كان بعض الأشياء يحصل العلم به بصفة من صفاته وبوجوده معا أن بعض الأشياء يدرك وجودها بالحس ، لا بقياس أصلا ، وتعرف أحوالها بقياس . وقوله : « وليس إنما يعرف الأخير بوسط » - يعني : وليس يعرف هذه الأشياء التي هي آخره في الحمل بوسط ، أي ليس تحمل على شيء أصلا ، أعني حملا كليا وعلى المجرى الطبيعي . ثم قال : « وهذه هي صورة جميع الجزئيات والتي لا تقال على موضوع » ويعني : وهذه هي جميع الجزئيات الشخصية التي حدت في كتاب « المقولات » التي لا تقال على موضوع أصلا . ثم قال : « لكن قبل أن يكشف عن المثلث المستور ويعمل عليه القياس ، فإن معرفته تكون حاصلة بنحو ما ، وأما بنحو آخر فلا » - يريد : وإذا تبين أن معرفة الشيء بالقياس غير معرفته بالحس ، فإنا نقدر من قرب أن نحل المغالطة المشهورة التي كان يغالط بها السفسطائيون ، فيلزمون أن يكون الشيء مجهولا معلوما معا - بأن نقول للسفسطائيين إنه قبل أن يكشف المثلث ويعمل عليه القياس ، فإن المعرفة بأن زواياه مساوية لقائمتين تكون حاصلة له قبل كشفه من جهة ، وغير حاصلة من جهة ، فنحن نجهله من جهة ، ونعلمه من جهة ، وليس نجهله ونعلمه من جهة واحدة ، وهو المحال الذي ألزمتم . وذلك أن المثلث المستور قبل كشفه لنا نعرف أن زواياه مساوية لقائمتين بالقوة ، من جهة انا نعرف وجود ذلك الكلي المحيط بهذا المثلث المشار إليه ، وهو علمنا بوجود الزوايا مساوية لقائمتين للمثلث كما هو مثلث . فنحن نعرفه بالقوة ، ونجهله بالفعل ، أي نعرفه من جهة الأمر الكلي ، ونجهله من جهة الأمر الجزئي المغيب عنا ، فإذا كشف لنا عنه حصل لنا العلم بالأمرين جميعا . ووجه هذه المغالطة - على ما سنذكره بعد - أنهم كانوا يعمدون فيصورون مثلا - مثلثا بحيث لا يظهر للذي يريدون أن يسألوه ، ثم يقولون له : يا هذا ! ألست تزعم أنه قد حصل لك العلم بأن كل مثلث فزواياه مساوية [٧ ب ] لقائمتين . فإذا قال : « نعم ! » - أخرجوا له ذلك المثلث المستور فقالوا له « يا هذا ! هل كنت تعلم أن هذا المثلث زواياه معادلة لقائمتين من قبل أن يكشف لك عنه ، أم كنت لا تعلم ذلك ؟ » فإذا قال : « بل كنت لا أعلم ذلك » قيل له : « فقد كنت تعلم أن هذا المثلث زواياه مساوية لقائمتين ولا تعلمه معا » . فحل هو هذا الشك بان قال لهم : « كنت أعلمه من جهة ، وأجهله من جهة قبل أن يكشف عنه » ، أي اعلمه من جهة الكلى المحيط به ، وأجهله من جهة الجزئي الخاص . ثم أتى بالسبب الذي من أجله كان المثلث المستور بهذه الصفة ، أعني مجهولا بالفعل ، معلوما بالقوة ، فقال : من قبل أن الشيء الذي لا يعلم وجوده على الإطلاق كيف يعلم أن زواياه تعادل قائمتين على الإطلاق » - يريد أنه لا يمكن أن يكون قد حصل العلم الذي بالفعل بهذا المثلث المستور من قيل أن يكشف ، لكن من قبل الأمر الكلى . وذلك أن هذا المثلث قبل أن يكشف عنه هو مجهول الوجود . وإذا كان مجهول الوجود ، فكيف يمكن أن يعلم أن زواياه مساوية لقائمتين قبل أن يعلم وجوده ! فهو مجهول من هذه الجهة ، وهو معلوم من قبل أنه بالقوة منطو تحت الأمر الكلي الذي كان لنا العلم به ، وهو أن كل مثلث فزواياه مساوية لقائمتين . قال أرسطاطاليس : « وإن لم تكن الصورة كذلك ، وإلا فقد تلزمنا الحيرة المذكورة في كتاب « مانن » وهي إما أن يكون الإنسان لا يعلم شيئا أصلا ، وإما أن يتعلم ما يعلم . وليس ينبغي أن يحل الشك كما رام غيرنا حله ، فإنهم سألوا فقالوا : أترى البرهان حصل أن كل ثنائية زوج ، أو لا ؟ فمع الإجابة ب « نعم » كشفوا عن ثنائية لم يعلم بوجودها وقالوا : هذه لم يشعر بوجودها ، فكيف يعلم أنها زوج ؟ فإنهم حلوا هذه الحيرة بأن قالوا : لم يقل إن كل ثنائية زوج ، [71a]* ولكن على الشيء التي يعلم أنها ثنائية. » التفسير يقول : وإن لم ينزل أن جميع المطلوبات هي بهذه الصفة ، أعني أنها تجهل من جهة ، وتعلم من جهة - أي تعلم من جهة الأمر العام وتجهل من جهة الخاص - فقد يلزمنا الشك المذكور في كتاب « مانن » في التعليم : وهو الملزم : إما أن يكون الإنسان لا يتعلم شيئا يجهله ، وإما أن يتعلم ما قد علمه . وسكت عن الشك لأنه كان مشهورا عندهم . والشك هو هكذا : لا يخلو المتعلم للشيء أن يكون إما عارفا به ، وإما جاهلا . فإن كان عارفا به فلا حاجة إلى تعلمه ، وإن كان جاهلا [ ٨ أ] به فمن أين إذا صادفه يعرف أنه مطلوبه ؟! . ومثال ذلك أن العبد < الآبق إذا كان الباحث عنه > لا يعرفه ، لم يعرفه إذا صادفه . وهذا الشك قصد به ابطال التعليم . وقد كان أفلاطون أجاب عن هذا الشك بأن وضع أن التعلم تذكر ، وسلم أن المطلوب قد كان معلوما قبل أن يعلم . وهو بين أن المطلوب المجهول الطبع لم يكن لنا قط معلوما بالفعل ، وإنما كان معلوما بالقوة . فوجه حل هذا الشك أن يقال له : إن المطلوب لو كان مجهولا على الإطلاق ومن جميع الجهات لما كان سبيل إلى علمه . ولو كان أيضا معلوما على الاطلاق ، لكان تعلمه عبثا . لكنه معلوم من جهة ، وهو الأمر الكلي العام ، ومجهول من جهة وهو الأمر الخاص ، فنحن نطلبه من قبل الجهة المجهولة فيه ، ونعرفه إذا صادفناه من قبل الجهة المعلومة عندنا منه . ولما كان ذكر شك السفسطائيين المشارك في وجه الحل لهذا الشك ، ذكر أنه ليس ينبغي أن يحل بما حله به غيره فقال : « وليس ينبغي أن نحل الشك كما رام غيرنا حله » - ثم ذكر وجه الشك وحل الغير له . وما يقوله في ذلك مفهوم بنفسه . وذلك أن هؤلاء كانوا يسألون كما قال : « أترى حصل العلم بالبرهان بأن كل ثمانية عدد زوج ؟ فإذا قال المجيب : « نعم » كشفوا له عن ثمانية قد أخفوها له فقالوا له : أكنت تعلم هذه الثمانية أنها زوج ؟ فإذا قال : « لا » ، قالوا له : فأنت تعلمها ولا تعلمها » . وكذلك كانوا يسألون عن المثلث ، وفي غير ذلك من الأشياء الجزئية المنطوية تحت المعلوم بالبرهان . ورام غيره حله بأن قال لهم : لم أكن أعلم أن كل ثمانية بأطلاق هي عدد زوج ، وإنما الذي علمته بالبرهان أن كل ثمانية ، علمت أنها ثمانية ، فهي عدد زوج . ولما عرف وجه حلهم أخذ يعرف ما فيه من الخطأ . قال أرسطاطاليس : « لكن البرهان الذي حصل عندهم لم يحصل مبينا على أنه الشيء الذي يعلمون أنه مثلث أو عدد لكن على طبيعة المثلث وطبيعة الثنائية ، لا ولا في واحد من المقدمات التي أقتضبها باستثناء بمنزلة العود الذي يعلم ، والمستقيم الخطوط الذي يعلم لكن على الاطلاق . سوى أنه ليس مانع يمنع أن نعلم الشيء من جهة ، ونجهله من جهة . والقبيح الشنيع ليس هو أن يكون ما يتطرق الإنسان إلى علمه يعرفه بوجه من الوجوه . لكن القبيح أن يتطرق فيتعلم من جهة ما هو عالم به . » التفسير يقول : وليس الأمر على ما قال هؤلاء ، فإن البرهان الذي قام عندهم على مساواة زوايا المثلث لقائمتين ، لم يقم على هذه [ ٨ ب ] الشريطة التي زعموا ، وهو أن يقوم على المثلث الذي يعلمون أنه مثلث ، بل إنما قام على المثلث بإطلاق . وكذلك أيضا هذه الشريطة ليسر توجد في شيء من المقدمات المأخوذة في هذا البرهان . وإذا لم توجد هذه الشريطة لا في النتيجة ولا في المقدمات - فما قالوه باطل . فقوله : « ولكن البرهان الذي حصل عندهم لم يحصل مبينا على أنه الشيء الذي يعلمون أنه مثلث أو عدد ، لكن على طبيعة المثلث وعلى طبيعة العدد ، لكن البرهان الذي حصل عند الذي تبرهن عنده أن زوايا المثلث مساوية لقائمتين وأن الثمانية عدد زوج لم يحصل مبينا عنده على أنه موجود للمثلث الذي يعلم أنه مثلث أو للثمانية التي يعلم أنها ثمانية ، لكن إنما حصل عندهم للمثلث على الإطلاق وللثمانية على الاطلاق . وقوله : « ولا في واحد من المقدمات التي اقتضبوها باستثناء » - يريد : ولا يوجد في واحد بين المقدمات التي وضعت في هذه البراهين مقدمة وضعت باستثناء ، أي استثنى فيها مثل هذا المعنى ، مثل أن يوضع في مقدمات البرهان على أن الثمانية عدد زوج العدد الذي يعلم ، لا العدد المطلق ، حين يقولون : كل ثمانية عدد ينقسم بنصفين ، ومثل أن يضعوا في البرهان على أن المثلث زواياه مساوية لقائمتين ، وفي رسم المثلث أنه الشكل المستقيم الخطوط الذي يعلم أنه كذلك وهذا هو الذي دل عليه في قوله : « بمنزلة العدد الذي يعلم والمستقيم الخطوط الذي يعلم » . وقوله : « لكن على الاطلاق » : لكن إنما وضعوا هذه المقدمات على الاطلاق لا بهذا الشرط . ثم قال : « سوى أنه ليس يمنع مانع من أن نعلم الشيء بجهة ، ونجهله بجهة » - يريد : غير أنه وإن لم ينحل هذا الشك من هذه الجهة فهو ينحل من جهة أنه ليس يمنع مانع من أن يعرف الشيء من جهة ، ويجهل من جهة أخرى . والقبيح الشنيع ليس هو أن يكون ما يتطرق الإنسان إلى علمه يعرفه بوجه من الوجوه . لكن القبيح هو أن يتطرق فيعلم الشيء من جهة ما هو عالم به - هو إعلام منه إلى أنه بهذا الحل بعينه ينحل شك « مانن » وذلك أنه ليس بقبيح ولا شنيع أن يتطرق من الجهة التي يعلمها منه الى الجهة التي لا يعلمها ، بل ذلك هو الواجب . وإنما الشنيع القبيح أن يتطرق الإنسان فيتعلم الشيء الذي يعلمه من الجهة التي يجهله . وهذا هو الذي ظن « مانن » أنه يلزم عن قوله . وإنما اللازم الوجه الآخر الذي ليس بممتنع بل هو واجب ، وهو أن يتطرق من الجهة المعلومة من الشيء إلى الجهة المجهولة فيه .

٢ - < في العلم والبرهان وعناصرهما >

Shafi 179

[ ٩ أ] قال أرسطاطاليس : السفسطائي الذي هو بطريق العرض ، متى علمنا بعلة الشيء وبعلة العلة الموجبة لوجوده وعلمنا أنها علته ولا يمكن أن يكون من دونها . ومن البين الظاهر أن معنى أن يعلم الشيء هو هذا . وذلك أن الذي يعلم والذي لا يعلم كلاهما يزعمان أنهما قد علما الشيء من قبل العلم بعلته ، سوى أن الذي لا لا يعلم يظن أنه قد علم بالعلة وليس ظنه بحق . والذي علمه على التحقيق فإنما علمه بالعلة . » التفسير لما علم أن كل تعلم وتعليم فإنما يكون عن معرفة متقدمة ، وحل الشكوك الواقعة في هذه المقدمة ، وهو شك « مانن » وتغليط السفسطائي - شرع في تعريف شروط مقدمات البرهان المطلق ، أعني الذي يعطر الوجود ، والسبب الذي هو أوثق أصناف البراهين يقينا وأكملها معرفة ، وهو المقصود أولا في هذا الكتاب ، فقال : « وقد يظن بأنا قد علمنا واحدا من الأمور علما محققا لا على النحو السفسطائي ، الذي هو بالعرض ، متى علمنا العلة الموجبة لوجوده وعلمنا أنها علته وأنه لا يمكن أن يكون دونها » - فاشترط في العلم المقول بتقديم ، أعني الحاصل لنا من البرهان التام ، ثلاثة شروط : أحدها : أن يكون الشيء المعلوم قد حصل لنا وجوده من قبل العلم بوجود علته . والشرط الثاني : أن نكون ، مع علمنا بوجوده من قبل علته ، قد علمنا أنها علته . والثالث : أن نكون قد علمنا أنه لا يمكن أن يوجد من دون تلك العلة . وإنما اشترط في هذا العلم أن يكون وجود المعلوم فيه حصل لنا من قبل العلة لأنه الذي به ينفصل هذا البرهان من البرهان الذي يسمى الدليل . وإنما اشترط ثانيا أن نكون مع هذا قد علمنا أنها علته لأنا قد نعلم وجود شيء من قبل شيء غير علته من غيرأن نعرف أنه علته . وإنما اشترط ثالثا أن نكون قد علمنا أنه لا يمكن أن يوجد ذلك الشيء دون تلك العلة للفرق بين العلة الذاتية والعرضية ، والعلة المظنونة واليقينية . وقوله : « محققا » إنما قاله بدل قوله : بتقدم وفي الغاية . فكأنه قال : وهو من الظاهر أنا إنما نعلم واحدا واحدا من الأشياء المجهولة علما مقولا بتقديم ، لا علما مقولا بتأخير مثل العلم الذي يكون عن الدلائل ، ولا علما باشتراك الاسم مثل العلم الذي توجبه الأقاويل السفسطائية متى عرفناه بعلته ، أي عرفنا وجوده من قبل المعرفة بعلته . ولما أتى بهذه المقدمة على أنها معروفة بنفسها [٩ ب ] < . . . . . . > بالشهادة على عادته في إردافه الأقاويل اليقينية بالشهادة على جهة الاستظهار فقال : « ومن البين الظاهران معنى < أن يعلم > الشيء هو هذا » إلى آخر ما كتبناه - يريد : ومن الدليل أن العلم المحقق إنما يصل لنا بالشيء من قبل المعرفة بسببه أن كل من يزعم أنه قد عالم الشيء علما محققا فإنما زعم ذلك من قبل أنه يرى أنه إنما علمه من قبل علته ، سواء كان علمه صحيحا ، أولم يكن . إلا أن الفرق بينهما أن الذي علمه علما صحيحا فهو الذي علمه بعلته . وأما الذي لم يعلمه علما صحيحا فهو يظن أنه قد علمه بعلته وهو لم يعلمه بعلته . قال أرسطاطاليس : « فهذا هو معنى أن يعلم الشيء على التحقيق . وغير ممكن أن يكون بغير هذا الوجه . وقد يوجد نوع آخر من العلم المحقق ، وسنتكلم فيه بأخرة . ألا أن الذي يجب أن يصرف العناية إلى النظر فيه من العلوم على التحقيق هو البرهان . وأعني بالبرهان : القياس اليقيني الذي يعلم به الشيء على ما هو عليه ، لا الذي يعلمه بما هو موجود لنا . » التفسير يقول : وهذا الذي ذكرناه هو حد العلم المحقق ، أي المقول بتقديم . وهو معلوم أيضا بنفسه أنه غير ممكن أن يكون هذا العلم بغير هذا الوجه الذي ذكر . وقوله : « وقد يوجد نوع آخر من العلم المحقق - وسنتكلم فيه بأخرة » - يعني التصور التام الذي يكون بالحدود التامة ، وهو يتكلم فيه في المقالة الثانية . ولما أعلم أن قصده في هذه المقالة إنما هو التكلم في نوعى العلم المحقق الذي هو التصديق والتصور في الشيء الذي يقع به التصديق التام ، وهو البرهان المطلق أخذ يحد ما البرهان المطلق الذي يقصد في هذا الكتاب التكلم في مقدماته وتعريفها فقال : « وأعني بالبرهان القياس اليقيني الذي يعلم به الشيء على ما هو عليه ، لا الذي يعلمه بما هو موجود لنا . » فالقياس يتنزل من هذا الحد منزلة الجنس ، وذلك أن البرهان هو قياس صحيح الشكل . وقوله : « اليقيني » هو قول بدل قوله : القياس الذي يأتلف من مقدمات يقينية » . وهذا الفصل هو الذي ينفصل به القياس البرهاني من القياس الجدلي ، أي نوع كان من أنواع البراهين الثلاثة ، أعني برهان الوجود ، أو برهان السبب ، أو الذي جمع الأمرين جميعا ، أعني الذي يعطى الوجود والسبب معا . وذلك أن القياس الجدلي هو الذي يأتلف من مقدمات مشهورة لا يقينية - وقوله : « الذي يعلم به الشيء بما هو عليه ، لا الذي يعلمه بما هو موجود لنا » : هو الفصل الذي ينفصل به البرهان المطلق ، أعني الذي يعطى الوجود والسبب معا من برهان الدليل . وذلك أن [١٠ أ] قوله هذا بدل قوله : من مقدمات يقينية يعلم بها الشيء المطلوب من جهة ما هي علة لذلك الشيء المطلوب في الوجود ، لا من جهة ما هي علة لمعرفتنا بوجود ذلك الشيء فقط دون أن تكون علة لوجوده خارج النفس . وذلك أن البرهان المطلق يجب أن تكون مقدماته بهذين الشرطين ، أعني : علة للنتيجة ، وعلة لعلمنا بالنتيجة ، مثل أن نعلم أن هذا الموضع فيه ضوء لأن فيه نارا . فإن علمنا بأن فيه نارا هو علة لعلمنا بأن فيه ضوءا وعلة لوجود الضوء . وإنما تكون المقدمات بهذه الصفة في القياس البرهاني إذا كان الحد الأوسط هو علة للنتيجة في الوجود ، وعلة لعلمنا بها . وأما الدليل فإن الحد الأوسط فيه إنما هو علة لعلمنا فقط بالنتيجة ، لا علة لوجود النتيجة خارج الذهن ، مثل أن نبين أن هذا الموضع فيه نار ، لأن فيه دخانا . فإن علمنا بوجود الدخان فيه إنما هو علة لعلمنا بوجود النار ، لا علة لوجود النار . بل الأمر بالعكس وهو أن النار علة لوجود الدخان . فكأنه قال : الذي يعلم به الشيء بما هو به موجود في نفسه ، لا الذي يعلمه بما هو به عندنا موجود دون أن يكون به موجودا في نفسه . قال أرسطاطاليس : « فإن كان معنى أن نعلم الشيء علما محققا بحسب ما تقدمنا ووضعنا هو أن تكون مقدمات البراهين صوادق وأوائل غير ذات أوسط ، وأن تكون أعرف من النتيجة وأن تكون علات ، فإنها على هذا الوجه تكون مناسبة للأمر الذي يتبين بها . وقد يكون قياس من غير اجتماع هذه الشروط . فأما البرهان فلا ، من قبل أنه من غير اجتماع هذه الشروط لا يعلم الشيء علما يقينيا . » التفسير أنه لما وضع ما هو العلم المطلوب بالبرهان ، تطرق من ذلك إلى معرفة شروط مقدماته فقال : « فإن كان معنى أن يعلم الشيء علما محققا بحسب ما تقدمنا ووضعنا » - يريد : فإن كان قصدنا بالبرهان أن نعلم الشيء علما محققا في الغاية من اليقين بحسب ما وضعنا ، وكان يلزم عن ذلك أن تكون مقدمات البرهان الذي يفيد هذا العلم صادقة ومبادئ أولى معروفة بنفسها غير معروفة بوسيط ، أي بقياس ، وأن تكون ثالثا أعرف من النتيجة ، وأن تكون رابعا عللا للنتيجة ، فإنه بهذه الجهة تكون مناسبة للأمر الذي تبين بها ، أعني بكونها علة . ثم قال : « وقد يكون قياس من غير اجتماع هذه الشروط » - يريد : إما قياس اقناعي ، أو جدلي أو دليل . وقوله : « فأما البرهان فلا يريد به البرهان المطلق . وقوله : « من قبل أنه من غير اجتماع هذه الشروط لا يعلم الشيء علما يقينيا » - يعني اليقين الذي في الغاية . ولما أخبر بوجوب وجود هذه الشروط في المقدمات [ ١٠ ب ] أخذ يعرف جهة وجوب اشتراط هذه الشروط في مقدمات البرهان . قال أرسطاطاليس : « وكون مقدمات البرهان صادقة واجب ضرورة ، من قبل أن كونها كاذبة يؤدينا أن نعلم ما ليس بموجود ، مثل أن نعلم أن القطر مشارك للضلع . وواجب أيضا أن تكون مقدمات البرهان غير ذات أوساط وغير محتاجة إلى برهان . وذلك أنه أن كانت ذوات أوساط ، فلا سبيل إلى أن تعلم إلا بالبرهان ، لأن معنى أن نعلم الشيء علما محققا ، لا بالعرض ، هو أن يعلم بالبرهان . » التفسير قوله : « من قبل أن كونها كاذبة يؤدينا إلى أن نعلم ما ليس بموجود » - يريد : أن المقدمات متى كانت كاذبة ، كانت النتيجة عنها كاذبة ، وذلك في الأكثر ، لأنه قد تبين في كتاب « القياس » ، أنه قد تكون نتيجة صادقة عن مقدمات كاذبة ، لكن ذلك بالعرض . وقوله : « وواجب أن تكون مقدمات البرهان غير ذوات أوساط » - يعني البراهين البسيطة وهي التي يقال عليها اسم : « البرهان بتقديم » ، وهي البراهين التي تأتلف من المقدمات اليقينية الأوائل بالطبع ، وذلك أن هذه البراهين هي التي ليست تحتاج إلى غيرها ، وغيرها محتاجة إليها . وكل ما كان سببا لوجود شيء بحال ما ، فهو أحق بتلك الحال ، أعني أن كانت البراهين الأول هي السبب في أن وجد هذا المعنى للبراهين الثواني ، أعني التي مقدماتها ذوات أوساط ، فلا سبيل أن تعلم ألا بالبرهان . فكأنه قال بدل هذا : فليس تكون براهين بذاتها ، بل بغيرها . و« البرهان بتقديم » إنما هو الذي هو برهان بذاته . وإنما قال : « فلا سبيل أن تعلم إلا بالبرهان » لأن المعلوم علما محققا إما أن يعلم بذاته ، وإما أن يعلم بالبرهان ، لا بنوع العرض . وأيضا فإذا فرضنا أن أوائل البرهان ليست معلومة بنفسها أوجب أن تكون معلومة بالبرهان . فإن كان ذلك موجودا للبرهان بما هو برهان ، لزم أن يمر الأمر إلى غير نهاية وان يكون البيان دورا ، على ما سيبينه بعد . فإذن مقدمات البرهان ، بما هو برهان وبالذات ، يجب أن تكون أوائل غير معروفة بوسط ، وأن تكون البراهين التي مقدماتها معروفة بوسط براهين مقولة مع هذه باشتراك الاسم . ويشبه أن يكون هذا المعنى هو الذي يقصده بقوله : « واجب أن تكون مقدمات البرهان غير ذوات أوساط » - إلى آخر ما كتبناه . قال أرسطاطاليس : « وواجب ضرورة أن تكون مقدمات [ ١١ أ] البرهان عللا ، وان تكون اقدم وأعرف وأما علة فمن قبل أنه من رام أن يعلم الشيء علما محققا فإنما يعلمه بعلته . وأما كونها أقدم فمن قبل أنها علل . وأما أعرف فعلى ضربين : أحدهما أن يعلم على ماذا تدل ، والثاني هو أنها موجودة ، أي صادقة . » التفسير لما وضع أن العلم الحقيقي يجب أن يحصل عن مقدمات تلك الصفات التي وضعها ، يروم أن يبين ذلك . فقوله : « وواجب أن تكون مقدمات البرهان عللا » ، يعني أن يكون الحد الأوسط فيها علة للطرف الأعظم ، أعني لوجود الأعظم نفسه ولوجود الأصغر ، لا علة لوجوده في الأصغر فقط كما يقول ابن سينا ، ولا علة للأصغر كما يظن أن أبا نصر يجوز ذلك في البراهين المطلقة ، أعني البراهين التي تفيد السبب والوجود معا ، وهي التي الكلام فيها هاهنا . وأما كون البرهان يوجد الحد الأوسط فيه علة للطرفين - أعني الأكبر والأصغر- فهو أمر عارض له . ولذلك من يظن أن من شرط البرهان المطلق أن يكون الحد الأوسط فيه علة للطرفين - فليبين ذلك بصواب . وإنما هو شيء عرض لبعض البراهين المطلقة . ولذلك ليس ينبغي أن يقسم البرهان إلى هذه القسمة حتى يقال إن البراهين المطلقة هي التي يكون الحد الأوسط فيها سببا لأحد الطرفين أو كليهما . وذلك أن كونه سببا لكليهما هو بالعرض ، وكونه سببا للأوسط فقط غير واقع أصلا . وذلك أنه متى لم يكن يلزم عن وجوده وجود الأكبر في الأصغر من جهة أنه علة له ، أعني للأكبر، فليس ببرهان مطلق . وإنما مكان التغليط في ذلك أن يحمل ، ما قيل من ذلك ، أعني من كون الحد الأوسط سبيا في البراهين على الإطلاق ، ولا على التقييد . فإنه إذا أخذ هذا القول بإطلاق ، أمكن أن يتصور على ثلاث جهات وأما إذا أخذ من جهة أنه سبب يلزم عن وجوده في الأصغر وجود الأكبر فيه من جهة أنه سبب للأكبر ، ارتفع هذا الغلط . ومن هنا يبين أيضا خطأ ما يقوله ابن سينا وهو يظن أنه يأتي في ذلك بأمر مستدرك من أنه قد يتفق أن يكون الحد الأوسط معلولا عن الطرف الأكبران الأكبر إذا أنزل موجودا لزم أن يكون الأوسط موجودا من قبل أنه علة له ، فليس يمكن الحد الأوسط في مثل هذا البرهان أن يكون سببا لوجود الأكبر في الأصغر ، إلا أن يؤخذ نوعان من الأسباب يلزم عن وجود كل واحد منهما وجود الآخر . وعلى هذا فيكون الحد الأوسط علة للأكبر - وإن كان أراد أن يكون الحد الأكبر علة [ ١١ ب ] وجود الأوسط على الإطلاق ، أعني من غير أن يلزم عن وجود الأكبر وجود الأوسط ، ويكون الأوسط علة لوجود الأكبر في الأصغر ، لا علة لوجود الأكبر نفسه ، فبذلك يوجد كثيرا - مثل قول القائل : الإنسان حيوان ، والحيوان جسم . لكن أمثال هذه هي علل بالعرض . فإنه ليس السبب الأول الذاتي في كون الإنسان جسما أنه حيوان ، إذ كان الإنسان هو بما هو إنسان حيوان ، فضلا عن أن يكون جسما . وسيبين هذا المعنى بيانا أكثر بعد . ولما عرف أنه يجب أن تجتمع فيها أن تكون عللا وأقدم وأعرف ، أتى بالسبب الموجب لكل واحد من هذه الشروط فقال : « وأما علة فمن قيل أنه من رام أن يعلم الشيء علما محققا فإنما يعلمه بعلته » - وإنما كان هذا العلم هو في الطور التام ، من العلم لأمرين اثنين : أحدهما : أن من علم الموجود من قبل سببه فعلمه أوثق من علم الموجود بدليل . والثاني : أن من هذا النوع من البرهان هي البراهين التي تتضمن بالقوة مطلوب ما هو الذي هو الحد ، وهو المشوق إليه بالطبع والذي من أجله تشوقت معرفة الأسباب . ثم قال : « وأما كونها أقدم فمن قبل أنها علل » - يريد : اقدم في الوجود ، فإن العلة متقدمة في الوجود على المعلول . ثم قال : « وأما أعرف فعلى ضربين : أحدهما أن يعلم على ماذا يدل ، والثاني هو أنها موجودة ، أي صادقة » - يريد : وأما كون المقدمات أعرف من النتيجة ، فإنه يجب أن تكون أعرف في جهتين : أعني : أعرف فيما تدل عليه أسماؤها ، وفي أنها موجودة. قال أرسطاطاليس : « والأقدم والأعرف يقال على ضربين : وذلك أنه ليس معنى أن يكون الشيء متقدما عندنا [72 a]* ، ومعنى أن يكون متقدما عند الطبيعة - معنى واحدا بعينه . والتي هي أعرف وأقدم عندنا هي الأشياء المحسوسة ، والتي هي أقدم واعرف عند الطبيعة هي الأشياء البعيدة من الحس . والأشياء البعيدة من الحس هي الأمور الكلية ، والقريبة منه هي الأشياء الجزئية والوحيدة ، وهذان متقابلان . » التفسير لما كان من شروط مقدمات البرهان المطلق الذي فيه الكلام ، وهو برهان السبب والوجود ، أن تكون المقدمات فيه مع أنها أعرف عندنا من النتيجة أعرف عند الطبيعة من قبل أنها أسباب ، والأسباب أعرف عند الطبيعة من المركبات - أخذ يذكر أن الأقدم في المعرفة يقال على وجهين : أحدهما الأعرف عندنا ، والآخر الأعرف عند الطبيعة ، وأن الأعرف عندنا هي الأمور المحسوسة المشار إليها ، وأن الأعرف عند الطبيعة هي الأشياء [ ١٢ أ] البعيدة من الحس ، وهي أسباب الأشياء المحسوسة ، أعني الأسباب المشتركة لأشياء أكثر من واحد . ولم يرد هاهنا أن يقايس بين المحسوس والمعقول في أيهما أعرف ، فإن المحسوسات غير معروفة عند الطبيعة أصلا . وأيضا فإنه ليس المحسوس أعرف عندنا من المعقول ، أعني المعقولات الأول . وإنما أراد أن يقايس في ذلك بين المعقولات القريبة من الأمور المحسوسة والبعيدة . فكأنه قال : ومعقولات الأشياء القريبة من المحسوس مثل معقولات المركبات والآثار الموجودة فيها أعرف عندنا من معقولات الأشياء البعيدة منها ، وهي معقولات الأسباب ، وأسباب الأسباب . وأما عند الطبيعة فالأمر بالعكس ، أعني أن الأشياء البعيدة من الحس أعرف عندنا من القريبة . وقوله : « والأشياء البعيدة من الحس هي الأمور الكلية ، والقريبة منه هي .الأشياء الجزئية والوحيدة ، وهذان متقابلان » - ليس يعني به أن الجزئي أعرف عند الحس من الكلي ، فإن الحس لا يدرك الكلى . ولا يعنى به أيضا أن الكلي أعرف عند الطبيعة من الذي هو أقل كلية ، فإن هذه هي حالنا ، أعني أن الأعم عندنا أعرف من الأخص ، كما قال في أول « السماع » . وإنما أراد بالأمور الكلية الأسباب الواحدة بالعدد المشتركة لأشياء كثيرة ، مثل : الفاعل الأول ، والمادة الأولى ، فإن هذه الأسباب هي أعرف عند الطبيعة منها عندنا . وأما الأمور الكلية الموجودة لكثيرين فهي عندنا أعرف . قال أرسطاطاليس : « ومعنى أنه من الأوائل ، أي من مبادئ مناسبة . ولا فرق بين قولنا : « أوائل » ، وبين قولنا : « مبادئ » ، من قبل أن الأول والمبدأ يدلان على معنى واحد . ومبدأ البرهان هو مقدمة غير ذات وسط . والمقدمة غير ذات وسط هي التي ليس توجد مقدمة أخرى أقدم منها . فأما المقدمة فهي أحد جزئي « الأفوفانسيس » ، أعني الحكم بواحد على واحد . فأما الديالقطيقية ، يعني الجدلية ، فهي اقتضاب أحد جزئي النقيض ، أيهما كان . فأما الفودقطيقة فهي أحد جزئي المناقضة على التحديد ، وهو الصادق . فأما الحكم فهو أي جزء كان من المقابلة . وأما المناقضة ، أنطيفاسيس άνθίφασις أعني التقابل الذي لا وسط له بذاته . » التفسير يريد : ومعنى قولنا في البرهان أنه القياس المؤتلف من الأوائل ، أي من مقدمات مناسبة ، ومعنى مناسبة : ألا يتجاوزها الجنس المنظور فيه ، على ما سيظهر بعد. ولما حد البرهان بأنه مقدمة غير ذات وسط ، احتاج أن يحد المقدمة على الإطلاق ، ثم يقسمها [ ١٢ب ] < إلى البرهانية > والجدلية ، ويرسم كل واحدة منهما ، لأن المقدمة الغير ذات وسط هي نوع من أنواع المقدمات البرهانية ، إذ قد تكون من مقدمات البرهان ما هي نتائج . ولما استعمل في حد المقدمة الحكم والمقابلة ، احتاج أيضا أن يحد الحكم وما هي المقابلة . وذلك كله إنما يذكر به تذكيرا مما سلف . فابتدأ بحد مبدأ البرهان بأن قال : « هو مقدمة غير ذات وسط » . ثم عرف ما هي المقدمة الغير ذات وسط فقال : « هي التي ليس توجد مقدمة أخرى أقدم منها » - يعني في المعرفة والوجود . ثم حد المقدمة بإطلاق فقال : « وأما المقدمة فهي أحد جزئي القول الجازم ، يعني الايجاب أو السلب » . وهذا الحد هو نظير ما حدها به في كتاب « القياس » وهي أنها : « قول يوجب شيئا لشيء ، أو يسلب عن شيء » وقد قيل في قوة هذا الرسم هناك . ويشبه ألا يكون ذلك حدا للمقدمة من جهة ما هي مقدمة ، بل للشيء الذي عرض له أن كان مقدمة ، لأن المقدمة إنما تقال بالإضافة إلى القياس . ثم حد المقدمة الجدلية وقال : « فأما الديالقطيقية ، أعني الجدلية ، فهي اقتضاب أحد جزئى النقيض ، أيهما كان » - يريد أن الجدلي لما كان إنما يضع المقدمة التي تسلمها من المجيب من جهة ما يتسلمها ، كان كل واحد من جزئي النقيض فيه إمكان على التساوي بأن يسلم بالسؤال ، فيوضع جزئي قياس . وكان المبرهن ليس من شأنه أن يضع أي جزء اتفق من جزئي قياس في برهانه ، وإنما يضع من جزئي النقيض : الصادق . وأخذ هذا المعنى فصلا بين المقدمة الجدلية والبرهانية فقال : « إن المقدمة الجدلية هي التي يكون كل واحد من جزئي النقيض » - ويريد بالنقيض هاهنا : المتضادة ، لا النقيض المقول بخصوص . وإنما قال إن « المقدمة الجدلية هي اقتضاب أحد جزئي النقيض » أي تسلم أحد جزئي النقيض ، لأن المقدمة هي التي تقتضب جزء قياس ، أي توضع . وهذا هو رسمها من جهة ما هي مقدمة . فكأنه قال إن المقدمة الجدلية هي اقتضاب أحد جزئي النقيض أيهما كان يجعل جزء قياس . ثم حد القول الجازم فقال : « وأما الحكم فهو أي جزء كان من المقابلة » . وينبغي أن يعلم أن الحكم والمقدمة والمطلوب واحدة بالموضوع ، متعددة بالقول . وذلك أن القول الجازم إذا أخد من حيث يصدق ويكذب ، سمى « قولا جازما » . وإذا أخذ من حيث هو جزء قياس ، سمي « مقدمة » . وإذا أخذ من حيث هو مجهول ، سمى « مطلوبا » . وأرسطو لما رسم المقدمة هاهنا [ ١٣ أ] بقسمتها الى نوعيها ، وذلك أنه قال فيها إنها أحد جزئي القول الجازم ، يعني إما السلب وإما الإيجاب ، رسم القول الجازم أيضا بنوعيه ، فقال : « فأما الحكم فهو أي جزء كان من المقابلة » . وإنما فعل ذلك كله طلبا للأعرف . وإلا فليست هذه في الحقيقة لا حدودا ولا رسوما . وقوله في حد « النقيض » : أعني المقابل الذي لا وسط له - فيشبه أن يكون إنما حده بهذا لأن هذا الرسم يشمل النقيض والمضاد . وهو الذي استعمل اسم النقيض هاهنا عليه ، أعني أنه كما أن الأوسط بين النقيض المقولين بخصوص ، كذلك الأوسط بين المتضادين . ويخص النقيض أنه يقسم الصدق والكذب في جميع المواد . وأما المتضادة فإنما تقسم الصدق والكذب في المادة الضرورية . وإنما اختصت المتضادة بالبرهان لأن البرهان في المواد الضرورية ، واختص النقيض بالجدل ، لأن النظر الجدلي يعم جميع المواد . قال أرسطاطاليس : « ومبدأ البرهان الذي هو مقدمة غير ذات وسط : أما ما. لم يكن سبيل إلى برهانه ، ولا هو أيضا في فطرة عقل المتعلم ، فإنه يسمى « أصلا موضوعا و« وضعا » . وما كان في فطرة عقل المتعلم ، فإنه يسمى « العلم المتعارف » . والوضع فقد ينقسم : فمنه ما يؤخذ أخذا على أنه جزء من المناقضة ، أيهما كان : إما الموجب وإما السالب ، ويسمى الأصل الموضوع . فأما ما هو خارج عن هذا ، فالحد ، فإن الحد هو من الوضع ، وذلك بمنزلة حد الوحدة التي يضعها صاحب علم العدد في صدر علمه ، وهو : مالا ينقسم بالكم . وليس التحديد والأصل الموضوع شيئا واحدا ، وذلك أنه ليس معنى ما هي الوحدة ومعنى أنها موجودة معنى واحدا . » التفسير قوله : « ومبدأ البرهان الذي هو مقدمة غير ذات وسط : أما ما لم يكن سبيل إلى برهانه ولا هو أيضا في فطرة المتعلم ، فإنه يسمى أصلا موضوعا ووضعا » يريد : وأما ما كان منها ليس في فطرة المتعلم قبوله : إما لقلة ارتياض ،وإما لنقصان في فطرته ، فإنه يسمى أصلا موضوعا ، ووضعا ، إذ كان لا سبيل إلى برهانه . فكأنه قال : ومبدأ البرهان الذي هو مقدمة غير ذات وسط : أما ما كان منها قد عرض لها ، مع كونها لا سبيل إلى برهانها ، إن لم تكن في فطرة المتعلم بنفسه ، فإنها تسمى « أصلا موضوعا » ، أي توضع للمتعلم إلى أن يقوى ذهنه فيقع له التصديق بها . وما كان من هذه التي لا سبيل إلى برهانها ، في فطرة المتعلم أن يعلمه ، فإنه يسمى « العلم المتعارف » . ويحتمل أن يريد بقوله : « ما لم يكن سبيل إلى برهانه ولا هو أيضا في فطرة المتعلم » - المبادئ التي تتسلمها [١٣ ب ] < صناعة > من صناعة ، فإنه لا سبيل إلى برهانه في تلك الصناعة ، ولا هي أيضا في فطرة المتعلم . وبقوله : « وما كان في فطرة عقل المتعلم » - أي : وما كان من المبادئ لا سبيل إلى برهانها لا في تلك الصناعة ولا في غيرها ، وهي التي في فطرة المتعلم ، فإنها تسمى « العلم المتعارف » . وعلى هذا ينبغي أن يفهم من قوله : « أما ما لم يكن سبيل إلى برهانه » : الأمرين جميعا . فكأنه قال : ما لم يكن سبيل إلى برهانه ، ولا هو أيضا في فطرة المتعلم ، وهو الذي ليس له سبيل إلى برهانه في تلك الصناعة وله في أخرى سبيل - فهو الذي يسمى « أصلا موضوعا » . وأما ما كان لا سبيل إلى برهانه وهو في فطرة المتعلم وهو الذي لا سبيل إلى برهانه على الاطلاق ، لا في تلك الصناعة ولا في غيرها ، فهو الذي يسمى « العلم المتعارف » . وهذا التفسير أشبه من الأول . ولما عرف أقسام الوضع الذي هو بالجملة مقابل الأصل المعروف بنفسه ، أخذ يقسم « الوضع » من جهة نحوي المعرفة : أعني التصديق ، والتصور ، فقال : « والوضع فقد ينقسم » - إلى قوله : « ويسمى الأصل الموضوع » - يريد : والوضع ينقسم من جهة أخرى إلى ما يسلم فيه وجود أحد جزئي المناقضة ، أيهما كان : إما الموجب وإما السالب ، وهذا هو الذي يسمى « وضعا » بالحقيقة ، وهو الذي دل عليه بقوله : « ويسمى الأصل الموضوع » يريد : بالحقيقة . ثم قال : « فأما ما هو خارج عن هذا : فالحد ، فإن الحد هو من الوضع » - يريد : فأما القسم الثاني الذي يسمى وضعا بتأخير فهو الحد ، من قبل أن الحد ليس يتضمن أن شيئا موجود لشيء إلا بالعرض ، ولذلك لا يقوم عليه برهان ، فهو من حيث ليس يقوم عليه برهان يشبه الوضع ، ومن حيث هو قول جازم لا يشبهه . ولذلك قد يشك في الحدود المعروفة بنفسها ، كما يقول هو فيما بعد : هل ينبغي أن تعد في المقدمات الأوائل بأنفسها ، أو في الأوضاع ؟ وعلى هذا التأويل فكأنه جعل الحدود داخلة في الأوضاع بالعرض . ويحتمل أن يريد بقوله : « فإن الحد من الوضع » : أي أن شرح دلالات الأسماء هو من الوضع ، إذ كانت دلالات الأسماء بالوضع . ويؤيد هذا التأويل قوله : « وأما ما هو خارج عن هذا : فبالحد » - فإن الظاهر من هذا أنه يريد : وأما الذي يسمى وضعا بمعنى خارج عن هذا فهو الحد . وإنما قال : « وذلك بمنزلة حد الوحدة الذي يضعها صاحب علم العدد في صدر علمه ، وهو : مالا ينقسم بالكم » - أما التأويل الأول فلأن وجود الوحدة خارج الذهن غير معروف بنفسه ، ولا يبرهن في الصناعة العددية . وأما على الثاني فإن معنى تحديد الوحدة هو اصطلاح على دلالة اسمها . ولما عرف من أي جهة تدخل الحدود في الأوضاع [ ١٤ أ] وأنها ليست تسمى أوضاعا بالحقيقة ، إذ كانت ليست تتضمن بالذوات وجود الشيء أو لا وجوده ، وهو الشيء الذي يسمى وضعا بالحقيقة ، إذ كانت تتضمن معنى الوضع الذي في الأسماء - أخذ يعرف أن الحدود في الأوضاع وأنها ليست هي بذاتها من جنس الأوضاع التي هي أوضاع بالحقيقة إما لأن معنى الوضع منها غير معنى الوضع الحقيقي ، وإما لأنها تتضمن معنى الوضع الحقيقي بالعرض ، فقال : « وليس التحديد والأصل الموضوع شيئا واحدا ، وذلك أنه ليس معنى ما هي الوحدة ومعنى أنها موجودة شيئا واحدا » - يريد أن حد الوحدة وما أشبه ذلك من الحد ليس يدل من المحدود على أنه موجود فيدخل الجازم بالعرض . وأما الأصل الموضوع فهو قول جازم يدل على أن الشيء موجود . قال أرسطاطاليس : أن لنا عليه مثل هذا القياس الذي يدعى « برهانا » ، وكان تصديقنا بالبرهان من أجل تصديقنا بالمقدمات التي منها البرهان - فيجب من ذلك ألا تكون معرفتنا بالشيء المعلوم بالبرهان بمقدمات البرهان : إما جميعها ، وإما بعضها ، على وتيرة واحدة ، لكن معرفتنا بالمقدمات أكثر . وذلك أن الشيء الذي من أجله توجد الأشياء هو في باب الوجود أحق ، بمنزلة محبتنا للمعلم من أجل محبتنا للصبي الذي من أجله نحب اكثر . » التفسير لما كان قد عرف أن المقدمات من البراهين يجب أن تكون أعرف من النتيجة ، لأن من قبل معرفتها يسار إلى العلم بالنتيجة ، يريد أيضا في هذا القول أن يعرف أنها ليست أعرف من النتيجة في حين الجهل بالنتيجة فقط بل وفي حين العلم بها ، من قيل أن العلم بالنتيجة إنما يحصل من قيل العلم بالمقدمات . وما هو السبب في وجود شيء ما فهو أحق بذلك الوجود من ذلك الشيء - مثال ذلك أن النار لما كانت السبب في كون الأشياء الحارة حارة ، كانت هي أحق بالحرارة . فقوله : « ولما كان الشيء المعلوم بالبرهان قد يجب أن يكون مصدقا به ومتيقنا من أجل أن لنا عليه مثل هذا القياس الذي يدعى برهانا » - يريد : ولما كان الشيء الذي يعلم بالبرهان بعد الجهل به إنما يقع لنا التصديق اليقيني به من قبل أنه قد كان وجد عندنا عليه قياس من نوع هذا القياس الذي يسمى برهانا . ولما وضع هذا المقدم ، أتى بالتالي اللازم عنه فقال : « فيجب من ذلك أن تكون معرفتنا بالشيء المعلوم بالبرهان وبمقدمات البراهين : إما جميعها ، وإما بعضها ، على وتيرة واحدة ، لكن معرفتنا بالمقدمات اكثر » - يريد : فيجب أن تكون معرفتنا [ ١٤ ب ] بالبرهان أكثر من معرفتنا بالذي عليه البرهان لكون معرفتنا بمقدمات البرهان اكثر من معرفتنا بالذي عليه البرهان ، وذلك إما جميع المقدمات وإما بعضها . وإنما قال : « إما كلها وأما بعضها » لأنه ليس يلزم من وضعنا أن تصديقنا بالبرهان أكثر من تصديقنا بالنتيجة - أن يكون تصديقنا بكلتا مقدمتي البرهان أكثر . فأما هل من شرط البرهان أن تكون كلتا مقدمتيه أعرف من النتيجة ، فأمر لم يتبين بعد من هذا القول . ولما أتى بالتالي اللازم عن المقدم ، شرع في تبيين جهة لزومه فقال : « وذلك أن الشيء الذي من أجله توجد الأشياء هو في باب الوجود أحق . وهذا القول مقدمة قد استعملها في هذا الموضع ، أعني أن كل ما هو سبب في وجود شيء ما إما بحالة ما ، وإما بإطلاق فإن الشيء الذي هو سبب الشيء هو أحرى بذلك الوجود . فإذا أضيف إلى هذا أن المقدمات هي السبب في أن وجد الصدق للنتيجة ، أنتج عن ذلك في الشكل الأول أن المقدمات الأول أحرى من النتيجة بوجود الصدق لها . والمثال الذي ذكره إنما أتى فيه من الأمور المشهورة المشترك وقوع التصديق بها للكل ليكون أوضح في التعليم . وذلك أنه من المشهور المعترف به عند الجميع أن من يحب شخصا من أجل شخص ما آخر أن حبه للشخص الذي من اجله حب ذلك الشخص الآخر- أكثر . مثال ذلك ، كما قال ، المعلم والصبي يعني الابن ، فإن الأب إنما يحب معلم الصبي الذي هو ابنه من أجل محبته للصبي . ولذلك كانت محبته للصبي أكثر . قال أرسطاطاليس : « فإذا كان علمنا بالنتيجة وتصديقنا وتيقننا لها إنما هو من أجل المقدمات ، فتصديقنا وعلمنا وتيقننا بالمقدمات يكون أكثر ، إذ كان تصديقنا بالنتيجة إنما يكون من أجلها ، فإنه غير ممكن أن يكون تصديق الإنسان بالشيء الذي لا يعرفه اكثر من الشيء الذي يعرفه ، ولا أن يكون في علمه أفضل من الشيء الذي يعلمه ، ولو اتفق له علمه . فإن هذا قد يلزمه أن لم يتقدم الإنسان فيعلمه بالأشياء التي تعلم وتصدق بالبرهان . فواجب من الاضطرار أن تعلم المبادئ كلها أو بعضها - أكثر من النتيجة . » التفسير لما وضع أن الأسباب التي هي علل الأشياء في باب الوجود هي أحرى بذلك الوجود من تلك الأشياء ، وهو الذي يتنزل من هذا القول منزلة المقدمة الكبرى - أتى بالمقدمة الصغرى وهي أن المقدمات هي علل للنتيجة في باب وجوب التصديق بها ، فقال : « فإذا كان علمنا بالنتيجة وتصديقنا وتيقننا لها إنما هو من أجل المقدمات ، فتصديقنا بالمقدمات يكون أكثر ، إذ كان تصديقنا بالنتيجة إنما يكون من اجلها » يريد : وإذا وضعنا أن الأسباب - التي هي علل في باب الوجود لشيء ما - أنها أحرى بذلك الوجود [ ١٥ أ] من ذلك الشيء ، وكان من المعروف عندنا أن علمنا بالنتيجة وتيقننا لها إنما السبب فيه تيقننا بالمقدمات ، فيجب عن هاتين المقدمتين أن يكون تصديقنا بالمقدمات أكثر . ثم إنه أكد هذه النتيجة بمعنى كأنه حجة قائمة بنفسها فقال : « فإنه غير ممكن أن يكون تصديق الإنسان بالشيء الذي لا يعرفه أكثر من الذي يعرفه ، ولا أن يكون في علمه أفضل من الشيء الذي يعلمه ولو اتفق له علمه » - يريد : وهذا المعنى قد يظهر ، أعني كون المقدمات أكثر تصديقا عندنا من النتيجة ، من قبل أنه من الظاهر بنفسه أنه غير ممكن أن يكون تصديق الإنسان بالشيء الذي لا يعرفه أكثر من الذي يعرفه أولا ، وإن اتفقت له بعد ذلك معرفته . ولا يكون علمه له أفضل من علمه الشيء الذي يعلمه أولا ، وذلك إذا اتفق له علمه أخيرا . وهذه كلها مقدمة أخرى وهي أنه ليس يمكن أن تكون معرفة المجهول لنا بالطبع في وقت من الأوقات أفضل من معرفة المعلوم لنا بالطبع ولا مساوية لها ، بل معرفة المعلوم بالطبع أكثر وأفضل . ولابد من معرفة المجهول بالطبع إذا اتفق أن علمناه . وإذا أضفنا لهذه المقدمة أن المقدمات معروفة بالطبع وأولا ،والنتائج مجهولة بالطبع ومعروفة بأخرة ، أنتج لنا من ذلك أن المقدمات أكثر تصديقا عندنا من النتائج . وهذه القياسات هي على طريق الاستظهار . والأمر إما أن يكون معلوما بنفسه ، أو قريبا من المعلوم بنفسه . وقوله : « فإن هذا يلزمه إن لم يتقدم الإنسان فيعلمه بالأشياء التي تعلم وتصدق بالبرهان » - يريد : فإن الجهل يلزم المجهول بالطبع إن لم يتقدم الإنسان فيعلمه بالأشياء التي تعلم بالبرهان ويصدق به من اجلها ، أي من قبل التصديق بالبرهان . ولذا لزمه الجهل حتى يعرف بغيره . فالذي لا يعرف بغيره أعرف . قال أرسطاطاليس : « فمن أراد أن يقتني علما بالبرهان فإنه ليس يكفيه أن يصدق بالمبادئ وتكون عنده أعرف من الأشياء التي يصدق بها من أجلها ويعرفها بها ،[72 a ]* لكن ألا يكون يصدق بشيء من مقابلاتها ، وهذه هي التي ينبنى منها قياس السفسطائيين . والسبب في ذلك هو أن من رام أن يعلم شيئا بالبرهان على الاطلاق ينبغى ألا يشوب صدقه تغير . » التفسير لما كان كون المقدمات أعرف من النتيجة فشيء يعم القياس الجدلي والبرهاني والخطبى ،أعني أن يكون تصديقه بها أكثر من تصديقه بالنتائج ، يريد أن يعرف التصديق الأعرف الذي يخص المقدمات اليقينية فقال : « فمن أراد أن يقتني علما بالبرهان » - إلى قوله : « من مقابلاتها » - يريد : فمن أراد أن [ ١٥ ب ] يكتسب العلم . اليقيني وأن يقتنيه ، فقد ينبغي له ألا يكتفي في المقدمات التي يقتني من قبلها العلم بالنتيجة بأن تكون أعرف في التصديق فقط ، بل ويشترط مع هذا أن يكون التصديق بها أعني الأعرف الموجود فيها يعتقد فيه المصدق به أنه لا يمكن أن يكون بخلاف ما هو عليه ولا في وقت من الأوقات ، وهو الذي أراد بقوله : « لكن ألا يكون يصدق بشيء من مقابلاتها » وهذا الشرط الذي اشترط في التصديق هو الذي ينفصل به التصديق اليقيني من غيره ، أعني أن يعتقد فيه المصدق أن مقابله غير ممكن أصلا . وأما إذا اعتقد الإمكان ، فإنه يكون إما جدليا وإما بلاغيا . وقوله : « وهذه هي التي ينبنى منها قياس السفسطائيين ، يعنى مقابلات الأمور الصادقة ، وهي الكاذبة . فإنه إذا صدق الإنسان بالصادق ، أعتقد فيه أنه لا يمكن مقابله الذي هو الكاذب . فقد حصل له التصديق اليقيني . وأما إذا صدق به وكان عنده مقابله الذي هو الكاذب ممكنا ، فبين أنه لم يصدق به التصديق اليقيني . فالتصديق إذن قد يكون بالكاذب ، وقد يكون بالصادق . فإذا كان بالكاذب ، كان سفسطائيا . وإذا كان بالصادق ، وكان مع ذلك لا يصدق بمقابله ، كان يقينيا . وأما إذا كان المقابل عنده ممكنا ، فإن كان الإمكان أقليا كان جدليا ، وأن كان على السواء مع مقابله ، كان بلاغيا . وهذا النوع من التصديق قد يعرض في الصادق من قبل المصدق بنفسه ، وقد يعرض في الشيء نفسه من أجل مخالطة الكذب له . فإن كان < كذبه اقليا ، كان صدقه أكثريا وكان > معدودا في الأقاويل الجدلية . وإن كان الكذب فيه مساويا للصادق ، كان التصديق به بلاغيا . لكن ليس يعرض هذا لطبيعة الكذب بما هو كذب ، لأنه لو كان الأمر كذلك ، لكانت كل مقدمة جدلية كاذبة بالجزء الأقل ، وكل خطبية كاذبة بالجزء المساوي . ولذلك من قسم ، من الأدباء ، المقدمات البرهانية والجدلية والخطبية من قبل أنحاء الصدق والكذب نهي قسمة عرضية . وذلك أنهم قالوا إن المقدمات اليقينية هي التي تكون بالصادق ، وسائر المقدمات فهي بالكاذب . فإن كان الكذب فيها اقليا ، كانت جدلية ، وإن كان على التساوي كانت خطبية . وإن كانت كاذبة بالكل ، أو في أكثر أجزائها ، كانت سفسطائية . وهذا القول هو صادق في المقدمات اليقينية . لكن ذلك شيء عرض لها . فإن التصديق اليقيني هي حالة في النفس تقع للمصدق في الصادق . وكذلك الظن في المقدمات السفسطائية يشبه أن تكون من قبل شيء عارض لها ، لا من قبل الكذب نفسه ، فإن الكاذب لا يقع به تصديق من حيث هو كاذب . وأما ما قالوا في المقدمات الجدلية والخطبية فقول كاذب . والصادق من هذا هو شيء بالعرض . وقوله : « والسبب في ذلك » [ ١٦ أ] إلى قوله : « لا يشوب صدقه تغير » يريد : والسبب في كون التصديق اليقيني يشترط فيه هذا الشرط ، أعني بذلك ألا يصدق بمقابلاتها في وقت من الأوقات ، ولا أن ينتقل عن اعتقاده في ذلك الشيء أنه من المعروف بنفسه أنه يجب أن يكون من خاصة المصدق بالتصديق اليقيني ألا ينتقل عن اعتقاده في وقت من الأوقات ، وهو الذي أراد بقوله : « ألا يشوب صدقه تغير » فأما أن هذا الحد معروف بنفسه وجوده لليقين فبين بنفسه ، إذ من خاصية التصديق اليقيني ألا يمكن فيه التغير ، لأنه إن أمكن فيه التغير ، والمصدق ذاكر سليم الذهن ، فبين أنه لم يكن عنده يقينا . وأما متى يكون التصديق في النفس بهذه الصفة فإنه الأوائل المعروفة بنفسها . وغرضه في هذا الكتاب إنما هو إحصاء العلامات والشروط التى إذا اعتبرت في المقدمات الأول فوجدت فيها ، علم أن التصديق بها هو من هذا النحو من التصديق ، مثل أن تكون ذاتية ، وبغير ذلك من الشروط التي يذكرها في هذا الكتاب . ولذلك ما ينبغي ألا يعدد منها في هذا الكتاب ألا ما كان أعرف عدنا في المقدمات من كونها بهذا الحال الذي وصفنا . وينبغي أن يكون هذا أصلا معدا لما نريد أن نقوله بعد في شرح كلامه .

٣ - < آراء القدماء في العلم والبرهان >

Shafi 200

قال أرسطاطاليس : البرهان يجب أن يكون عليها برهان . وقوم أخر أثبتوا طبيعة البرهان ، سوى انهم توهموا أن البرهان يكون على كل الأشياء . ولا واحد من هذين الرأيين صادق ، ولا هو أيضا من الأضداد . فأما الأولون فإنهم لما اعتقدوا أنه لا طريق إلى أن يعلم الشيء إلا بالبرهان حسب ، وأن قطع مالا نهاية له غير ممكن ، حكموا بأن البرهان غير موجود . وقالوا إن السبب في ذلك أنه غير ممكن أن تعلم أشياء متأخرة بأشياء متقدمة غير مبرهنة ولا معلومة . وحكمهم هذا صحيح صواب ، وذلك أن سلوك مالا نهاية له غير ممكن . » التفسير وقد اعتقد قوم أنه ليس يوجد برهان أصلا . واعتقادهم ذلك من قبل أنهم ظنوا أن كل مقدمة توجد في البرهان يجب أن تبرهن ، فيمر ذلك إلى غير نهاية ، وذلك مستحيل . وقوم أخر غير هؤلاء قالوا إن البرهان شيء موجود [ ١٦ ب ] ، وأن كل مقدمة يجب أن تبرهن . فهؤلاء سلموا لأولئك أن كل مقدمة يجب أن تبرهن ولم يروا أنه يلزم عن ذلك محال . وقوله : « ولا واحد من هذين الرأيين صادق ، ولا هو من الأضداد » يريد : ولا واحد من الرأيين صادق ، من قيل أنه ليس من الأضداد التي إذا صدق أحدهما كذب الآخر . وذلك أن قوله : البرهان على كل شيء - كذب ، وقوله أنه : لا برهان أصلا - كذب . وإنما كان ذلك كذلك لأن المضادين يكذبان في المادة الممكنة ،على ما تبين في « پاري ارمنياس » والصادق هو أن : بعض الأشياء عليها برهان ، وبعضها ليمس عليها برهان . وقوله : فأما الأولون فإنهم لما اعتقدوا « - إلى قوله : غير موجود » - يريد : فأما الفريق الذين نفوا البرهان فالسبب في اعتقادهم ذلك أنهم لما اعتقدوا أنه لا يمكن أن يعلم شيء إلا بالبرهان ، واعتقدوا أن مالا نهاية له لا يمكن قطعه ، حكموا بأن البرهان شيء غير موجود . وإنما كان ذلك كذلك لأنه إن وضعنا أن شيئا يتبين بمقدمتين ، والمقدمتان بمقدمتين ، ومر الأمر على استقامة إلى غير نهاية - لم يوجد قياس تام على ذلك الشيء الذي ريم انتاجه . وإذا لم يوجد قياس تام عليه ، فلا سبيل إلى البرهان عليه أبدا . وهذا هو الذي أراد بقوله : « وحكمهم هذا صحيح صواب ، وذلك أن سلوك مالا نهاية غير ممكن » . وقوله : « وقالوا : والسبب في ذلك هو أنه غير ممكن أن تعلم أشياء متأخرة بأشياء متقدمة غير مبرهنة ولا معلومة » - يريد : واحتجوا بأن قالوا إن السبب في امتناع ألا يوجد برهان أصلا أن البرهان هو أن يعلم فيه شيء متأخر ،وهو النتيجة ، بأشياء متقدمة عليه ، وهو المقدمات . وإذا كان غير ممكن أن تعلم أشياء متأخرة بأشياء متقدمة ، أي بمقدمات غير مبرهنة ، فلا سبيل إلى أن يعلم الشيء بالبرهان . وقوله : « وحكمهم هذا صحيح » - يعني : في المقدمة الواحدة . وذلك أنهم وضعوا مقدمتين : إحداهما صادقة ، وهي أنه لا يمكن مرور مالا نهاية له ولا سلوكه ، والثانية كاذبة وهي أن كل شيء يعلم فإنما يعلم بالبرهان . قال أرسطاطاليس : مبادئ البرهان غير معلومة . وإذا كانت مبادئ البرهان غير معلومة ، فلا سبيل إلى أن يعلم الشيء . وإذا كان هذا هكذا ، فليس يمكن أن يعلم شيء بالبرهان ، اللهم إلا < أن > تكون بنحو الأصل الموضوع وهو أن كانت المقدمة معلومة . » التفسير هذا كأنه حجة أخرى حكاها عن المبطلين لطبيعة البرهان . وذلك أنهم لما وضعوا أنه لا يعلم شيء ألا بالبرهان ، ووضعوا أن مبادئ البرهان لا تعلم [ ١٧ أ] بالبرهان - وهو حق - لزم عن هاتين المقدمتين أن مبادئ البرهان غير معلومة . ولما وضعوا أيضا أن ما يعلم بالبرهان ليس يعلم إلا من قبل العلم بمبادئه ، أنتج لهم أنه لا سبيل إلى أن يعلم شيء بالبرهان اللهم إلا أن توضع مبادئ البرهان على جهة ما توضع الأصول التي لا يعرف بصدقها بل تسلم تسليما . وهو الذي أراد بقوله : « إلا أن يكون بنحو الأصل الموضوع » ، أي إلا أن يكون البرهان بالتواطؤ والوضع ، لا بالطبع . وقوله : « وهو إن كانت المقدمة معلومة » - يريد : وأمثال هذه البراهين إنما تكون داخلة في جنس البراهين إن كانت المقدمة التي توضع معلومة إما في صناعة أخرى ، وإما عند الذي يصادر عليها ، فتحتاج هذه أيضا إلى برهان ، ويمر الأمر إلى غير نهاية كما عرض ذلك في البراهين التي ليس فيها مقدمة موضوعة وضعا وتسلم من غير أن يقع بها التصديق . قال أرسطاطاليس : إنما هو بالبرهان فقط ، سوى أنهم يدعون أنه لا مانع من كون البرهان على كل شيء . وذلك أنهم يزعمون أن البرهان قد يكون دورا ، ولبعض الأشياء ببعض . » التفسير يقول : وأما الفرقة الثانية فإنهم يقرون بوجود البرهان ، مع أنهم يسلمون أن كل شيء إنما يعلم بالبرهان ، وأنه لا يمكن أن يمر العلم بالمقدمات على استقامة إلى غير نهاية ، لكن يرون أن المقدمات تتبرهن بالنتائج على جهة الدور . قال أرسطاطاليس : « وأما نحن فإنا نقول : ليس كل ما يعلم إنما يعلم بالبرهان ، لكن هاهنا أشياء تعلم بغير وسط ولا برهان . ووجود ذلك واضح بين ، من قبل أنه إن كان قد يجب أن نعرف أن مقدمات البراهين والأوساط ، فيجب بأن نكون عارفين بالأشياء التي لا وسط لها من غير برهان . فهذا القول يقال في هذه وعلى هذا النحو . وأيضا فإنه ليس إنما يكون العلم بالبرهان حسب ، بل قد يوجد هاهنا مبدأ للعلم وهو الذي من شأنه تصيير الحدود . » التفسير يقول : وأما نحن فلسنا نعتقد أن كل ما يعلم إنما يعلم بالبرهان . وهذا الاعتقاد هو الذي من قبله ضل الفريقان . بل يعتقد أن هاهنا أشياء تعلم بنفسها من غير وسط ، أي من غير برهان . ووجودها بين ، من قبل أنه إذا وضعنا أن العلم بالبرهان يقتنى من قبل أب العلم بالمقدمات على ما يظهر بنفسه ، ووضعنا أنه يجب أن تقف معرفتنا بالمقدمات ، أي لا يمر الأمر إلى غير نهاية في حاجة المقدمات في العلم بها إلى مقدمات أخر فواجب [١٧ ب ] < احتياج > العلم الى مقدمات معروفة بنفسها من غير وسط بإطلاق ، ولا وسط برهاني . وهذا هو الذي أراد بقول : « ووجود ذلك واضح بين ، من قبل أنه إن كان قد يجب أن نعرف أن مقدمات البراهين والأوساط تقف » - يريد : والتصديق بأن هاهنا أمورا معروفة بنفسها واضح بين من قبل أنه من المعروف بنفسه أنه يجب أن يكون علمنا ومعرفتنا بمقدمات البرهان والأوساط يقف ، ولا يحتاج العلم بالمقدمات إلى العلم بمقدمات أخر حتى يمر ذلك إلى غير نهاية . وإنما قال ذلك على جهة الاستظهار على الخصوم . فإنه من المعروف بنفسه أن هاهنا أوائل معروفة بأنفسها . وهذا أحد ما يضعه صاحب هذا العلم وضعا ، من غير أن يتكلف بيانه . وقوله : « وأيضا فإنه ليس إنما يكون العلم بالبرهان حسب ، بل قد يوجد ها هنا مبدأ للعلم وهو الذي من شأنه تصيير الحدود » - يريد : فإنه ليس يحصل العلم لنا بالمبدأ الذي هو البرهان فقط ، بل قد يحصل لنا العلم من قبل مبدأ آخر ، وهو العقل ، الذي به يعرف المقدمات الأول . فيعنى ب « الحدود » هاهنا : الحد الأوسط في القياس الذي مقدماته معروفة بنفسها . قال أرسطاطاليس : « وأما أنه غير ممكن أن يتبين أمر من الأمور بالدور على الإطلاق ، فيتبين مما أذكره : أما أولا فلأن البرهان إنما يكون من الأشياء التي هي أقدم وأعرف عند الطبيعة . وغير ممكن أن تكون أشياء عند أشياء بأعيانها أكثر في باب التقدم والتأخر معا . » التفسير لما كان الفريق الثاني يضعون أن البرهان يكون على كل شيء ، وانه يكون دورا ، شرع في بيان فساد كون البرهان يجرى دورا فقال إن ذلك بين بطلانه : أما أولا ومن حيث هو برهان ، لا من حيث هو قياس ، فمن قبل أن البرهان على ما تقدم إنما يكون من مقدمات هي أقدم في الوجود وأعرف عندنا وعند الطبيعة من النتائج . فإن كان يعود البرهان دورا ، فستكون النتائج أعرف من المقدمات وأقدم عند الطبيعة . وقد كنا وضعنا أن المقدمات أعرف منها عندنا وأقدم في الطبيعة ، فيكون شيء واحد متقدما على شيء واحد بالطبع ومتأخرا عنه معا ، من جهة واحدة . وكذلك يكون أعرف منه وغير أعرف . وذلك كله مستحيل . وهو الذي أراد بقوله : « وغير ممكن أن تكون أشياء بأعيانها عند أشياء بعينها أكثر في باب التقدم والتأخر ، أي في كل واحد منها بالإضافة إلى صاحبه ، ويتأخر معا بنحو واحد من أنحاء التقدم . قال أرسطاطاليس : « اللهم إلا أن يكون ذلك على [١٨ أ] وجهين اثنين : أحد الوجهين هو أن يكون بعضها متقدما عندنا ، ومتأخرا عند الطبيعة . والآخر أن يكون بعضها متأخرا عندنا ومتقدما عند الطبيعة . سوى أن الوجه الأول هو البيان الذي من قبل الاستقراء . فإن كان البرهان قد يكون على هذين الوجهين ، لا يكون تحديد البرهان يجرى على الصواب ، لكن يكون مضاعفا ، من قبل أن أحدهما يكون بالأشياء التي هي أقدم وأعرت عندنا ، والأخر بالأشياء التي هي أقدم وأعرت عند الطبيعة وبالعلة . » التفسير لما بين أنه مستحيل أن يكون البرهان يجرى دورا ، من قبل أنه يلزم عن ذلك أن تكون أشياء بأعيانها عند أشياء بأعيانها متقدمة متأخرة معا من جهة واحدة ، وكان قد يمكن الدور في البراهين بأن يكون أحد البرهانين يعطى السبب فقط إذا كان الوجود معروفا وأن يكون الآخر يعطى الوجود بأمر متأخر- مثال ذلك أن يبين مبين أن القمر كري الشكل من قبل أن ضوءه ينمى قليلا قليلا . ثم يعطى سبب هذا النمو من قبل كريته - استثنى من ذلك القول الكلي هذا المعنى فقال : « اللهم إلا أن يكون ذلك على وجهين اثنين » - يريد : اللهم إلا أن يكون البيان في البرهان من وجهين مختلفين ، أعني أن يبين أحدهما من الشيء الواحد غير ما يبين الثاني ، فتكون المقدمات تؤخذ في بيان النتيجة من وجه ، وتكون النتيجة تؤخذ في بيان المقدمات من وجه ،أي يعطى أحدهما في صاحبه نوعا من العلم غير الذي يعطيه الآخر . ولما استثنى هذا المعنى ، أخذ يبين ذينك الوجهين : أن يكون بعضها متقدما عندنا متأخرا عند الطبيعة ، والآخر أن يكون بعضها متأخرا عدنا ومتقدما عند الطبيعة . يريد : ومثال ذلك أن يكون أحد البرهانين من الأمور المتقدمة عدنا والمتأخرة عند الطبيعة على الأمور المتقدمة عند الطبيعة فيكون هذا النوع برهان وجود . والآخر أن يكون من تلك الأمور المتقدمة عند الطبيعة على تلك الأمور المتأخرة ، أي يعطى أسبابها من قبل الأمور المتقدمة إذا صار وجود المتقدمة معروفا من وجود المتأخرة التي كانت أعرف عندنا . وأخذ في مثال معرفة الأمور المتقدمة عند الطبيعة من الأمور المتأخرة : الاستقراء . وذلك أن الاستقراء إنما يصير فيه من الجزئي المركب إلى الكلي البسيط . والجزئي متقدم عندنا في المعرفة ، ومتأخر في الطبيعة . والكلي بعكس ذلك . وهو الذي أراد بقوله : « سوى أن الوجه الأول هو البيان الذي من قبل الاستقراء » - يريد : سوى أن الوجه الأول هو البيان الذي يكون بالاستقراء فإنه يعطى وجود الشيء من قيل علته . ومن هذا النوع هي براهين الدلائل ، أعني من الأمور المتقدمة عندنا إلى الأمور المتقدمة عند الطبيعة . ولما ذكر إمكان هذين الوجهين [ ١٨ ب ] وكان كلامه إنما هو في البرهان المطلق ، أعني الذي يعطى معرفة وجود الشيء وسببه معا ، وهي البراهين التي عرض بها أن يكون الأعرف فيها عندنا هو الأعرف عند الطبيعة . قال : « فإن كان البرهان قد يكون على هذين الوجهين ، لا يكون تحديدنا للبرهان جرى على الصواب » - يريد : لكن إن سلمنا أن الدور يوجد في البراهين على هذه الجهة لا يكون ما أخذنا في تحديد البرهان صوابا وهو أنه : قياس مؤتلف من مقدمات أوائل عند الطبيعة . لكن يكون البرهان التام مضاعفا ، أعني نوعين : نوع منه من قبل المقدمة عند الطبيعة . ونوع منه من قبل المتأخرة ، ويكون برهان السبب لا يعطى مع السبب الوجود ، وذلك خلاف ما قيل في حد البرهان . فإذن لا يمكن الدور أصلا في البرهان المطلق من حيث هو برهان مطلق وهو الذي يعطى الوجود والسبب معا . وهذا هو الذي أراد بقوله : لكن يكون مضاعفا - أي تكون طبيعة البراهين المطلقة مضاعفة ، أي اثنين ، من قبل أن أحد نوعي البرهان يكون مؤتلفا من الأشياء التي هي أعرف عندنا ، وهي المتأخرة عند الطبيعة ، وذلك خلاف لما وضع في حد البرهان . فعلى مذهب هؤلاء يبطل البرهان المطلق ، إذ كانت مبادئ البرهان تحتاج عندهم إلى برهان من نوع واحد ، وليس يمكن أن يقوم على كل شيء برهان مطلق على الدور . قال أرسطاطاليس : « ويلزم القائلين ببرهان الدور مع الشناعة السابقة شناعة أخرى ، وهي بيان الشيء بنفسه . وبهذا الطريق يسهل بيان سائر الأشياء ، ويظهر لزوم ذلك إذا وضعت ثلاثة حدود . وذلك أنه لا فرق بين أن يقال التحليل بالعكس قد يكون بأشياء كثيرة ، وبين أن يقال أنه يكون بأشياء يسيرة . ولا فرق أن يقال أنه بأشياء يسيرة ، وبين أن يقال إنه بشيئين . وذلك أنه متى كانت أموجودة ، كانت ب من الاضطرار موجودة . ومتى كانت هذه موجودة ف ح موجودة . فإنه متى كانت أموجودة ، قد تكون ح موجودة . فإن كان متى كانت أموجودة تكون ب من الاضطرار موجودة ، وإذا كانت هذه موجودة ف أموجودة ، فإن هذا هو برهان الدور . » التفسير لما بين أن برهان الدور ليس يمكن في البرهان المطلق من جهة ما هو برهان مطلق ، وأن الدور إنما يمكن أن يقع بين برهان السبب وبرهان الوجود فقط ، وأن البرهان المطلق ليس يمكن أن يقع فيه دور ، لا مع نفسه ولا مع غمره من أصناف البراهين ، أخذ يبين أن الدور أيضا ليس بقياس صحيح فضلا عن أن يكون برهانا وهذا شيء قد بينه في كتاب « القياس » ، ولكن أعاده هاهنا . فقوله : « وبهذا الطريق [ ١٩ أ] يسهل بيان سائر الأشياء » ، يعنى أنه لو كان الدور صحيحا ، لما عسر على أحد بيان شيء من الأشياء لأنه كانت تكون الأمور كلها معلومة بنفسها . ولو كان ذلك كذلك لكان البيان فضلا . وقوله : « وقد يظهر لزوم ذلك إذا وضعت ثلاثة حدود » - يريد : وقد يظهر لزوم هذا المعنى ، أعني كون بيان الدور باطلا إذا فرضنا ثلاثة حدود ، وهو أقل ما يأتلف منه القياس ، وهو القياس البسيط . ولما أخبر أن الفساد الذي في بيان الدور يكفى في بيان بطلانه أن يبين في قياس بسيط فقال : « وذلك أنه لا فرق بين أن يقال إن التحليل بالعكس قد يكون بأشياء كثيرة ، وبين أن يقال إنه قد يكون بأشياء يسيرة . وإنما كان هذا المعنى يظهر في القياس البسيط كما يظهر في القياس المركب ، لأنه لا فرق في هذا البحث بين أن نضع القياس الذي يكون على طريق التحليل إنما يكون بمقدمات كثيرة ، أي أكثر من ثلاث ، إن قال بذلك قائل ، أو إنما يكون بمقدمات إما اثنتين ، أو أكثر من اثنتين . وهذا هو الذي أراد بقوله : « ولا فرق بين أن يقال إنه يكون بأشياء يسيره ، وبين أن يقال إنه بشيئين » . وإنما قال هذا وإن كان من رأيه أن القياس البسيط إنما يكون من مقدمتين فقط ، لأن هذا غير محتاج إليه في هذا الموضع ، أعني أن ليس وضعه ضروريا في فساد بيان الدور . لذلك ينبغي أن يفهم أنه أراد أن هذا المعنى يظهر ولو وضع واضع أن القياس البسيط إنما يكون بمقدمة واحدة فقط . فكلما قلت المقدمات ، كان الفساد الذي في < بيان > الدور أوضح ولما قال إنه يكفي في بيان ما نريد بيانه بأن نتمثل في ذلك بثلاثة حدود : أصغر ، وأوسط ، وأعظم - قال : « وذلك أنه متى كانت « أ» موجودة ، كانت « ب » من الاضطرار موجودة . ومتى كانت هذه موجودة ف « ج » موجودة . فإنه متى كانت « أ» موجودة ،قد تكون « ح » موجودة . وإنما كان هذا يساوي ثلاثة حدود ، لأنه متى أخذ آخذ بدل الحد الأصغر « أ» وبدل الحد الأوسط « ب » ، وبدل الطرف الأكبر « ج » ، وأنزل أنه متى كانت « أ» موجودة ، كانت « ب » موجودة ، أو أن كل « أ» هو « ب » ، فإنه فرق بين قولنا أنه إن كانت « أ» موجودة ، فإن « ب » موجودة ، أو بين أن نقول إن كل « أ» هو « ب » . فقوله : « متى كانت « أ» موجودة كانت « ب » موجودة لم يرد به مقدمة شرطية ، لأنه كان يكون القول مركبا من قياسين شرطيين ، وإنما أراد به مقدمة شرطية ، لأنه كان يكون القول مركبا من قياسين شرطيين . وإنما أراد به مقدمة حملية تأتلف من حدين ، وهو أن كل « أ» هو « ب » . وكذلك قوله : « متى كانت هذه موجودة ف « ج » موجودة » - يريد أن كل ب هو ج ، أي متى كان قولنا [ ١٩ ب ] « كل أهو ب » و« كل ب هو ج » - فإنه يجب عن ذلك أن يكون كل أهو ج . وهذا هو الذي دل عليه بقوله إنه متى كانت أموجودة ، قد تكون ج موجودة . فلما وضع أنه يلزم عن وجود أوجود ب ، وعن وجود ب وجود ج - أن يكون كل أهو ج - قال : فإن كان متى كانت أموجودة تكون ب من الاضطرار موجودة ، وإذا كانت هذه موجودة ف أموجودة ، فإن هذا هو برهان الدور » . وهذا القول يحتمل أن يكون أخذ « أ» فيه بدل مقدمتى القياس ، وأخذ « ب » بدل النتيجة . فكأنه قال : وبرهان الدور هو أن نضع متى كانت المقدمات موجودة ، أن النتيجة موجودة ، وأن النتيجة متى كانت موجودة ، كانت المقدمات موجودة . وإنما كان هذا حقا ، لأنه قد تبين في كتاب « القياس » أنه يمكن ببرهان الدور بيان كل واحدة من المقدمتين بالنتيجة وعكس المقدمة الثانية ، وأنه ليس يمكن هذا فقط ، بل وبيان المعكوس . ويحتمل أن يكون أخذ « أ» بدل الحد الأصغر ، و« ب » بدل الأوسط ، وج بدل الكبير ، وأخرج المقدمات مخرج الشرط ليبين من ذلك بطلان قياس الدور نفسه ، فكأنه قال : وبيان الدور هو أن يبين أنه إن كانت « أ» موجودة أن « ب » موجودة ، وأن « ب » إن كانت موجودة أن « ج » موجودة . ثم يقول : إن كانت « ج » موجودة ف « ب » موجودة . وإن كانت « ب » موجودة ف « أ» موجودة . فيكون قد بين وجود « ج » بوجود « أ» ، ووجود « أ» بوجود « ح » . وبالجملة ، فإن ما يعرض من الدور في القياس الحملى هو بعينه يعرض في الشرطي بنفسه ، وفي الحملى هو مما يحتاج إلى بيان . وأرسطو إذا تكلم في شيء فبوده ألا يتكلف في بيان ذلك الشيء ما يبين في غير ذلك الموضع . فلذلك كان هذا التأويل الثاني عندي ممكنا ، وكلا التأويلين صحيح وتقتضيه ألفاظه . وكثيرا ما يعتمد أرسطو في أقواله هذا النحو من المخاطبة ليكون من فهم منهما أيما فهم فقد حصل الكفاية . وخير النظر من أمكنه أن يفهم منهما الأمرين جميعا . ولما أخبر على أي صفة يقع بيان الدور ، أخذ يخبر بالمحال الذي يلزم هذا البيان . قال أرسطاطاليس : « [73 a]* فلتوضع أالتي عليها ج . فالقول بأنه إذا كانت ب موجودة تكون أموجودة هو القول بعينه بأن ح موجودة . وهذا هو أن يقال : متى كانت أموجودة ف ج موجودة ، وج وأهما شيء واحد بعينه . فقد يلزم القائلين إذن بأن البرهان يكون دورا ألا يقولوا أشياء أخر [٢٠ أ] غير أنه متى كانت أموجودة ، ف أتكون موجودة . وعلى هذا القياس قد يسهل أن يبين كل شيء . » التفسير يقول : وإذا كان تأليف برهان الدور هو أنه متى كانت أموجودة ف ب موجودة ، ومتى كانت ب موجودة ف أموجودة - فقد يأتلف من هاتين المقدمتين إذا رتبت ترتيب الثلاثة حدود المتقدمة ، أعني قولنا : إن كانت أموجودة ، ف ب موجودة ، وإن كانت ب موجودة ، ف أموجودة ، وأخذنا بدل أج أن يكون إذا وضعت أموجودة فهي موجودة . فإنه يأتلف القياس هكذا : إن كانت أموجودة ف ب موجودة . وإن كانت ب موجودة ف ج موجودة . فيلزم من ذلك أن أإن كانت موجودة ف أموجودة . قال أرسطاطاليس : « وأيضا فإن هذا لا يمكن أن يتم إلا في الأشياء التي يلزم بعضها بعضا ، بمنزلة الخواص والحدود . رقد تبين أنه متى وضع شيء واحد ، لا يلزم ضرورة أن آخر موجود ولا في وقت من الأوقات . وأعني بقولي أنه لا عندما يوضع حد واحد ، ولا أيضا عندما يوضع وضع واحد فيلزم على طريق القياس شيء آخر لكن أقل ما يكون من وضعين أولين متى أردنا أن نقيس . فإن كانت ألازمة ل ب ، ج ، وكان هذان لازمين بعضهما بعضا ولازمين للألف ، فعلى هذا النحو قد يمكن تبيين البعض من بعض مع جميع الأشياء التي صودر عليها في الشكل الأول ، على ما تبين في الأوائل في القياس . وقد تبين أيضا في الشكلين الآخرين إما ألا يكون قياس ، وإما لا يكون على الأشياء المأخوذة . » التفسير لما كان أولئك يرون أن برهان الدور يكون على كل شيء - يريد أن يبين أيضا أن هذا ليس بصادق لو سلمنا لهم أن بيان الدور ينتفع به فقال : وأيضا فإن هذا لا يمكن أن يتم إلا في الأشياء التي يلزم بعضها بعضا ، بمنزلة الخواص والحدود » يريد : لو سلمنا لهم أن برهان الدور مما ينتفع به ، لم يصح قولهم إنه يتفق في كل شيء أن يبرهن عليه دورا . وذلك أن برهان الدور لا يمكن أن يتأن إلا في المقدمات المنعكسة ، وهي المقدمات التي تكون محمولاتها خواص أو حدودا . ثم أتى بالسبب الذي من قبله احتاج البيان بالدور إلى عكس إحدى مقدمات القياس ، وهو كون القياس لا يكون من مقدمة واحدة ، بل من مقدمتين ، أقل ذلك ، فقال : « وقد تبين أنه متى وضع شيء واحد لا يلزم ضرورة أن آخر موجود ولا في وقت من الأوقات » - يعنى أنه ليس يلزم عن مقدمة واحدة معلومة بالطبع معرفة نتيجة [٢٠ ب ] مجهولة بالطبع ، لا دائما ولا في وقت من الأوقات . وقوله : « وأعني بقولي إنه لا عندما يوضع حد واحد ، ولا عندما يوضع وضع واحد » - يريد : أنه لا تلزم نتيجة مجهولة عن وضع شيء واحد بالطبع ، سواء كان ذلك الواحد حدا أي جزء مقدمة ، أو كان مقدمة . وإنما اشترط فيه أن يكون لازما على طريق القياس ، لأنه قد تلزم مقدمة لمقدمة واحدة . لكن ليس يتفق أن تكون إحداهما معلومة ، والأخرى مجهولة ، حتى يكون لزوم المجهول فيها عن المعلوم على جهة ما يلزم الشيء على طريق القياس . وقوله : « لكن أقل ما يكون من وضعين أولين » - يعنى مقدمتين اثنتين . وهذا شيء قد بينه في كتاب « القياس » . وقد لخصنا نحن ذلك في ذلك الكتاب . ولما وضع أن كل قياس إنما يكون من مقدمتين ، وجب أن يكون مستعمل الدور في القياس ليس له وجه في تصحيح مقدمتي القياس بالنتيجة ، إلا أن يأخذ النتيجة نفسها ، وعكس المقدمة الواحدة في تبيين الثانية . ثم يأخذ النتيجة أيضا وعكس الثانية في تبيين المقدمة الأولى . وكان ذلك لا يصح إلا في المقدمات المنعكسة. قال : « حتى إذا أردنا أن نقيس فإن كانت ألازمة ل ب وج ، وكان هذان لازمين بعضهما بعضا ولازمين للألف ، فعلى هذا النحو قد يمكن تبيين البعض من البعض » - يريد أن قياس الدور إنما يمكن إذا كان الحد الأكبر ، الذي هو أمثلا ، لازما عن الأوسط الذي هو ب ، والأوسط لازما عن الأصغر الذي هو ج ، وكانت هذه الحدود الثلاثة منعكسة أيضا ، أي يلزم عن أ: ب ، وعن ب : أ. وقوله : « مع جميع الأشياء التي صودر عليها في الشكل الأول » - يعني : ذلك أن المستعمل للدور يحتاج ، مع تبيين المقدمتين ، إلى تبيين عكسهما ، وهو الذي أراد بقوله : « مع جميع التي صودر عليها في الشكل » يعني المعكوسات ، وإنما قال : « في الشكل الأول » لأنه لا يمكن بيان الدور في مقدمتى القياس جميعا وعلى كل ما يصادر عليه في بيان مقدمتي القياس ، إلا إذا كان القياس في الشكل الأول . وذلك أيضا إذا كان موجبا . لذلك قال : « وقد تبين أيضا في الشكلين الآخرين إما ألا يكون قياس ، وإما ألا يكون على جميع الأشياء المأخوذة » - يريد : وقد تبين من أمر الشكلين الآخرين ، أعني الثاني والثالث ، أنه إما ألا يتأتى فيه قياس دائر ، وإما أنه لا يمكن أن تبين به كلتا المقدمتين المأخوذة فيه ، لأن النتيجة في الشكل الثاني لما كانت سالبة لم تنتج شيئا إذا قرنت إليها المقدمة السالبة . وإذا كانت الصغرى في الشكل الثاني هي السالبة وقرن إليها المقدمة الموجبة ، كان [ ٢١أ ] التأليف منتجا ، لكن لغير المطلوب لأن الصغرى تصير < سالبة في > الشكل أول وقد تبين < أن هذا > منتح لكن لغير المطلوب ، وهو الذي أراد بقوله : « وإما ألا يكون على الأشياء المأخوذة » - يريد : وإما ألا يكون قياس على الشيء المفروض أي المطلوب . قال أرسطاطاليس : « وأما الأشياء التي لا تنعكس في الحمل فلا سبيل إلى أن تبين دورا . وذلك لما كانت أمثال هذه البراهين يسيره ، ويبين ويظهر أن القول بأن البرهان يكون من البعض على البعض ، وإن من قال - من قبل هذا - قد يمكن برهان على كل شيء - فهو قول باطل غير ممكن . » التفسير يقول : ولما كانت الأشياء التي لا تنعكس في الحمل لا سبيل إلى أن تبين دورا ، فإن سلمنا أن البراهين تكون دورا فليس تقوم البراهين على هذا إلا في أشياء يسيرة . ويبين ويظهر من هذا إن سلمنا أن الدور برهان أنه يكون من البعض على بعض ، وذلك في بعض الأشياء ، لا في كلها . وإن قال إنه قد يمكن برهان دائر على كل شيء فهو باطل وغير ممكن .

فصل ٤ - < تعريف قولنا « على الكل » و« بالذات » وكلي » >

Shafi 215

قال أرسطاطاليس : « ومن البين أن المطالب التي تعلم علما محققا غير ممكن أن تكون بخلاف ما هي عليه ، فمن الاضطرار أن تكون هذه إنما تعلم بالبرهان ، من أجل أن البرهان الذي يوقف به على الشيء على التحقيق هو ضروري ، لأنه بالعلة غير مستحيل ولا متغير . وإذا كان بهذه الصفة ، فمقدماته ضرورية غير مستحيلة ولا متغيرة . فيجب إذن أن ينظر في الخواص والشروط التي بها تكون مقدمات البرهان ضرورية . ثم يتبع ذلك النظر في المطالب البرهانية . » التفسير لما كان قد تبين من حد البرهان أن مقدماته فينبغي أن تكون علة للنتيجة وصادقة وأعرف عند الطبيعة من النتيجة ، وغير ذوات أوساط ، وضرورية - عاد ها هنا إلى استيفاء القول في خواص المقدمات اليقينية . وجعل ابتداء الفحص عن ذلك بأن بين أنه يجب أن تكون ضرورية ، إذ كان هو أملك الصفات بها ، وهي الصفة التي تتنزل من سائر صفات المقدمات منزلة الاسطقس فقال : « ومن البين أن المطالب التي تعلم علما محققا غير ممكن أن تكون بخلاف ما هي عليه » - يريد : ولما كان من الظاهر بنفسه أن المطالب التي تعلم علما تاما غير ممكن أن تكون في وقت من الأوقات بخلاف ما هي عليه ، بل تكون ضرورية . وذلك أنه إن لم تكن ضرورية لم يكن يقترن إلى العلم بوجودها أنها غير ممكن أن تكون بخلاف ما هي عليه [٢١ ب ] وهي الشريطة التي ينفصل بها اليقين من غير اليقين . ولما وضع أن المطالب يجب أن تكون ضرورية ، قال : « ومن الاضطرار أن تكون هذه إنما تعلم بالبرهان » - يريد : ومن المعروف أيضا بنفسه أن هذا العلم إنما يحصل في المطالب ، أعني العلم الضروري ، وهو أن يعتقد فيها أنها لا يمكن أن تكون بخلاف ما هي ولا في وقت من الأوقات من قبل البرهان . فيجب أن يكون البرهان بهذه الصفة ، أعني ضروريا . وإنما يكون كذلك من قبل أن مقدماته تكون ولا بد ضرورية . ثم أن بالسبب الذي من قبله كان العلم بالمطالب من قبل البرهان ضروريا ، فقال : « من اجل أن البرهان الذي يوقف به على الشيء على التحقيق هو ضروري ، لأنه بالعلة غير مستحيل ولا متغير » - يريد : وإنما كان العلم بالمطلوب ضروريا من قبل البرهان ، لأن البرهان يكون على الشيء بعلته . وعلة الشيء ضرورية له ، أي أن الشيء لا يمكن أن يوجد ، ولا في وقت ما ، دون علته . فلما كان البرهان بالعلة ، صار العلم المستفاد من قبله غير مستحيل ولا متغير . ولما قرر أن مقدمات البرهان واجب أن تكون ضرورية ، أخذ يطلب الخواص والشروط التي بها تكون ضرورية ويوقف منها على أنها ضرورية ، لان من هذه الخواص والصفات يمكن أن يعرف الضروري من غير الضروري ، إذ كانت أعرف عدنا من الضروري ، وكانت خاصة به ، فقال : « فيجب أن ننظر في الخواص والشروط التي بها تكون مقدمات البرهان ضرورية . ثم يتبع ذلك النظر في المطالب البرهانية . قال أرسطاطاليس : « وأولا ينبغي أن نشرع في أن نبين ما معنى قولنا : « على الكل » و« بالذات » وما معنى قولنا : « كلي » . فأما معنى قولنا : « على الكل » فهو متى لم يكن المحمول موجودا لبعض الموضوع ، ولبعضه ليس بموجود ، ومتى لم يكن أيضا المحمول موجودا لبعض الموضوع في وقت ما ، وفي وقت آخر لا بمنزلة ما نحكم ب « الحيوان » على كل إنسان . فأي شخص حكمنا عليه بأنه إنسان فكان حكمنا صادقا ، فإن حكمنا عليه بأنه حيوان : صادق ، فإن كان أحدها الآن صادقا ، فالأخر صادق . وكذلك النقطة في كل خط . والسبب الذي من أجله يحتاج أن يجتمع في المقول على الكل هذان الشرطان هو أن للمعاند أن يعاند الحكم بأنه على الكل ، بأن يرى واحدا من الموضوعات ذلك [ ٢٢ أ] المحمول غير موجود له ، أو يرى أن ذلك المحمول غير موجود لواحد من الموضوعات في وقت ما . » التفسير لما كان غرضه أن يبين الخواص التي تخص المقدمات الضرورية ، وكانت ثلاثة : أحدها : أن يكون الحمل فيها على الكل . والثاني : أن يكون الحمل بالذات . والثالث : أن يكون الحمل كليا ، ذكر أولا أنه ينبغي أن نشرح ما تدل عليه الأسماء . ثم بين وجوب وجودها في المقدمات البرهانية . فقوله : « وأولا ينبغي أن نشرع في أن نبين ما معنى قولنا « على الكل » و« بالذات » وما معنى « كلي » - يريد : ولما كانت الخواص التي تخص المقدمات الضرورية أن يكون الحمل فيها على الكل وبالذات ، وبالحمل الذي يخص في هذا الكتاب بالحمل الكلي ، فقد ينبغي أن نشرع أولا في شرح ما تدل عليه هذه الأسماء . ثم بعد ذلك يتبين أن المقدمات البرهانية ينبغي أن تكون بهذه الصفات الثلاث . وقوله : « فأما معنى « على الكل » فهو متى لم يكن المحمول موجودا لبعض الموضوع ولبعضه ليس موجودا ، ومتى لم يكن المحمول موجودا لبعض الموضوع في وقت ما ، وفي وقت آخر لا » - يريد : ومعنى ما يحمل على الكل أن يكون المحمول موجودا لكل الموضوع لا لبعضه ، وفي كل الزمان لا في وقت دون وقت ، لا لكله ولا لبعضه . وبين أن الحمل الضروري ينبغي أن يكون بهاتين الصفتين . وقوله : « بمنزلة مانحكم بالحيوان على كل إنسان فأي شخص حكمنا عليه بأنه إنسان فكان حكمنا صادقا ، فإن حكمنا عليه بأنه حيوان : صادق » - يريد : ومثال الحكم الكلي حكمنا على كل إنسان أنه حيوان ، فإن معني الكلية فيه هو أن كل شخص حكمنا عليه بأنه إنسان فكان حكما صادقا ، فإن حكمنا عليه بأنه حيوان : صادق ، أي كلما يوصف بأنه إنسان يكون ذلك الوصف صادقا فإن حكمنا عليه بأنه حيوان هو صادق ولا بد ، وذلك في كل زمان . وقوله : « فإن كان أحدهما الآن صادقا فالآخر صادق » - يريد : أنه متى حكم على شيء بأنه إنسان ووضع هذا صادقا ، فإن الحكم عليه بأنه حيوان يكون صادقا ولا بد في كل وقت . وقوله : « وكذلك النقطة » - يريد : وكذلك الحكم بأن كل خط فنهايتاه نقطتان . ولما أخبر أن هذين الشرطين هما شرطا الحمل على الكل ، أتى بالحجة على ذلك فقال : « والسبب الذي من أجله يحتاج أن يجتمع في المقول على الكل هذان الشرطان هو أن لمعاند أن يعاند الحكم بأنه ليس على الكل بأن يرى واحدا من الموضوعات ذلك المحمول غير موجود له ، أو يرى أن ذلك المحمول غير موجود لواحد من الموضوعات في وقت ما » . يريد : والحجة التي من قبلها يقف المرء على أنه يجب أن يجتمع في [ ٢٢ ب ] المقول على الكل هذان الشرطان أن المعاند إنما يعاند الحمل على الكل بفقد أحد هذين الشرطين ، وذلك إما بأن يتبين أن ذلك المحمول غير موجود في واحد من الموضوعات ، أو يبين أن المحمول غير موجود لواحد من موضوعاته في وقت ما ، أو لجميع موضوعاته . قال أرسطاطاليس : « ويقال « بالذات » على جميع المحمولات المأخوذة في حدود الموضوعات ، بمنزلة الخط في حد المثلث ، والنقطة مأخوذة في الخط لأنها ذاتي في حد الخط ، فإن هذين هما ذاتيان للخط وللمثلث ، وبالجملة سائر الأشياء المأخوذة في حد كل محدود ، وذلك أن جوهرهما إنما هو من هذه الأشياء . » التفسير لما كان « بالذات » يقال على وجوه ثلاثة ، ابتدأ بأولها فقال : « ويقال بالذات على جميع المحمولات المأخوذة في حدود الموضوعات بمنزلة الخط في حد المثلث ، والنقطة مأخوذة في الخط لأنها ذاتية في حد الخط » - يريد : وأحد ما يقال عليه أنه محمولات بالذات هو أن يكون المحمول يؤخذ في حد الموضوع إما على أنه حد تام له ، أو جزء حد ، بمنزلة أخذ الخط في حد المثلث . وذلك أن حد المثلث هو الذي تحيط به ثلاثة خطوط . فالخط ، من حد المثلث ، يجرى مجرى جزء الفصل ، وبمنزلة النقطة المأخوذة في حد الخط ، وذلك أن الخط قد يحد بأنه الذي نهايتاه نقطتان ، كما أن السطح يجد بأنه الذي نهايته خط أو خطوط ، والجسم هو الذي نهايته سطح أو سطوح ، فتنزل النقطة من الخط منزلة جزء الفصل ، لأن الفصل له إنما يتم من العدد والنقطة ، أعني كون النقطة اثنتين . - وقوله : « لأنها ذاتية في حد الخط » يعنى أن النقطة إنما أخذت في حد الخط لكونها ذاتية له . وكذلك الخط إنما أخذ في حد المثلث لأنه ذاتي له . وهذا هو الذي أراد بقوله : « فإن هذين هما ذاتيان للخط وللمثلث » - يعني : النقطة للخط ، والخط للمثلث . وهذا المحمول هو إما حد تام ، وإما جزء حد . وذلك إما فصل ، وإما جنس ، وإما جزء فصل أو جنس . قال أرسطاطاليس : « ويقال بالذات أيضا على جميع المحمولات المأخوذة موضوعاتها في حدودها ، بمنزلة : الاستقامة والانحناء الموجودين في الخط ، والفرد والزوج الموجودين في العدد ، والأول والمركب والمتساوي الأضلاع والمختلف الطول [73 b] - وجميع هذه قد تؤخذ موضوعاتها في حدودها بمنزلة الخط في حد الاستقامة والانحناء ، والعدد في حد الفرد والزوج [ ٢٣ أ] وغير ذلك مما ذكر في جميع هذه تقال بالذات من قبل انطواء موضوعاتها في حدودها . » التفسير لما كانت المحمولات الذاتية تقال على نوعين : أحدهما أن تكون المحمولات مأخوذة في حد الموضوعات ، وهذه المحمولات قد تكون في مقولة الجوهر ، وفي كل واحدة من سائر المقولات - أخذ يذكر الصنف الثاني من المحمولات الذاتية ، وهو عكس هذا ، أعني أن تكون الموضوعات داخلة في حدود المحمولات ، والمحمولات في هذا الصنف لا تكون إلا أعراضا ، ولذلك تخص هذه بالأعراض الذاتية . وأما الموضوعات فقد تكون في مقولة الجوهر ، وقد تكون في سائر المقولات . وهي صنفان : إما أن يؤخذ في حدها الموضوع نفسه ، وإما جنسه ، أو جنس جنسه ، ما لم يتعد ذلك الجنس المنظور فيه ، أعني جنس الصناعة التي فيها ذلك العرض الذاتي والمأخوذ هاهنا هو جار مجرى الفصل . وقد يظن أنه ليس من شرط الجنس المأخوذ في حد المحمول ألا يكون متعديا جنس الصناعة ، أعني ألا يكون جنس جنسها ، وهو الذي يذهب إليه أبو نصر ، فإنه يقول في كتابه إن الأعراض الذاتية : منها ما هي أول ، وهي التي ينقسم بها جنس تلك الصناعة ، ومنها غير أول وهي التي ينقسم بها جنس جنس تلك الصناعة . وهو غلط بين ، لأنه إذا كانت الأعراض الذاتية بعضها مما يؤخذ في حدها جنس جنس الصناعة ، فيمكن أن يكون منها ما يؤخذ في حده جنس جنس الجنس ، إلى الجنس العالي . وذلك أنه لا فرق بين جنس جنس الصناعة ، أو جنس الجنس ما ترقى ذلك صاعدا في كون جميعها خارجة عن جنس الصناعة . فإن جعلت الذاتية ، أو بعضها ، بهذه الصفة ، اختلطت الصنائع، وكانت الذاتية مشتركة لأكثر من صناعة واحدة . وإذا اشتركت الأشياء الذاتية في جواهرها ، فتكون الموجودات المتباينة من طبيعة واحدة . وذلك غاية الشنعة والاستحالة . وإنما يتشكك في هذا الجنس من المقدمات العامة التي يظن أنها مشتركة لأكثر من صناعة واحدة ، مثل المقدمة القائلة : الأشياء المساوية لشيء واحد فهي متساوية . وكذلك القائلة إن : المتناسبة إذا بدلت تكون متناسبة . فإنه قد يظن بهذه أنها تشمل أكثر من جنس واحد ، إذ كانت تصدق على الكمية المتصلة والمنفصلة . ولكن سيبين كيف الأمر في هذه عندما يتشكك أرسطو على كون المقدمات الذاتية خاصة بالجنس بهذه المقدمات . فقوله : « المأخوذة موضوعاتها في حدودها » ينبغي أن يفهم الموضوعات أنفسها أو أجناس [ ٢٣ ب] الموضوعات أو أجناس ألمأخوذة في حد ذلك العرض ومقابله ، ما لم يتعد بذلك جنس الصناعة . وقولة : « بمنزلة الانحناء والاستقامة الموجودين في الخط » - يعني أن مثال الأعراض الذاتية للجنس وجود الانحناء والاستقامة في الخط . وذلك أن كل خط فإما أن يكون منحنيا ، أو مستقيما ، أو مستديرا . وكذلك الزوج والفرد في ذلك ، وذلك أن كل عدد لا يخلو أن يكون زوجا أو فردا . وكذلك العدد الأول ، والمركب . وذلك أن كل عدد لا يخلو أن يكون أولا ، أو مركبا . ويعنى بالأول ما لم يقم من ضرب عدد في عدد ، وبالمركب : ما قام من ضرب عدد في عدد . وكذلك تساوى الأضلاع واختلافها : أعراض ذاتية في ذوات الأضلاع ، وذلك أن كل ذي ضلع فهو إما متساوي الأضلاع ، وإما مختلفها . وقوله : « وجميع هذه تؤخذ موضوعاتها في حدودها » يعنى بالموضوعات ها هنا : الجنس الذي ينقسم بهذه الأعراض المتقابلة قسمة أولى ، وهو جنس الموضوعات التي تحمل عليها هذه الأعراض حملا كليا . ولم يأت بمثال من الأعراض التي تؤخذ موضوعاتها أنفسها في حدودها ، وهي الخواص ، مثل الضحك للإنسان ، والصهيل للفرس ، لبيانها . قال أرسطاطاليس : « والمحمولات التي ليست ولا على واحد من هذين الضربين فهي محمولات عرضية ، بمنزلة الموسيقى والبياض للحيوان . » التفسير لما أخبر أن المحمولات الذاتية صنفان : إما محمول في جوهر الموضوع ، وإما محمول جوهره الموضوع فهو بين أنه إذا سلمنا صحة هذه القسمة ، فإن ما عدا هذه من المحمولات هي عرضية ، إذ كان من المعلوم بنفسه في هذه الصناعة أن المحمولات صنفان : محمول ذاتي ، وعرضي . لكن قد يظن أن هاهنا أمورا ذاتية منسوبة إلى الشيء وليس تؤخذ في حده ، وهي أكثر الأسباب الفاعلة ، فإن كل الأسباب ليست تؤخذ في الحدود ، ولذلك ما جعلها أرسطو صنفا ثالثا مما بالذات . وقال بعد ذلك : « والمستعمل من أصناف ما بالذات في البرهان صنفان » - فلنرجئ الجواب عن هذا إلى شرح الموضع الذي ذكر فيه هذا ، ونبحث هاهنا عن الشك الثاني وهو : كيف أغفل الصنف الثالث من المحمولات الذاتية ، وهي التي يؤخذ كل واحد منهما في حد صاحبه ؟ فنقول : إن قصده [ ٢٤ أ] هاهنا إنما هو أن يعطى الأحوال والسبارات التي ينتفع باستعمالها في أكثر الأشياء الموجودة ، وهي الأشياء التي توجد لها الحدود بالحقيقة ، لأن الحدود إنما توجد للمركبات الموجودة الوجود التام . وأما الأمور البسيطة والناقصة الوجود ، أعني التي وجودها قريب من أن يكون في الذهن ، مثل الأمور المضافة ، فليس توجد لها الحدود بالحقيقة . لأنه لو كان ذلك كذلك ، لكان البيان فيها دورا . ولذلك ليس أحد المضافين علة لصاحبه على الجهة التي تكون الأسباب عللا لمسبباتها . وهذا شيء قد مخرح به أرسطو في كتاب « المقولات » . فالجواب الذي يجاوب به هاهنا عن الأشياء التي ليست لها حدود هو الذي يجاب به عن الأشياء التي حدودها ناقصة . وهذا شيء قد صرح به المفسرون في غير ما موضع ، وصرح به أرسطو ، أعني أن القوانين المعطاة هاهنا هي أكثرية . وتلك هي القوانين الذاتية في هذه الصناعة وأما الأحوال التي تخص جنسا واحدا من الموجودات ، فيشبه ألا تكون صناعية ، إذ كان الصناعي هو القانون الكلي الذي يشتمل على أكثر من جنس واحد . وإذا تقرر هذا ، فمعنى قوله : « والمحمولات التي ليست ولا على واحد من هذين الضربين فهي محمولات عرضية » أي أن المحمولات التي ليست على واحد من هذين الضربين فهي في الأكثر محمولات عرضية . وقوله في المحمولات العرضية إنها بمنزلة الموسيقى للحيوان والبياض للحيوان ، وذلك أن الحيوان ليس ينقسم إلى ما هو أبيض وإلى ما ليس بأبيض ، وإنما ينقسم بذلك ذو اللون بما هو لون . وكذلك الموسيقى ليس ينقسم بها الحيوان ، وإنما ينقسم بها الإنسان في ذاتية له . قال أرسطاطاليس : « ويقال بالذات لجميع أشخاص الجواهر الأول ، بمنزلة الذي يمشى : فإن معنى المشيء غير معنى الذي يحمل له المشيء ، وبمنزلة الأبيض . فالجواهر ، وكل ما فصدنا نحوه بالإشارة ، والذي ليس وجوده في شيء ولا يقال على شيء موضوع هو بالذات . فأما التي وجودها في شيء فهي أعراض . » التفسير لما كان قصده أن يحصى أصناف الوجوه التي يقال عليها « بالذات » ، وكان قد ذكر من ذلك الصنفين الخاصين بمقدمات البراهين ، ذكر من ذلك أيضا صنفا ثالثا ليس على أنه شيء ينتفع به في مقدمات البراهين ، بل على جهة ما يجب على المعلم بالاسم المشترك أن يقسم الاسم المشترك إلى جميع معانيه ، ويرشد إلى المعنى الذي قصد منها . فقوله : « ويقال بالذات لجميع أشخاص الجوهر » يريد أن جميع أشخاص الجوهر [ ٢٤ ب ] يقال في كل واحد منها إنه موجود بذاته ، بمعنى أنه ليس وجوده بغيره . وهذا المعنى يقابله « الموجود بغيره » وهو العرض . وقوله : « بمنزلة الذي يمشي فإن معنى المشي غير معنى الذي يحمل المشي ، وبمنزلة الأبيض » - يريد أن هذه الأشخاص مثل شخص الماشي ، لا شخص المشى الموجود في الماشي ، فإن معنى المشي مباين لمعنى الذي يحمل المشي ، إذ كان الماشي موجودا لا في غيره ، والمشي موجود في غيره ، أي في الماشي . وقوله : « بمنزلة الأبيض » - يريد : الحامل للبياض ، فإن الحامل له هو شخص الجوهر . ولما اخبر أن أحد المعاني التي يقال عليها « موجودة بذاتها » هي أشخاص الجوهر ، وبين بالتمثيل الفرق بينها وبين أشخاص الأعراض - أخذ يحدد أشخاص الجواهر فقال : « وكل ما قصدنا نحوه بالإشارة والذي ليس وجوده في شيء ولا يقال على شيء موضوع هو بالذات » - يريد : وهذه الأشخاص هي التي يقصد نحوها بالإشارة ،من جهة أنه ليس وجودها في شيء كأشخاص الأعراض ، ولا تحمل على موضوع بالذات ، أي على المجرى الطبيعي . وهذا هو الذي قيل في رسم شخص الجوهر من أنه لا يعرف من شيء ذاته ولا شيئا خارجا عن ذاته ، أي ليس يحمل على شيء : لا حملا يعرف جوهره ، ولا حملا لا يعرف جوهره . قال أرسطاطاليس : « ويقال بالذات لسائر المعلولات اللازمة لعللها من الاضطرار . فإن المعلولات التي ليست لازمة لعللها من الاضطرار لا يقال إنها بالذات ، لكن بالعرض ، بمنزلة حدوث البرق عند مشي الماشي ، فإن مشيه ليس هو علة لحدوث البرق ، لكن عرض واتفق عند مشيه أن حدث البرق . فأما المعلولات اللازمة لعللها من الاضطرار ، فإنه يقال « بالذات » ، بمنزلة الموت التابع لذبح الإنسان من الاضطرار ، فإن هذا المعلول يقال له بالذات من قبل أنه لازم للعلة التي هي الذبح من الاضطرار . وليس الموت يعرض باتفاق عن الذبح . » التفسير الظاهر من هذا أنه معنى رابع من المعاني التي يقال عليها « ما بالذات » . وقد يظن أنه راجع إلى أحد المعنيين المتقدمين ، إذ كان مقابله ما بالعرض . وكل شيء ينسب إلى شيء ، أو يحمل عليه أي حمل كان فهو : إما بالذات ، وإما بالعرض . وإذا تؤمل الأمر فيه ، ظهر أنه معنى رابع . ذلك أن المحمولات التي تؤخذ في حدود الموضوعات هي الأسباب الموجودة في الشيء ، لا الأسباب الخارجة عن الشيء . والسبب الفاعل ليس من الأسباب الموجودة في الشيء . فلذلك وإن كان نسب المفعول إليه بالذات ، فليس مأخوذا في حد المفعول إلا بالعرض . ولهذا جعله صنفا رابعا . وأما هل يعد.هذا الصنف [ ٢٥ أ] من الحمل في البراهين المطلقة ففيه فحصى ، وذلك أنه يعسر تبيين وجود الشيء من قبل فاعله . فإن الفاعل إذا وضع موجودا لم يلزم عنه وجود المفعول . وكذلك يقل تبيين الأعراض الموجودة في الشيء من قبل سببه الفاعل . فهذا الحمل إن دخل في أصناف الحمل البرهاني ، فإنما يدخل في الدلائل ، أو في براهين الأسباب ، لا في البراهين المطلقة التي هي حدود بالقوة . ولهذا لم يعده أرسطو في المحمولات البرهانية . وكلامه في الفصل الذي كتبناه مفهوم بنفسه . قال أرسطاطاليس : « والمستعمل من أصناف ما بالذات في البرهان صنفان : المحمولات المأخوذة في حدود الموضوعات ، والمحمولات المأخوذة موضوعاتها في حدودها . وهذه أيضا هي ضرورية وذاتية ، من قبل أن وجودها لموضوعاتها من الاضطرار . وكل واحد من المتقابلين في الخط : إما الاستقامة وإما الانحناء ، وفي العدد : إما الفرد وإما الزوج . وذلك أن تقابل هذين في الطبيعة القابلة لهما إما تقابل عدم وملكة ، وإما تقابل إيجاب وسلب . فإن العدد متى عدم معنى الفرد ، فالزوج حاصل له . ومتى لم يكن الايجاب ، فالسلب من الاضطرار . فهذه هي بالذات من الاضطرار . فقد لخصنا معنى قولنا « بالذات » و« على الكل . » التفسير قوله : « والمستعمل من أصناف ما بالذات في البرهان صنفان » - يعني بالبرهان : البرهان المطلق ، لا جميع أصناف البراهين . فإن النسبة التي بين السبب الفاعل قد تدخل في الدلائل ، وقد تدخل في براهين الأسباب فقط . ولذلك من ظن أن المحمولات في كل برهان هو أحد صنفي هذا الحمل - كما يعطى ظاهر كلام أبي نصر في كتابه - فهو غالط . وذلك أن الأسباب التي خارج الشيء ليس تدخل في حدود الأشياء إلا بالعرض ، أعني إذا اتفق أن يكون السبب الفاعل موجودا في الشيء ، لا مفارقا له ، مثل قيام الأرض في الكسوف بين الشمس والقمر ، فإنه سبب فاعل وموجود مع الكسوف نفسه . وكذلك الغاية ليس تدخل في الحد إلا إذا جهل الفصل فتقام مقامه . وبالجملة من يضع أن كل واحد من الأسباب الأربعة تؤخذ حدودا في البراهين المطلقة ، ويضع أن جميع أصناف الحمل البرهاني هو صنفان : أخذ المحمولات في حدود الموضوعات ، وأخذ الموضوعات في حدود المحمولات - هو مناقض نفسه من غير أن يشعر . وقد يظن بأبي نصر أنه هكذا فعل . وإنما قال : « وهذه أيضا هي ضرورية وذاتية » - من قبل أنه ليس كل ذاتي ضروريا ، لا من قبل أنه [٢٥ ب ] ليس كل ضروري ذاتيا ، كما يذهب إليه أبو نصر ، فإن مذهب أرسطو هو خلاف هذا ، أعني أن : كل ضروري ذاتي - على ما سيبين بعد . ولما أخبر أن الذاتية في هذه هي ضرورية أتى بالسبب في ذلك فقال : « إن وجودها لموضوعاتها من الاضطرار » - يريد : وإنما كانت . هذه الأعراض الذاتية ضرورية ، بخلاف الأعراض الذاتية الغير ضرورية ، أعني الأكثرية مثل الشيب للإنسان ، من قبل أن وجود هذه الأعراض في موضوعاتها أمر ضروري لا ينقل عن موضوعاتها . ولما ذكر أن وجود هذه الأعراض لموضوعاتها ضروري ، أتى بالسبب في ذلك فقال : « وكل واحد من المتقابلين في الخط : إما الاستقامة وإما الانحناء ، وفي العدد إما الفرد وإما الزوج » - يريد : وإنما كانت ضرورية الوجود لموضوعاتها من قبل أن كل واحد منها مع مقابله محصور في الموضوع ، ولذلك ينقسم بها الموضوع قسمة أولى ، مثل انحصار الانحناء والاستقامة في طبيعة الخط ، وانحصار الزوج والفرد في طبيعة العدد وذلك أن كل خط فهو إما مستقيم ، وإما منحن . وهذا الذي ذكره هو الفرق بين الأعراض الذاتية وغير الذاتية . ولذلك متى لم نشعر بهذا الانحصار ، لم يحصل عندنا أنها ذاتية . ولذلك متى وجدت أعراض لشيء ، ولم تكن منحصرة في جنس ذلك الشيء الذي حملت تلك الأعراض عليه ، أو لم تكن خاصة بنفسه ، فليست ذاتية لذلك الذي حملت عليه . وإذا كان هذا هكذا ، فقول من قال في الأعراض الذاتية إن منها ما هي متقابلة في الجنس الذي توجد فيه ، ومنها ما ليست متقابلة ، إن أراد أنه ليس من شرطها ، أن تكون متقابلة - فهو خطأ . وإن أراد أنه يعرض للجنس الواحد أنه إذا كان فيه أكثر من مقابلة واحدة ، أن لا يكون الفرد الذي في أحد المتقابلين مقابلا للفرد الذي في المقابل الآخر - فذلك صحيح ، لكنه بالعرض ، مثل الزوج والمجسم الموجودين للعدد ، فإن الزوج إنما صار ذاتيا للعدد لأن العدد ، بما هو عدد ، منقسم به وبمقابله . وكذلك العدد ينقسم إلى العدد المجسم ، والغير مجسم . وأما انقسام العدد إلى الزوج والمجسم فهو له بالعرض ، وليست هذه ذاتية له من هذه الجهة ، فلا معنى لوضعها بهذا المعنى . ولما كان ليس يلزم أن يكون المتقابلان كل واحد منهما ملكة ، كالحال في الأضداد ، بل قد يكون أحدهما ملكة ، والآخر عدما ، أو أحدهما إيجابا ، والآخر سلبا ، وكان ذلك خفيا في تقابل الزوج والفرد - فلذلك قال أرسطو في الزوج والفرد . وذلك أن تقابل [ ٢٦ أ] هذين في الطبيعة القابلة لهما : إما تقابل عدم وملكة ، وإما تقابل إيجاب وسلب . وذلك أنه أراد أنه لا يبالي كيف كان وجود التقابل في هذه الأعراض إذا وجدناها متقابلة . وقوله : « ومتى لم يكن الإيجاب والسلب من الاضطرار » - يريد أن العدد متى لم يكن زوجا ، فواجب أن يكون ليس بزوج ولا زوج . وقوله : « فهذه هي بالذات من الاضطرار » - يريد أن كونهما بالذات أمر واجب لها وضروري . قال أرسطاطليس : « ويقال إن الكلي هو المحمول على كل الموضوع وذاتي له وبما هو أولا موجود له . وإذا كان الكلي هذه صفته ، فهو ضروري للموضوع . ولا فرق بين هذا القول : أن هذا المحمول موجود للموضوع بذاته ، وأنه موجود له أولا . وذلك أن النقطة موجودة للخط بذاتها ، والاستقامة أيضا . وهما أيضا مأخوذان في ماهيته ، ومساواة زوايا المثلث لقائمتين هي ذاتية للمثلث ومأخوذة في ماهيته . » التفسير لما بين ما هو الحمل الذي يسميه : « على الكل » في هذا الكتاب ، والذي يسميه : « بالذات » - أخذ يذكر الحمل الذي يسميه : « الكلي » ، وهو ما جمع ثلاثة شروط : الحمل على الكل ، والحمل بالذات ، والحمل الأول . وذلك أن كل أول ذاتي ، وليس كل ذاتي أولا . فقوله : « ويقال إن الكلي هو المحمول على كل الموضوع » - يريد : أنا نعني بقولنا « محمولا كليا » في هذا الكتاب ما جمع ثلاثة شروط : أحدها أن يكون الحمل على الكل ، أعني أن يوجد المحمول لكل الموضوع في جميع الأوقات ، وأن يكون الحمل ذاتيا ، وأن يكون وجوده للموضوع أولا . وقد اختلت في المحمول الأول في البرهان ما هو ، وما الذي أراد به في هذا الموضع . فالذي نجده في كتاب أبي نصر أن المحمول الأول في البرهان هو الذي لا يحمل على جنس الموضوع . ونجد بعضهم يقول إن المحمول الأول هو الذي لا يحمل على الموضوع من قبل حمله على شيء . وإن كان ذلك كذلك ، فالمحمول الأول هو خاص بالموضوع ، ومحمول من غير وسط . لكن أرسطو يصرح أن حمل الزوايا المساوية لقائمتين على المثلث هو حمل الأول ، وحمل الزوايا المساوية لقائمتين على المثلث هو حمل بوسط ، وهو كون الزاوية الخارجة من المثلث مساوية للداخلتين . وأيضا إن وضعنا أن المحمول الأول هو الخاص ، لم يكن هاهنا محمول اول إلا الحد ، والفصل ، والخاصة ، وسقط من محمولات [ ٢٦ ب ] البراهين حمل الجنس وحمل العرض الأعم من الموضوع الأخص من الجنس ، فإن أرسطو يشترط في حمل مقدمات البراهين أن تكون أولا ولا بد مع الشرطين المتقدمين ، لكن قول أرسطو فيه « ولما هو أولا موجود له » - يدل دلالة واضحة أنه لم يرد بالأول ما هو أعم من الموضوع وإن كان أخص من جنس ذلك الموضوع . وذلك أن ما هذا شأنه لا يحمل على الشيء بما هو أول موجود له - مثال ذلك : المشي ، فإنه أعم من الإنسان وأخص من جنسه . وليس بصادق أن الإنسان ، بما هو إنسان ماش ، إذ كان إنما هو ماش من قبل طبيعة أخرى ، كأنك قلت : من جهة ما هو ذو رجل ، فليس بموجود أولا للإنسان . وقد قال إن الشرط الثالث هو أن يكون المحمول موجودا للموضوع بما هو أولا ، أي وجودا أوليا . وإذا كان ذلك كذلك فليس المحمول الأول هو أعم من الموضوع ، وإن كان لا يحمل على جنسه ، كما نجد أبا نصر يرسم به في كتابه المحمول الأول . لكن لما كان ما يوجد للشيء لا من قبل طبيعة أخرى قد يوجد له بوسط بغير وسط ، وذلك أن جميع الأعراض الموجودة للشيء وجودا أولا توجد له بوسط ، وهي الأسباب التي تقومت منها تلك الموضوعات . فإذا ليس معنى « الأول » في الأعراض أنه الذي يوجد دون وسط . وأما الأسباب الخاصة بالشيء الأول فإنها يجتمع منها أن تحمل على الشيء حملا أولا وبغير وسط . فمن فهم من الحمل الأول المحمول الخاص الذي لا يحمل بوسط ، عسر عليه أن يكون في المطلوبات محمول أول - على ما نجد كثيرا من المفسرين ذهب إلى ذلك وعسر عليه مطابقة ذلك بتمثيل أرسطو في ذلك بوجود الزوايا للمثلث مساوية لقائمتين . ومن حمل « الأول » هاهنا على الذي لا يحمل على جنس الموضوع ، كما فعل أبو نصر ، فقد ظن فيما ليس بأول أنه أول . وذلك أن الأول قد صرح أرسطو فيه أنه المحمول على الشيء بما هو ذلك الشيء . فلذلك يشبه أن يكون الأول الذي يشترط وجوده في المقدمات والمطالب ألا يكون حمله على الموضوع من قبل طبيعة أخرى مركبة ويخص الأول المشترط في المقدمات التي في البرهان المطلق ألا يكون حمله بتوسط سبب من أسباب الموضوع . وأما في الدلائل فيكفي فيها الشرط الأول ، وليس يكفي ذلك في البراهين المطلقة . ولذلك يشترط أرسطو في البراهين أن تكون بالأسباب القريبة الخاصة . فقد تبين من هذا أن « الأول » عند أرسطو هو الذي يحمل على الشيء لا من قبل طبيعة له أخرى موضوعة ، أعني طبيعة مركبة ، سواء كانت تلك الطبيعة مساوية للموضوع ، مثل حمل اللون على الجسم : فإنما يحمل عليه بتوسط السطح وهو مساو للجسم ، [ ٢٧ أ] أو كانت أعم مثل حمل الزوايا المعادلة لقائمتين على المثلث المختلف الأضلاع : فإنما يحمل عليه بتوسط المثلث المطلق ، وهو أعم من المختلف . وقوله : « وإذا كان الكلي هذه صفته ، فهو ضروري للموضوع » - يريد : إذا كان الحمل الذي نعرفه « بالكلي » في هذا الكتاب هو الذي جمع أن يكون المحمول مقولا على كل الموضوع وفي كل الزمان ، وأن يكون ذاتيا ، وأن يكون أولا - فبين أنه ضروري للموضوع . وقوله : « ولا فرق بين هذا القول أن هذا المحمول موجود للموضوع بذاته ، وأنه موجود له أولا » - يريد : ولا فرق بين قولنا : « محمول أول » ، وبين قولنا : « ذاتي » ، وذلك في أحد صنفي المحمولات الذاتية ، وهو الصنف الذي يؤخذ المحمول فيه في حد الموضوع . وإنما قال ذلك لأن هذا الصنف يجمع مع أنه ذاتي أنه أول ، من قبل أن الحد والفصل هذا شانه ، أعني أنه محمول على الشيء من جهة ما هو ومن غير وسط . وهذا مما يدل على أنه ليس يدخل في هذا الصنف الجنس ولا حد الجنس ، وذلك أن الجنس وحده ليس - على مذهبه -محمولا حملا أولا ، بخلاف ما يقوله أبو نصر ، أعني أن الجنس عنده هو محمول أول . وهذا بخلاف الأمر في الصنف الثاني من المحمولات الذاتية ، أعني أن الأعراض الذاتية ليس معنى « الذاتية » فيها هو معنى « الأول » . وقوله : « وذلك أن النقطة موجودة للخط بذاتها والاستقامة أيضا وهما أيضا مأخوذان في حده » - يريد : وذلك أن النقطة موجودة للخط بذاتها وهي مأخوذة في حده ، وهو المعنى الذاتي فيها . ف « الأول » و« الذاتي » فيها بمعنى واحد ، وكذلك الاستقامة في الخط المستقيم . وقوله : « ومساواة زوايا المثلث لقائمتين هي ذاتية للمثلث ومأخوذة في ماهيته » - يريد : أي هي ذاتية بمعنى « الأول » إذ كانت مأخوذة في حده . وإنما قال ذلك ، وإن كانت مساواة زوايا المثلث لقائمتين خاصة من خواص المثلث ، لأن الخواص قد تقام مقام الفصول في مواضع كثيرة وتستعمل بدلها ، إذا كانت مشعرة بطبيعة الصورة ، وكانت الصورة خفية . قال أرسطاطاليس : « فالكلي هو المحمول المقول على كل الموضوع وأولا . فإنه إن كان قد تبين أن شكلا ذو قائمتين ، فإن ذلك ليس هو لأي شكل كان . هذا على أنه قد يوجد السبيل إلى أن نبين أن للشكل زاويتين مساويتين لقائمتين ، إلا أن المبين والمبرهن لهذا الشيء ليس يبينه ويبرهنه في أي شكل اتفق ، من قبل أن المربع هو شكل وليس زواياه مساوية لقائمتين . وأما المثلث المتساوي الساقين وإن [ ٢٧ ب ] كانت زواياه الثلاث تساوي قائمتين ، لكن ليس هذا المعنى موجودا له أولا بما هو متساوي الساقين ، لكن هذا المعنى أولا للمثلث . فالأمر الذي مساواة الزوايا الثلاث لقائمتين يوجد له أولا ، أو غير ذلك أي شيء كان ، هذا المحمول كلي له [ 74 a]* . والبرهان المحقق هو الذي له قبل هذا المحمول . فأما الذي على الأشياء التي تحت هذا ، يمنزلة وجود هذا المعنى للمتساوي الساقين ، فليس هو على طريق الكلي ، من قبل أنه قد يفضل . » التفسير لما كان معنى « الأول » في الصنف من المحمولات التي تؤخذ في حدود الموضوعات هو بعينه معنى « الذاتي » ، على ما بينه ، قال : « فالكلي هو المحمول المقول على كل الموضوع وأولا » - يعنى أنه إذا كان معني « الذاتي » فيه هو معنى « الأول » ، اكتفى فيه بشرطين : أحدهما : أن يكون المحمول مقولا على الكل ، على ما رسم قبل من معني « المقول على الكل » . والثاني : أن يكون « أولا » ، ولا يحتاج في هذا أن يقال : « وذاتيا » ، إذ كان معني « الذاتي » و« الأول » فيهما معنى واحدا . وإنما يكون ذلك كذلك إذا لم يكن المحمول المأخوذ في حد الموضوع جنسا للموضوع ولا حدا لجنسه . وقوله : « فإنه إن كان قد تبين أن شكلا ذو قائمتين ، فإن ذلك ليس هو لأي شكل كان « - يريد فيما أحسب : وإما شرطنا كونه مقولا على الكل ، لأنه إن بين مبين أن شكلا ما ذو قائمتين ، فإنه لم يبين ذلك بيانا كليا ، لأنه ليس يوجد مساواة الزوايا لقائمتين لأي شكل كان ، بل لبعضها ، فكأنه قال إن بيان المبين للشكل أن زواياه مساوية لقائمتين ليس « كليا » ، فضلا عن أن يكون « أولا » . ولما كان البيان الجزئي ممكنا ، أعني أن يبين أن بعض الأشكال زواياه مساوية لقائمتين ، « إلا أن المبين والمبرهن لهذا الشيء ليس يبينه ويبرهنه في أي شكل اتفق ، من قبل أن المربع شكل وليس زواياه مساوية لقائمتين » - يريد : أن كون الزوايا مساوية لقائمتين وإن كان ممكنا تبيين ذلك لبعض الأشكال ، فليس بيان ذلك للشكل بيانا كليا ، إن المربع وغيره شكل وليس زواياه مساوية لقائمتين . وإنما أراد أن يعرف بهذا أن البرهان لا يكون جزئيا ، ولذلك اشترط أن يكون مقولا على الكل . وإنما كان ذلك كذلك ، لأن طبيعة البعض - بما هي بعض - ليس تقتضي حمل شيء مخصوص عليها ، أعني أن قولنا : بعض الأشكال زواياه مساوية لقائمتين ، وإن كان صادقا ، فليس هو حملا محدودا ولا ذاتيا ، إذ كان البعض بما هو بعض ليس يقتضي ذلك . فيكون المحمول البرهاني يشترط فيه أن يكون أولا هو الذي اقتضى له ألا يكون البيان فيه جزئيا . ولما بين أن البيان الجزئي ليس هو « أول » ، أعني [ ٢٨ أ] قول القائل : بعض الأشكال زواياه مساوية لقائمتين ، قال : « وأما المثلث المتساوي الساقين ، وإن كانت زواياه الثلاث تساوي قائمتين ، لكن ليس هذا المعنى موجودا له أولا بما هو متساوي الساقين » - يريد : وأما حمل الزوايا المساوية لقائمتين على المثلث المتساوي الساقين فإنه وإن كان حملا على كل الموضوع ، لا على بعض الموضوع لحملها على الشكل فإنه ينقصه من الحمل الذي يسميه في هذا الكتاب « الحمل الكلي » أن يكون - « أولا » . وذلك أن حمل الزوايا المساوية لقائمتين ليس موجودا للمثلث المتساوي الساقين أولا ، إذ كان ليس ذلك للمثلث المتساوي الساقين بما هو مثلث متساوي الساقين . وقوله : « لكن هذا المعنى أولا للمثلث » - يريد : لكن حمل الزوايا المساوية لقائمتين إنما يكون حملا أولا على المثلث المطلق ، وذلك أن هذا هو المثلث بما هو مثلث . وقوله : « فالأمر الذي مساواة الزوايا الثلاث لقائمتين يوجد له أولا أو غير ذلك أي شيء كان هذا المحمول كلي له » - يريد : وإذا تقرر هذا فالشيء الذي توجد له مساواة زواياه لقائمتين ، أو غير ذلك من المحمولات أي شيء كان من المحمولات وجودا أولا - فذلك المحمول كلي له . فقوله : « المحمول كلي له » هو الجواب . وقوله : « أو غير ذلك أي شيء كان هذا » - يريد : أو غير مساواة الزوايا لقائمتين أي محمول كان . ويحتمل أن يكون : « هذا المحمول كلي له » : ابتداء وخبر . ويحتمل أن يكون قوله : « هذا المحمول » : في موضع رفع ب « كان » ، ويكون : « كلي له » جواب الابتداء الأول ، أعني قوله : « فالأمر الذي . . » وقوله : « والبرهان المحقق هو الذي له مثل هذا المحمول » - يعني : الأول ، ويعنى ب « المحقق » : الذي هو برهان في نفسه ويظن به أنه برهان . إذ كان غير المحقق هو الذي يظن به أنه برهان ، وليس ببرهان . وإنما كان ذلك كذلك من قبل أن الحمل للذي ليس بأول هو حمل يشوبه ما بالعرض ، وما بالعرض متجنب في البراهين أصلا . وقوله : « فأما الأشياء التي تحت هذا ، بمنزلة وجود هذا المعنى للمتساوي الساقين ، ليس هو على طريق الكلي ، من قبل أنه يفضل » - يريد : فأما الأنواع التي تحت هذا المثلث ، بمنزلة المثلث المتساوي الساقين ، فإن وجود هذا المعنى له ، أعني مساواة الزوايا لقائمتين ، ليس هو موجودا له ولا محمولا عليه على طريق الحمل الذي يسميه في هذا الكتاب : « الكلي » ، من قبل أن هذا المحمول يفضل على الموضوع ، أي هو أعم منه ، وإذا كان أعم منه لم يكن محمولا عليه إلا بالعرض ، لأنه إنما يحمل بالذات على الطبيعة المساوية له . وهنا ظهر أن من شرط « الأول » هاهنا أن يكون خاصا .

٥ - < الأخطاء التي تقع فيما يتعلق بالكلي في البرهان >

Shafi 235

قال أرسطاطاليس : « الكلي » ونظن أنا لم نبينه ، أو لم نبينه ونظن أنا قد بيناه . فإنه قد يعرض لنا أن ننخدع عندما نبين أمرا كليا للأشياء التي هي جزئية ووحيدة ، التي لا يوجد شيء أعلى يعمها ، ونظن أنا لم نبين الكلي . وقد يعرض لنا أن ننخدع عندما نبين أمرا ما لأشياء كثيرة مختلفة الأنواع ، ونتظنن أنا قد بينا الكلي ، ونحن لم نبينه ، من قيل أنا لم نعرف الشيء العام لها الذي هذا المعنى كلي له . » التفسير يقول : وقد ينبغي ألا نغلط ويلحقنا الجهل المتضاد بالشيء الواحد بعينه ، وذلك عندما نبين شيئا موجودا لشيء على طريق الكل ، ونحن نظن أنه ليس على طريق الكل ، أو عكس هذا . وهو أن نبين أن شيئا موجود لشيء وهو ليس على طريق المساق الكلي الذي رسمناه ، ونحن نظن أنه عليه . وقوله : « فإنه قد يعرض لنا. . » إلى قوله : ونظن أنا لم نبين < الكلي > » يريد : فإنه قد يعرض لنا أن نغلط عندما نبين شيئا للأشياء المحسوسة الجزئية التي لا يوجد منها إلا شخص واحد ، فنظن أنه لم نبين ذلك الشيء البيان الذي على طريق الكلي ، وهذه هي الأشخاص التي ليس يوجد لها نوع يحمل عليها ، وهو الذي أراد بقوله : « التي لا يوجد شيء أعلى يعمها » - أعني أنه ليس يوجد لها طبيعة تعمها ، إذ كان ليس يوجد لها أكثر من شخص واحد . وهذا هو مثل الشمس ، والقمر ، والأرض وغير ذلك من الأشخاص التي ليس يوجد منها إلا شخص واحد فقط . وقوله : « ونظن أنا لم نبين الكلي » - يريد أن البرهان الذي يقوم على أمثال هذه الأشخاص هو كلي ، ولكن قد نغلط نحن فنظن أنا لم نبين الكلي . وسبب هذا الغلط أنه يشبه عندنا هذا البيان البيان الذي يقوم على شخص من الأشخاص التي يوجد منها أكثر من شخص واحد ، وهي التي توجد لها طبيعة تعمها . ولما ذكر موضع هذا الغلط الذي يعرض لنا إذا بينا الكلي ونظن أنا لم نبينه لنتحفظ منه - أخذ يذكر مواضع الغلط التي هي أضداد هذا ، وهو أن نكون لم نبين الكلي ونحن نظن أنا قد بيناه ، فقال : « قد يعرض لنا أن ننخدع عندما . . » إلى آخر ما كتبناه - يريد : وقد يعرض لنا عندما نبين أمرا ما لأشياء كثيرة ، أي مختلفة الطبائع ، وفي صنائع شتى : مثل أن نبين المساواة للأعظام والعدد والأزمنة ، فإنه إذا بينا المساواة للأعظام في علم الهندسة مثلا ، ظننا أنا قد بينا الكلي ، أي البيان الذي يكون على طريق الكلي ، ونحن لم نبينه . وكذلك يظن العددي إذا بين ذلك للأعداد . وليس الأمر [ ٢٩ أ] على ما يظن واحد منهما من ذلك ، من قبل أن وجود المساواة للأعظام ليس لها بما هي ، إذ كانت المساواة توجد للأعداد والأزمنة والحركات ، ولا هي أيضا موجودة كواحد من هذه على طريق الكلي . وقوله : « من قبل أنا لم نعرف الشيء العام لها الذي هذا المعنى كلي له » يريد : وإنما كان الأمر كذلك في أمثال هذه المطالب من قبل أنه لم يكن البيان لهذه الأشياء من قبل طبيعة عامة مشتركة لها ، مثل أن نبين وجود المساواة لطبيعة هنا مشتركة للأعداد والأعظام والأزمنة والحركة ، إذ كنا لا نعرف لهذه الأشياء طبيعة بهذه الصفة ، يريد أنه ليس لها طبيعة مشتركة مقولة بتواطؤ ،لا أن هناك طبيعة وليس يعرفها لأنه لو كان هنالك طبيعة مشتركة لكانت المساواة وما أشبهها من أمثال هذه المطالب تختص بصناعة عامة للصناعة الناظرة في الأعظام والعدد والأزمة والحركات . وسيفحص هو بعد عن هذا ، ونبين نحن ذلك ، وذلك أن فيها حيرة وعويصا شديدا . قال أرسطاطاليس : البرهان الذي يكون بمثل هذا الأوسط قد يكون على الكل . لكن البيان الذي من قبل هذا هو أولا على طريق الكلية . وأشير بقولي هذا إلى الشيء الذي قد تبين به وهو في الشيء الذي له الكلية أولا بمنزلة أن يبين الإنسان أن الخطوط المستقيمة لا تلتقي بوسط هو كون زاويتين عن جنبي الخط الواقع عليهما ، فيظن أن هذا كلي بسبب أنه على الكل . وليس الأمر على هذا ، لأن البرهان لم يكن من أجل ذلك ، بسبب أنه على الكل ، وإنما كان بسبب مساواة الزاويتين لقائمتين . » التفسير قوله : وقد يعرض أيضا أن ننخدع من قبل انطواء الكلي في أثناء الأوسط » يريد : وقد يعرض أيضا لنا أن نغلط فنظن - أن الوسط للذي بينا به الشيء في البرهان هو محمول كلي ، أي جمع الشروط الثلاثة ، أعني أن يكون على الكل ، وبالذات ، وأولا - ويكون ليس بأول وإنما يظن به أنه كلي وليس بكلي من قبل انطواء الوسط الكلي فيه ، أعني لزومه عنه ووجوده فيه بالقوة ، أو من قبل انطوائه في الوسط الكلي ، مثل انطواء النوع في الجنس : يحتمل التأويلين جميعا . وقوله : فإن البرهان الذي يكون بمثل هذا الوسط تكون النتيجة فيه كلية ، أي يكون فيها محمول المطلوب أولا لموضوعه ، بخلاف الغلط العارض [ ٢٩ ب ] في الموضع المتقدم فإنه هنالك لا المبين هو أولا ، ولا الحد الأوسط . وإنما الذي ليس ها هنا أولا هو البيان ، أي البرهان ، من قبل أن حمل الحد الأوسط فيه على الأصغر ليس أولا ، ولا حمل الأكبر عليه . وقوله : « وأشير بقولي هذا إلى الشيء الذي قد تبين به ، وهو في الشيء الذي له الكلية » - يريد : وأقصد بقولي هذا إلى الحد الأوسط الذي يبين الشيء وهو داخل تحت الحد الأوسط الكلي ، أعني الذي هو محمول على الشيء من طريق ما هو أولا . ثم قال : « بمنزلة من بين أن الخطوط المستقيمة لا تلتقي بوسط هو كون زاويتين عن جنبي الخط الواقع عليهما » - يريد : بمنزلة من بين أن الخطوط المتوازية لا تلتقى بوسط هو كون الزاويتين الحادثتين عن الخط الواقع عليها وعن كل واحد من الخطين ، الداخلتين اللتين في جهة واحدة كل واحدة منهما قائمة . ثم قال : « فيتظنن أن هذا كلي بسبب أنه على الكل » - يريد : فيظن أن هذا الحد الأوسط محمول على الخطوط المتوازية أولا من قبل أنه محمول صادق على كل الخطوط المتوازية ، وذلك أن كل الخطوط المتوازية إذا وقع عليها خط يمكن أن تكون الزاويتان الداخلتان الحادثتان عن وقوعه عليها كل واحدة منهما قائمة . لكن ليس هذا هو سبب التوازي ، وإنما سبب ذلك كون جميعها مساوية لقائمتين ، سواء كانت كل واحدة منهما قائمة ، أو كانت إحداهما أكبر من قائمة ، والأخرى أصغر من قائمة ، بعد أن يكون مجموعهما قائمتين . وهذا هو الذي أراد بقوله : « وإنما كان بسبب مساواة الزاويتين لقائمتين » وإنما يظهر من هذا أن المتوازية لا تلتقي من قبل أنه إن التقت يكون مثلث زواياه الثلاث أكبر من قائمتين . وإنما هذا مثال . ولم يرد أرسطو أن عدم الالتقاء للمتوازية مجهول بالطبع ، وأن هذا الوسط معلوم بالطبع ، فإنه يشبه أن يكون كون الخطوط المتوازية لا تلتقي أعرف من كون الزاويتين الحادثتين عن وقوع خط عليها مساوية بمجموعهما لقائمتين . ولمكان هذا تأول عليه ثامسطيوس أنه أراد بهذا النحو من الغلط مثل من بين أن الخطوط التي يقع عليها خط فيصير الزاويتين الداخلتين كل واحدة منهما قائمة أن الخطوط متوازية . فإن هذا المطلوب ليس أولا للخطوط التي بهذه الصفة ، وإنما هو أول للخطوط التي يصير الخط الواقع عليهما الزاويتين الداخلتين بمجموعهما مساوية لقائمتين ، سواء كانت كل واحدة منهما قائمة أو لم تكن ، فإن المهندسين جرت عادتهم أن يثبتوا التوازي لهذه الخطوط بأوساط يذكرونها في كتبهم . لكن إن حمل التأويل على هذا ، لم يكن هذا الغلط عارضا في حمل الحد الأوسط ، وإنما يكون عارضا في المطلوب ، مثل من بين [ ٣٠ أ] مساواة الزوايا لقائمتين في المثلث المتساوي الساقين . وهو قد نص أن هذا الغلط هو في الحد الأوسط . وقد بين أيضا أن الحمل في المطالب غير الأول هو مثل حمل الزوايا المساوية لقائمتين على المثلث المتساوي الساقين . فيبعد أن يكون يقصد إلى أن يذكر أنواعا خفية من الغلط تعرض في هذا الحمل ، ويضع أحدها النوع الذي به يفهم الحمل المضاد لهذا الحمل ، لأن من شان من يعرف شيئا ما ثم يتحفظ من أغاليط تقع في ذلك الشيء أن تكون تلك المواضع أخفى من ذلك الشيء الذي فهم منه ذلك المعني . وهذا الموضع هو أن يكون للشيء فصل واحد ينقسم إلى فصلين فيبين بأحد الفصلين وجود خاصة من خواص له ، لا بالفصل نفسه العام لهما . وذلك أن بيانه بالحد الأوسط الأول إنما هو بالفصل نفسه ، مثل من ترك أن يبين أن الإنسان مفكر ، من قيل أنه ناطق ، وبين أنه مفكر من قبل أنه ذو نطق علمي ، أو بين في الحيوان أنه مدرك من قبل أنه لامس ، لا من قبل أنه حساس . قال أرسطاطاليس : « ولو لم يكن مثلث إلا المثلث المتساوي الساقين ، لقد كان البرهان يقوم عليه من حيث هو متساوي الساقين . وقد كان يمكن أن يبين ببيان واحد أن كل الأعداد والخطوط والمجسمات إذا كانت متناسبة فهي بالتبديل متناسبة ، كما قد سبق من البيان في كل واحد منها على الانفراد . لكن لما لم يكن للأعداد والأبعاد والزمان شيء واحد يعمها ، وكانت أنواعها مختلفة - برهن كل واحد منها على انفراد . فظن حينئذ بأن البيان كلي ، وليس كذلك ، لأنه ليس لها بما هي خطوط وبما هي أعداد وإنما تكون كذلك لو كان الأمر العام لها معروفا بنفسه . » التفسير لما أخبر أن الموضع الذي نص فيه أنا لم نبين الكلي ، ونحن قد بيناه ، هو البيان على الشيء الذي ليس يوجد منه إلا شخص واحد - يريد أن يبين أن البرهان على أمثال هذه الشخوص ليس يقوم على الشخص ، وإنما على الطبيعة الموجودة في ذلك الشخص التي لو وجد من ذلك الموجود أكثر من شخص واحد لكانت تلك الطبيعة عامة لها وسارية فيها ، على جهة ما توجد الكليات في الأشخاص . ولذلك قيل في حد الكلي إنه الذي من شأنه أن يحمل على أكثر من واحد في طبيعته ، ولم يقل فيه إنه الذي يحمل بالفعل على أكثر من شخص واحد . فقوله : « ولو لم يكن مثلث إلا المتساوي الساقين ، لقد كان البرهان يقوم عليه من حيث هو متساوي الساقين » - يريد : وكما أنه لو لم يوجد من [ ٣٠ ب ] المثلثات المتساوية الساقين إلا مثلث واحد فقط يمكن أن يبرهن عليه أن زاويتيه اللتين على القاعدة متساويتان ، أو ما أشبه ذلك من خواصه ، وأن يكون البرهان يقوم عليه من حيث هو متساوي الساقين - كذلك الأمر في الأشياء التي ليس يوجد منها ألا شخص واحد ، ليس يمتنع أن يقوم البرهان عليها بما هو ذلك الشيء . مثال ذلك أن الشمس يقوم البرهان عليها أنها كذا وكذا جزءا من الأرض ، كما كان يقوم على الإنسان البرهان بأنه ناطق ، ولو لم يوجد منه إلا شخص واحد . ولذلك من أحس بشخص واحد من النوع فقط ، أمكن أن يقوم البرهان له عليه ، مثلما عرض لي في الزرافة فإني [لما] أحسست منها شخصا واحدا فقط ، وذلك عند سفري إلى البلاد الجنوبية . ولما بين أن البرهان الذي يكون على الأشياء التي لها شخص واحد برهان كلي ، وكان ذلك الظن الذي يقع فيه هو غلط ، أخذ يذكر أيضا السبب الذي من قبله لم يمكن البيان على الأشياء المختلفة أن يكون بيانا كليا ، وهي الأشياء التي يظن بها أن البيان عليها كلي ، مثل بيان المساواة للأعظام والأعداد والحركات والأزمة ، وكذلك التناسب ، فقال : « وقد كان يمكن أن يبين بيان واحد أن كل الأعداد والخطوط والمجسمات إذا كانت متناسبة فإنها إذا بدلت متناسبة ، كما قد سبق من البيان في كل واحد منها على الانفراد » - يريد : وقد كان يمكن أن نبين المناسبة والتبديل وغير ذلك من نظائر هذه المطلوبات لجميع الأشياء التي تبين لنا بيانا جزئيا : بيانا على طريق الكل أي أولا وبذاته ، كما كان يمكن أن يبين أمثال هذه المطالب لكل واحد منها على الانفراد إذا حققت هذه المطالب ، أي إذا بينت من الطبيعة المنسوبة إليها لو كان يوجد لهذه طبيعة واحدة مشتركة يقوم عليها البرهان بما هي طبيعة كذا . ثم قال : « لكن لما لم يكن للأعداد والأبعاد والزمان شيء واحد يعمها ، وكانت أنواعها مختلفة ، وبرهن كل واحد منها على انفراد ، فظن حينئذ بأن البيان كلي وليس كذلك » - يريد : لما لم يكن لهذه الطبائع المختلفة طبيعة واحدة عامة مشتركة وكانت مختلفة ، وبرهنت أمثال هذه المطالب لكل واحد منها على انفراد ، ظن أن البيان على كل واحد منها كلي وليس كذلك ، لأنه ليس المناسبة ولا المساواة محمولة على الخطوط بما هي خطوط ، ولا على الأعداد بما هي أعداد ، ولا على الأزمنة بما هي أزمنة . وفي أمثال هذه المقدمات مسألة عويص سنذكرها بعد . ويريد بقوله : « وإنما كان يكون ذلك كذلك ، لو كان الأمر العام لها معروفا » - أي موجودا ، لا أن هنالك أمرا عاما . [ ٣١ أ] قال أرسطاطاليس : « ولا أيضا إن بين إنسان في كل واحد من المثلثات على انفراده : أعني المتساوي الأضلاع ، والمتساوي الساقين ، وغير المتساوي الساقين زواياه الثلاث تعدل قائمتين ، يكون قد بين الكلي لأنه ليس يعلم أمر المثلث أن هذه حاله ، اللهم إلا إن يكون يعلمه على النحو السفسطائي . وعلى هذه الجهة لم يبين أن هذا المعنى بكل مثلث ، وأنه ولا مثلث من المثلثات خارج عن هذا المعنى ، من قبل أنا لم نعلم أن هذا للمثلث بما هو مثلث ، ولا أيضا لم يبق مثلث من المثلثات إلا وهذه ، صفته ، فإنما علم بطريق الاستقراء . فأما أن هذا للمثلث بما هو مثلث ، أو لم يبق مثلث من المثلثات إلا وهو بهذه الحال ، فلم يعلم . » التفسير لما بين أولا أن الحمل الأول هو المحمول الخاص الذي يحمل على الشيء من طريق ما هو ذلك الشيء ، لا من طريق طبيعة أخرى موجودة في ذلك الشيء ، وبين أوجه الغلط العارض في ذلك ، عاد إلى بيان النقصان الداخل على البيان الذي يكون للشيء لا على طريق الكل فقال : « ولا أيضا إن بين إنسان . . » إلى قوله : « قد بين الكلي » - يريد : وكما إن بين إنسان أن الأعداد المتناسبة إذا بدلت تكون متناسبة ، لم يبين الكل ، كذلك أيضا إن بين إنسان في كل واحد من أنواع المثلثات على انفراده ، أعني المتساوي الأضلاع ، والمتساوي الساقين ، والمختلف الأضلاع أن زواياه مساوية لقائمتين - يكون قد بين ذلك بيانا كليا ، أعني أولا وبالذات . ولما أخبر أن المبين هذا المعنى لواحد واحد من أنواع المثلثات على انفراده ليس مبينا ذلك على طريق البيان الكلي ، أتى بالدليل على ذلك فقال : « لأنه ليس يعلم أمر المثلث أن هذه حاله اللهم إلا أن يكون يعلمه على النحو السفسطائي » - يريد : وإنما لم يكن هذا البيان على طريق البيان الكلى الذي يعرف وجود الشيء للشىء الذي في طباعه وجوهره أن يوجد لذلك الشيء ، من قبل أن الذي عرف على حدة - أن زوايا المثلث المتساوي الساقين مساوية لقائمتين ، وعرف أيضا أن زوايا المختلف الأضلاع مساوية لقائمتين ، وعرف أيضا أن المتساوي الأضلاع بهذه الصفة - لم يعرف بالذات أن هذه الصفة ، أعني كون الزوايا مساوية لقائمتين هي موجودة بالطبع وأولا للمثلث ، لأنه لم يتبرهن ذلك عنده للمثلث بما هو مثلث ، ولا بوسط للمثلث بما هو مثلث ، فهو إن عرف هذا المعنى للمثلث من قبل معرفته لأنواع المثلث فإنما يعرفه للمثلث بالعرض ، وهو الذي أراد بقوله : « إلا أن يكون يعلمه على النحو السفسطائي » - ويشير أن ما بالعرض متجنب في البراهين . فإذن الذي لم يعرف الشي على طريق الكلي لم يعرفه [ ٣١ ب ] بالبرهان . ولما ذكر هذا النحو من نقصان المعرفة التي تلحق للبيان الذي ليس على الكل ، أخذ يذكر نحوا آخر أيضا من النقصان يلحقه ، فقال : « وعلى هذه الجهة لم يتبين بأن هذا المعنى لكل مثلث ، وأنه ولا - مثلث من المثلثات خارج عن هذا المعنى . .» إلى قوله : « إلا وهذه صفته » - يريد : والمستعمل لهذا النحو من البيان كما أنه لم يعرف من قيل هذا البيان ، أعني البيان الذي هو حد لواحد واحد من المثلثات فوجود هذا المعنى للمثلث إلا بالعرض ، كذلك لا يعرف أن هذا المعنى موجود لكل مثلث ، وأنه لم يبق مثلث من المثلثات إلا زواياه معادلة لقائمتين ، من قبل أنه لم يعلم أن هذا المعنى موجود للمثلث بما هو مثلث ، وهو العلم الذي من قبله يحصل أن كل مثلث بالذات بهذه الصفة . وإنما يكون عنده علم بهذا المعنى إن كان بطريق الاستقراء . وطريق الاستقراء غير مفيد بالذات للمحمول الذاتي الطبيعي الأول ، وهو الذي أراد بقوله : « فإنما علم بطريق الاستقراء » - فكأنه قال : وإنما قلنا إن الذي علم أن المثلث المتساوي الساقين مساوية زواياه لقائمتين ، وأن المختلف والمتساوي كذلك ، أنه لم يعلم وجود هذا المعنى لكل مثلث ، من قبل أن الذي يعرف هذا المعنى للمثلثات على هذا النحو من المعرفة فإنما يعرفه لكل مثلث بأن يستقرئ العلم الحاصل له من ذلك في جميع المثلثات . فإذا استقرئ ذلك في جميعها ، صح له من مجموع البراهين والاستقراء أن كل مثلث بهذه الصفة ، فلا يحصل ذلك عن البرهان ألا بالعرض ، بل لا يحصل له الكلية الطبيعية ، فإن الاستقراء ليس يفيد الحمل الذاتي إلا بالعرض ، على ما بيناه في كتاب « القياس » . ولذلك ما قال : « فأما أن هذا للمثلث بما هو مثلث ، وأنه لم يبق مثلث من المثلثات إلا وهو بهذه الحال فلم يعلمه » - وهذا النقص في المعرفة الذي ذكره في المحمول الذي يحمل على جنس الموضوع هو بعينه يلزم في المحمول الذي لا يحمل على جنس الموضوع ، إلا أنه أعم من الموضوع . وذلك أن من عرف المحمول لهذا الموضوع فلم يعرفه بالطبيعة التي يوجد لها هذا المحمول أولا وبالذات ، إلا أن عرف ذلك بالعرض . ولذلك ليس ينبغي أن تدخل في محمولات البراهين ما كان أعم من الموضوع ، وسواء كان ذلك المحمول يحمل على جنس ذلك الموضوع ، أو لا يحمل ، أعني حملا كليا . وإنما كان ذلك كذلك ، لأن « ما بالعرض » يقابل « ما بالذات » . فإن كانت البراهين إنما تكون من الحمل الذاتي ، وكانت الأقاويل السفسطائية إنما تكون من الحمل العرضي ، فواجب أن يكون البرهان لا يشوبه شيء مما بالعرض أصلا ، لا قريب ولا بعيد . وإذا كان هذا هكذا ، فكيف يقول أبو نصر في كتابه أن المحمولات البرهانية منها [ ٣٢ أ] ما هو خاص ، ومنها ما هو أول غير خاص ، ومنها ما هو لا أول ولا خاص . ولم عدل - ليت شعري ! - في كتابه عن طريقة أرسطو في اشتراط الحمل الكلي في البراهين ، أعني الذي يجمع الشروط الثلاثة المتقدمة ? ! فإن في ذلك موضع نظر وفحص عويص . وذلك أن هذا الشرط الذي اشترطه أرسطو ، أعني من أن يكون الحمل على الكل أن لم يكن عاما لجميع البراهين ، وإنما كان للبراهين التي في الغاية من التمام ، فقد نقصه أن يبين الحمل المشترك لجميع البراهين . وإن كان هذا الشرط عاما لجميع أنواع البراهين ، فقد أخطأ أبو نصر في إفصاحه أن محمولات البراهين منها خاص ، ومنها غير خاص ، ومنها أول ومنها غير أول . وإن كان هذا الشرط الذي اشترطه أرسطو إنما هو على جهة الأفضل ، لا شرطا ضروريا ،فقد كان يجب على أبي نصر أن يزيد هذا المعنى ، أعني أن يقول إن الشروط التي تشترط في الحمل البرهاني منها ما هي شروط ضرورية لا يخلو منها برهان أصلا ، ومنها شروط يكون البرهان بها أفضل ، ويعدد في الشروط التي بها البرهان أفضل : الحمل الكلي الذي ذكره أرسطو ، ويعدد في الشروط الضرورية أعني التي لا يكون برهان إلا بها - الشرطين الأولين فقط من الشروط التي يتضمنها الحمل الكلي ، أعني أن يكون المحمول على كل الموضوع وفي كل الزمان وأن يكون ذاتيا أولا . وإن كان الأمر هكذا ، فتمام القول في شرائط البرهان إنما هو أن تجمع الطريقتين ، أعني طريقة أرسطو ، وطريقة أبي نصر ، وتعرف أن هذه الطريقة هي من جهة الأفضل ، وأن تلك من جهة الضرورة . وأما أبو بكر بن الصائغ فإنه يقول في جواب هذا إن قصد أرسطو غير قصد أبي نصر . وذلك أن أرسطو لما كان قصده بالبراهين أن تكون حدودا بالقوة ، اشترط فيها هذا الشرط . وأبو نصر لما نظر في البرهان من حيث هو برهان وبإطلاق ، خالف شروط أرسطو . وهذا كأنه راجع إلى ما قلناه ، لأن البراهين التي هي حدود بالقوة هي ، لاشك ، أتم . فكان أرسطو - على مذهب أبي يكر بن الصائغ - أتى بالشروط التي يكون بها البرهان أفضل وأتم ، وسكت عن الضرورية . وأبو نصر بالعكس عرف الشروط الضرورية ، وسكت عن التي يكون بها البرهان أفضل . وعلى هذا فمد يلزم أن يكون كلا التعليمين ناقصا ، وأن يكون المفسرون - على كثرتهم وجلالهم - قد أغفلوا هذا المعنى . وأما أنا فاعتقدت زمانا طويلا أن الصواب هو الجمع بين التعليمين . ثم إني لما تبينت غرض البرهان بما هو برهان وفحصت عن ذلك ، تبين لي أن الصواب والحق هو الذي فعل أرسطو ، وأن الذي فعل أبو نصر خطأ . وذلك أنه إن كان البرهان [ ٣٢ ب ] بما هو برهان ليس يكفي أن تكون مقدماته صادقة فقط ، على ما نجدهم قد اجمعوا عليه ، بل وأن تكون - ذاتية ، وأن السبب في ذلك هو أن الصادقة الغير ذاتية هي صادقة بالعرض ، وأن ما بالعرض وإن كان صادقا فليس يصير منه الإنسان إلى معرفة طبيعة الشيء إلا بالعرض ، والغرض من البرهان في الأشياء الموجودة إنما هو أن يعلم الشيء العلم المطابق لعمل الطبيعة إياه ، كما أن البرهان في الصنائع هو العلم الذي يكون مطابقا لعمل الصناعة ، وإذا كان هذا هكذا - فمتى شاب البرهن شيء مما بالعرض - لمم يكن العلم بالشيء من قبله مطابقا لعمل الطبيعة ، ولا علم على ما هو عليه . وذلك هو حد اليقين . وبين أن بالذات الذي ليس بأول أنه يشوبه ما بالعرض . فإذن البراهين التي تكون مقدماتها محمولة حملا ذاتيا غير أول ليس العلم الحاصل عنها مطابقا للعمل ، لا في الأمور الصناعية ولا في الطبيعية . فإذن ليس ببرهان أصلا . لكن إن التزمنا أن البراهين إنما تكون مقدماتها محمولة حملا بهذا المعنى ، فقد يخرج من ذلك الجنس ، يعني أن يبين لشيء ما وجود جنسه . وذلك أن حمل الجنس على النوع ليس بأول على هذا المعنى . وإذا كان ذلك كذلك ، فكيف - ليت شعري ! - يقول هذا ثامسطيوس ! ! فإنا نجده يسلم أن الجنس داخل في هذا الحمل ، أعني حمل الجنس على النوع ، مع تسليمه أن المحمول الأول هو الذي حددناه - وذلك تناقض وأحسب أن هذا هو الذي دعا أبا نصر أن رسم المحمول الأول بخلاف رسم أرسطو ، أعني أنه الذي لا يحمل على جنس موضوعه ، وقال لمكان هذا في الجنس إنه محمول أول . والحق أن الجنس ليس بمحمول أول ، لأنه ليس يحمل على نوع من أنواعه بما هو ذلك النوع ، إذ كان الجنس يحمل على أكثر من نوع واحد . فإذن يجب أن يكون الجنس إنما يحمل حملا أولا على الطبيعة المساوية له . وتلك الطبيعة هي موضوع الصورة التي هي الجنس ، فإنه لا فرق في ذلك بين الجنس وغيره من المحمولات التي ليست خاصة بالموضوع ، ولأنه كما أن من عرف أن المثلث المتساوي الساقين مساوية زواياه لقائمتين لم يعرف ذلك للمثلث إلا بالعرض ، وهو الذي يحمل عليه هذا الوصف بما هو كذلك ومن عرف حمل الجنس على النوع لم يعرف الطبيعة التي الجنس محمول عليها بما هي تلك الطبيعة إلا بالعرض . وإذا كان الأمر في هذا واحدا ، فينبغي أن نطرح في البراهين حمل الجنس على النوع ، كما نطرح حمل خاصة الجنس على أنواع الجنس ، فإن قيل : فما هي الطبيعة الموضوعة لجنس الشيء ? قلنا : هيولاه الخاصة بالجنس . وذلك أن كل جنس فلا بد له من هيولى . مثال ذلك أن اللحم ، أو ما يقوم مقامه ، هي هيولي الحياة . [٣٣ أ] ويحتمل أن يدخل الجنس في المحمولات الأول إذا خصص ولم يطلق ، وذلك أن الإنسان - بما هو إنسان - حيوان هذا ، لا حيوانا مطلقا . قال أرسطاطاليس : « وقد ينبغي لنا أن نعلم متى يقع لنا العلم بأن المحمول ليس بكلي للموضوع ، ومتى يقع لنا العلم بأن المحمول كلي للموضوع - فنقول : إن المحمول يكون كليا للموضوع متى كان معنى المثلث والوجود له ، ومعنى المتساوي الأضلاع ، ومعنى واحد واحد من المثلثات - معنى واحدا : فأما إن لم يكن معنا هما معنى واحدا ، لكن معنى كل واحد منها غير معنى الآخر ، فإنا لا نعلم لأيهما هو كلي ، لكن نقول على الكل . » التفسير لما عرف أن الحمل الذي يشترط في هذا الكتاب هو الحمل الذي نسميه ها هنا : « الحمل الكلي » ، وهو الذي يجمع أن يكون كليا وذاتيا وأولا ، وعرف المواضع التي تغلطنا في ذلك - يريد أن يعرفنا - زائدا إلى ما بين من أمره - قانونا وسبارا به نعرف أن المحمول كلي ، إذا التبس علينا الأمر . فقوله : « وقد ينبغي أن نعلم متى يقع لنا العلم بأن المحمول ليس بكلي للموضوع ومتى يقع لنا العلم بأن المحمول كلي للموضوع » - يريد : وقد ينبغي أن يكون لنا قانون به نعلم أن المحمول . كلي ، أو ليس بكلي ، وذلك في المواضع التي يخفى فيها هذا المعنى . ولما عرف أنه ينبغي أن يكون عندنا قانون به يعرف أن المحمول كلي أو ليس بكلي ، وذلك في المواضع التي نجهل فيها هذا المعنى - أخذ يعرف المواضع التي لا يجهل فيها هذا المعنى من التي يمكن أن تجهل فيها ، فقال : « فنقول أن المحمول يكون كليا . . . » إلى قوله : « من المثلثات معنى واحدا » وكانت الألفاظ مترادفة والمعنى فيها واحد ، فإن المحمول هو كلي لذلك الموضوع ، مثل الحال فيه إذا كان محمولا على موضوعه باللفظ والمعنى . مثال ذلك أنه إن كان معنى المثلث ومعنى ما يوصف به المثلث : من تساوي الساقين أو اختلافهما - معنى واحدا في جميعها ، أعني كونه مثلثا وكونه متساوي الساقين ، ثم حملنا على المثلث المتساوي الساقين محمولا خاصا به ، مثل أن زواياه مساوية لقائمتين ، فإن هذا المحمول يعرف من أمره أنه كلي للمثلث . ولما عرف الموضع الذي يعلم أن المحمول كلي للموضوع فيه ، وهو أن يكون الموضوع واحدا باللفظ والمعنى ، أو واحدا بالمعنى كثيرا باللفظ - أخذ يعرف الموضع الذي يجهل ذلك فيه فقال : « فأما إن لم يكن معناهما معنى واحدا ، لكن معنى كل واحد منهما غير معنى الآخر ، فإنا لا نعلم لأيهما هو كلي ، لكن نقول على الكل » - يريد : فأما إن لم يكن الموضوع بسيطا وواحدا ، لكن [ ٣٣ ب ] مركبا من أكثر من معنى واحد ، وحملنا عليه محمولا خاصا به ضروريا ، فإنا لا نعرف لأي معنى من تلك المعاني هو كلي ، أي موجود له أولا وبالذات ، مثل أن نخبر أن المثلث المتساوي الساقين زواياه مساوية لقائمتين ، وكان ما يدل عليه المثلث غير ما يدل عليه المتساوي الساقين ، فإن مساواة الزوايا لقائمتين قد نجهل في هذه المقدمة لأي هذين المعنيين هو محمول حملا أولا . فهو يروم أن يعطى في أمثال هذه المواضع قانونا به تستنبط الصفة التي من قبلها كان الحمل أولا ، وذلك إذا كان الموضوع مركبا فيه من أكثر من معنى واحد إذا كانت تلك الألفاظ تدل على معنى واحد ، مثل أن يدل بلفظ المثلث ولفظ المتساوي الساقين في قولنا : المثلث زواياه مساوية لقائمتين - على معنى واحد مثل المختلف الأضلاع والمتساوي الساقين إذا قسنا بها المثلث . وهذا هو الذي أراد بقوله : ومعنى واحد واحد من المثلثات معنى واحدا أي يكون معنى المختلف الأضلاع ومعنى المتساوي الساقين ومعنى المثلث معنى واحدا . وقوله : لكن معنى كل واحد منهما غير معنى الآخر فإنا لا نعلم لأيهما هو كلي لكن نقول على الكل » - يريد : كما كان معنى المثلث غير معنى المتساوي الساقين ، فإنا قد نجهل لأيهما هو المحمول كلي إذا حملنا على المثل المتساوي الساقين محمولا . قال أرسطاطاليس : « لكنا نبحث ونقول : أترى هذا المعنى لأي شيء هو كلي : للمثلث بما هو مثلث ، أو بما هو متساوي الساقين ؟ وبالجملة ، متى يعلم الشيء الذي هو أول له ، والذي يقوم البرهان على أنه كلي له ؟ فنقول : إن الشيء الذي إذا ارتفعت سائر الأشياء وبقى ، بقى المحمول ببقائه ، وإذا ارتفع أرتفع لذلك ، يكون كليا ، يمنزلة المثلث المتساوي الساقين المعمول من نحاس ، المحكوم عليه بأن زواياه الثلاث مساوية لقائمتين فإنه أن رفعت منه أنه نحاس وأنه متساوي الساقين فإن المحمول يبقى ببقاء المثلث . إلا أنك متى رفعت منه أنه شكل وأنه ذو نهاية ، [74 b]* لم يبق المحمول ، غير أن ارتفاعه ليس هو من ارتفاع هذين فيحصل كليا له . فإذا كان هذا المعنى إنها هو كلي للمثلث ، فبتوسطه يوجد البرهان في المثلث ، والبرهان على طريق الكلي إنما هو له . » التفسير يقول : لكن إن كان معنى المثلث غير معني المتساوي [ ٣٤ أ] الساقين ، وحملنا عليهما محمولا خاصا ، فقد يعرض لنا أن نجهل لأيهما هو هذا المحمول محمول أول . فنبحث ونقول : أترى هذا المحمول هو أول للمثلث بما هو مثلث ، أو بما هو متساوي الساقين ؟ وبالجملة ، فنحتاج في هذا الموضع أن نعرف الشىء الذي له هذا المحمول أولا ، والذي يقوم البرهان على أنه أولي : هل هو المثلث ، أو المتساوي الساقين ؟ ولما عرف أن في أمثال هذه المواضع نحتاج أن يكون عندنا قانون وطريق به نعرف الشيء الذي حمل عليه المحمول حملا أولا ، وكان الطلب كليا - قال : « فنقول إن الشيء ، الذي إذا ارتفعت سائر الأشياء وبقى ، بقى المحمول ببقائه ، وإذا ارتفع ، ارتفع لذلك ، يكون كليا » - يريد : والصفة التي من قبلها كان حمل المحمول على الموضوع محمولا حملا أولا ، تعرف من بين سائر الصفات الموجودة في الموضوع بأنها الصفة التي إذا ارتفعت سائر الصفات ، أي توهمت مرتفعة وتوهمت هي باقية ، يعنى المحمول ، وإذا ارتفعت هي وبقيت سائر الصفات ارتفع المحمول ، فإنه لهذه الصفة التي في الموضوع يكون المحمول أولا . فقوله : « أن الشيء الذي إذا ارتفعت سائر الأشياء وبقى ، بقى المحمول ببقائه » - يعنى بالشيء : الصفة التي يوجد لها المحمول أولا ، ويعنى بسائر الأشياء : الصفات التي لا يوجد لها أولا ، وهي التي إذا ارتفعت وبقيت تلك الصفة ، لم يرتفع المحمول . فهنا إذن شرطان : أحدهما : أن تكون تلك الصفة هي التي إذا أنزلت موجودة وسائر الصفات مرتفعة ، وجد المحمول ، والتي إذا ارتفعت وبقيت سائر الصفات ، ارتفع المحمول . ثم أتى بمثال هذا القول فقال : « بمنزلة المثلث المتساوي الساقين المعمول من نحاس ، المحكوم عليه بأن زواياه الثلاث تعادل قائمتين » - يريد : إن هذا المثلث يوجد فيه ثلاث صفات : أنه مثلث ، وأنه متساوي الساقين ، وأنه من نحاس ، ويصدق على جميعها أن زواياه الثلاث مساوية لقائمتين ، وذلك أن من الصادق أن كل مثلث متساوي الساقين معمول من نحاس فزواياه الثلاث مساوية لقائمتين . ثم قال : « فإنك إذا رفعت منه أنه نحاس ، وأنه متساوي الساقين ، فإن المحمول يبقى ببقاء المثلث » - يريد : فإنك إذا رفعت من هذا الموضوع المركب من هذه الثلاث صفات : أنه نحاس ، وأنه متساوي الساقين ، ويبقى أنه مثلث يعنى أن زواياه مساوية لقائمتين ، أي يبقى هذا المحمول صادقا على الموضوع ، كما كان قبل أن ترتفع منه الصفتان . ثم قال : « إلا أنك متى رفعت منه أنه شكل ، وأنه ذو نهاية ، لم يبق المحمول . غير أن ارتفاعه ليس هو من ارتفاع هذين فيحصل كليا لهما » - هذا كأنه دفع لما عسى أن يعترض به معترض هذا القول . وذلك أنه لما [ ٣٤ ب ] وضع أن هذه الصفة هي التي إذا وجدت وارتفعت سائر الصفات ، وجد المحمول ، وإذا ارتفعت ، ارتفع المحمول كان لقائل أن يقول إنه إذا رفعنا من هذا المثلث الذي الكلام فيه أنه شكل وأنه ذو نهاية ، أي سطح ، فقد يرتفع المحمول وهو كون الزوايا مساوية لقائمتين . فقال إن الجواب عن ذلك أن ارتفاع المحمول عن ارتفاع أمثال هذه الصفات هو من قبل ارتفاع الصفة التي لها وجد المحمول عن ارتفاع هذه الصفات ، لا من قبل ارتفاع هذه . وذلك أنه إذا ارتفع أنه شكل ، ارتفع أنه مثلث . وإذا ارتفع أنه مثلث ، ارتفعت مساواة الزوايا لقائمتين . فإذن ارتفاع هذا المحمول عن ارتفاع السطح والنهاية ليس هو أولا ، وإنما هو من قبل ارتفاع المثلث الذي يرتفع المحمول بارتفاعه أولا . فلذلك لا بد أن يزاد في هذا الشرط بأن يقال : إنه إذا ارتفع ، وبقيت سائر الصفات ، ارتفع المحمول ، والذي إذا وجد وارتفعت سائر الصفات ، بقى المحمول . - فقوله : « غير أن ارتفاعه ليس هو من ارتفاع هذين » - يعنى أنه ليس ارتفاعه من قبل ارتفاع هذين أولا وبالذات ، بل من قبل ارتفاع المثلث بارتفاعهما ، لا من قبل ارتفاعهما فقط . فيكون هذا المحمول كليا للسطح والنهاية ، على ما شرطنا من وصف الشيء الذي يوجد له الحمل كليا . وقوله : « فإذا كان هذا المعنى إنما هو كلي فبتوسطه يوجد البرهان في المثلثات » - يريد : وإذا كان حمل الزوايا المساوية لقائمتين هو كلي للمثلث بما هو مثلث ، فبتوسط برهان هذا للمثلث يتبرهن هذا لجميع أنواع المثلثات . وقوله : « والبرهان على طريق الكلي إنما هو له » - يعنى : للمثلث . وأبو نصر قال في هذا الموضع الذي أعطاه في استنباط المحمول الأول : إنه موضع مقنع وليس ببرهاني ، وذلك في كتابه « في التحليل » . وذلك أنه زعم أن هذا الموضع يبطل بالأشياء التي لها أكثر من خاصة واحدة . وذلك أنه إذا ارتفعت إحدى الخاصتين ، ارتفعت الخاصة الأخرى ، وإذا وجدت ، وجدت - مثل العلم والضحك للإنسان . فإذا إذا ارتفع أنه ضحاك ، ارتفع أنه قابل للعلم . وإذا وجد أنه ضحاك ، وجد أنه قابل للعلم . وليس حمل الضحاك على القابل للعلم حملا أولا ،إذ كان حملا بالعرض . وإنما غلط أبا نصر أنه ظن بأرسطو في هذا الموضع أنه استعمل موضع الوجود والارتفاع المطلق . وليس الأمر كذلك ، وإنما استعمله أرسطو بتقييد ، وذلك أنه قال أن المعنى الذي يوجد له الحمل الكلي من جميع المعاني الموجودة في الموضوع هو المعنى الذي إذا وجد وارتفعت سائر المعاني التي في الموضوع ، بقى المحمول موجودا له . وإذا [ ٣٥ أ] ارتفع وبقيت سائر المعاني الموجودة في الموضوع ، ارتفع المحمول . وإذا اشترط في الارتفاع والوجود هذان الشرطان ، كان الموضوع برهانيا ولا بد . وذلك أنه ليس يجب إذا ارتفع الضحاك ووجدت سائر المعاني في الإنسان - أن يرتفع القبول للعلم . وذلك أنه إذا وجد النطق ، وجد القبول للعلم . وكذلك ليس يلزم إذا وجد الضحاك وارتفعت سائر المعاني الموجودة للإنسان ، أن يوجد القبول للعلم . ولذلك إذا استعمل هذا الموضع بهذين الشرطين ، كان برهانيا - وهو الذي ذهب على أبي نصر من غرض أرسطو .

٦ - < مقدمات البرهان ذاتية وضرورية >

Shafi 253

قال أرسطاطاليس : « وإن كان البرهان من مقدمات ضرورية من قبل أن المعلوم الذي يعلمه الإنسان غير ممكن أن يكون بخلاف ما هو عليه ، والأمور الضرورية هي الأمور الذاتية ، وهذه على ضربين : أحد الضربين هو المحمولات المأخوذة في حدود الموضوعات ، والضرب الآخر هو أحد المتقابلين من المحمولات المأخوذة موضوعاتها في حدودها - فمن البين أن البرهان إنما يكون من الأمور الذاتية ، وذلك أنه ليس يخلو أن يكون : إما من الأمور الذاتية ، وإما من الأمور العرضية . إلا أن الأمور العرضية ليست ضرورية. » التفسير لما عرف خواص الحمل الضروري ، وهو كون المقدمات ذاتية وأولا ، يريدها هنا أن يبين أن مقدمات البرهان يجب أن تكون < بذاتها > ويجعل مبدأ البيان في ذلك أن مقدماته البراهين ضرورية - فقال : « وإن كان البرهان يجب أن يأتلف من مقدمات ضرورية ، من قبل أن الذي يعلمه الإنسان بالبرهان ، وهي النتيجة ، هي ضرورية ، إذ كان غير ممكن أن تكون بخلاف ما هي عليه ، وكانت النتيجة الضرورية إنما يحصل علمها بالذات ، أي كونها ضرورية ، عن مقدمات ضرورية . والمقدمات الضرورية ذاتية . فقد يجب أن تكون مقدمات البرهان ذاتية . ولما كانت الذاتية صنفين : الصنف الذي يؤخذ المحمول فيها في حد الموضوع ، والصنف الذي يؤخذ الموضوع < فيها > في حد المحمول ، فمن البين أنه يجب أن تكون مقدمات البراهين أحد هذين الصنفين من الذاتية . وأنما قال إن الضرب الأخر هو أحد المتقابلين من المحمولات المأخوذة من موضوعاتها في حدودها ، لأن الأغراض الذاتية التي هي أعم من الموضوع هي أبدا متقابلة. وقوله : « وذلك أنه ليس يخلو أن يكون إما من الأمور الذاتية ، وإما من الأمور العرضية ، إلا أن الأمور العرضية ليست ضرورية » - هو قياس غير القياس الأول الذي بين به أن مقدمات البرهان يجب أن تكون ضرورية . وذلك أن القياس الأول وضع فيه أن مقدمات [ ٣٥ ب ] البراهين يجب أن تكون ضرورية ، من قبل أن نتائج البراهين يجب أن تكون ضرورية . ثم وضع أن الضرورية ذاتية . وأما هذا القياس فإنه وضع فيه أن مقدمات البراهين ضرورية ، ثم قال : « ومقدمات البراهين ليس تخلو أن تكون ذاتية أو عرضية » ثم استثنى أنها ليست عرضية ، من قبل أن البرهان مقدماته ضرورية ، والعرضية ليست بضرورية . وتأليف القياس الذي أنتج هذا المستثنى هو في الشكل الثاني . وهذا البيان مؤلف من شرطين : منفصل وحملى في الشكل الثاني ، والأول من أقيسة حملية يأتلف هكذا : نتائج البرهان ضرورية . والنتائج الضرورية تصدر عن مقدمات هي ضرورية . فينتج أن مقدمات البراهين يجب أن تكون ضرورية . ثم تؤخذ هذه النتيجة ، وهي أن مقدمات البراهين ضرورية ، ويضاف إليها أن الضرورية : ذاتية . فينتج عن ذلك في الشكل الأول أن مقدمات البراهين ذاتية . وفي هذه المقدمات شك ، وذلك أنه قد يشك في البرهان الأول في المقدمة المأخوذة فيه وهي أن كل ضرورية ذاتية . وذلك أنه يرى كثير من الناس أن هاهنا أشياء ضرورية ليست بذاتية ، مثل وجود البياض للثلج ، والسواد للقار ، ومثل حمل الضحاك على الذي يبيع ويشترى . وبالجملة ، حمل الخواص بعضها على بعض هو ضروري وليس بذاتي . ولذلك قال أبو نصر في « البرهان » : والضرورية هاهنا إنما يعني بها الضرورية الذاتية » - فنقول نحن إن الضرورية تقابلها الممكنة . والضرورية منها ضرورية بالذات . فالضرورية التي بالعرض هي ممكنة بالذات . وأما الضرورية بالذات فليست ممكنة إلا بالعرض . فحمل الخواص بعضها على بعض هو ضروري بالعرض ممكن بالذات . وكذلك حمل البياض على الثلج ، والسواد على القار . فإن كان الواجب ألا تعد مع المقدمات الضرورية - الضروريات بالعرض ، لأن بالعرض ليس ينظر فيه ، فواجب أن تكون كل ضرورية ذاتية ، أي كل ضرورية بالذات ذاتية . وكذلك المقدمة المأخوذة في البرهان ، وهي أن كل ما هو ضروري ليس بعرضي إنما يصدق على التي بالذات ، وهي التي أراد أرسطو . وينبغي أن نعلم أن الضرورية بالذات إنما تؤخذ في المحمول الأول فقط ، وهو أن يكون المحمول ضروريا للموضوع ، والموضوع ضروريا للمحمول . وهذا ليس يوجد في حمل الجنس على النوع ، وذلك أن الجنس ضروري للنوع ، والنوع ممكن له . وإنما يوجد في حمل الحد والفصل ، والأعراض الذاتية الأول . قال أرسطاطاليس : « فإما أن نكتفي في البيان على أن مقدمات البراهين ضرورية ، بما قيل ، وإما أن نبتدئ ابتداء آخر ونقول أن نتيجة البرهان هي ضرورية غير مستحيلة ولا متغيرة . والبرهان الكائن عليها غير ممكن بخلاف ما هو عليه . فإذا كان هذا هكذا ، فالمقدمات التي منها يكون البرهان هي ضرورية غير مستحيلة [ ٣٦ أ] ولا متغيرة ، سوى أن الإنسان قد يمكنه أن يقيس من مقدمات صادقة ، إلا أنه لا يكون منها برهان . فأما أن يبرهن ، فلا يمكن إلا من مقدمات ضرورية ، من قبل أن خاصة البرهان إنما هو أن يكون من أشياء ضرورية . » التفسير لما وضع أن مقدمات البرهان يجب أن تكون ضرورية ، من قبل أن النتائج البرهانية هي ضرورية ، وأنتح من ذلك أن مقدمات البرهان هي ذاتية ، وكان اتصال المقدم بالتالي في القياس الشرطي القائل إنه إذا كانت النتيجة ضرورية ، أنه يجب أن تكون المقدمات ضرورية - فيه بعض خفاء ، وكان قد وضعه في القياس الشرطي على أنه معروف بنفسه - قال : « فإما أن نكتفي - في البيان على أن مقدمات البرهان ضرورية - بما قيل ، وإما أن نبتدئ ابتداء آخر فنقول » - يريد : إنه إن كان ما قيل قد يمكن أن يكون غير واضح عند بعض المتعلمين ، فقد ينبغي أن نزيد في بيان ذلك . وقوله : « ونقول إن نتيجة البرهان . . » إلى قوله : . . . غير متغير » - يريد أنه لما كان من الأصول الموضوعة لنا هاهنا أن نتيجة البرهان هي غير ممكنة أن تكون بخلاف ما هي عليه ، بل هي أزلية غير مستحيلة ولا متغيرة ، وكان أيضا من الموضوع لنا المعروف بنفسه أن البرهان الذي يحصل لنا من قبله هذا النحو من العلم بالذات يجب أن يكون ولا بد بهذا النحو من الوجود ، أعني غير مستحيل ولا متغير ، ولا بالجملة يمكن أن يكون بخلاف ما هو عليه ، فإن البرهان لما كان سببا لهذا النحو من العلم فقد يجب أن يكون هو أحق بذلك المعنى ، لأن كل ما كان سببا لشيء فهو أحق بذلك المعنى الذي كان له سببا . مثال ذلك أن النار إن كانت سببا لسائر الأشياء الحارة فهي أحق بالحرارة . وكذلك البراهين إن كانت سببا للعلم الضروري ، فهي أحق بأن تكون معلومات ضرورية . ولما كان القياس إنما يلحقه الإمكان من قبل مقدماته ، لأن اللازم عنه هو ضروري ، فقد يجب أن يكون القياس المعطى العلم الضروري يعطيه من وجهين : من قبل ، شكله ، ومقدماته . وإذا كان هذا هكذا ، فواجب أن تكون مقدمات البرهان ضرورية . وقوله : « سوى أن الإنسان قد يمكنه . . . » إلى آخر ما كتبناه ، هو إشارة منه إلى أن القياس بشكله ليس يفيد كون النتيجة ضرورية . وإنما الذي يفيد شكله أن الانتاج ضروري . ولذلك قد يمكن الإنسان أن ينتج من مقدمات صادقة غير ضرورية نتيجة صادقة إما ضرورية ، وإما غير ضرورية . أما غير ضرورية : فبالذات ، وأما ضرورية : فبالعرض . وكيفما كان ، فهذا النحو من القياس ليس برهانا . قال أرسطاطاليس : « وقد تبين أن مقدمات البرهان ضرورية ، من أنه قد [ ٣٦ ب ] يمكن المعاند أن يعاند الذين توهموا أنهم قد برهنوا على مطلوب ما من المطالب ، بأن يريهم أن البرهان الذي برهنوا به ليس مقدماته ضرورية ، أو يمكن أن يبين ذلك المطلوب بغير تلك المقدمات ، أو أنها مأخوذة من اللفظ ، أي جدلية . » التفسير هذه حجة مشهورة على أن مقدمات البرهان يجب أن تكون ضرورية وهو أن المعاندين قد يعاندون الذين يتعاطون البرهان بأن يروهم أن البرهان الذي أتوا به ليست مقدماته ضرورية . وقوله : « أو يمكن أن يبين ذلك المطلوب بغير تلك المقدمات » - إن كان أراد أنهم يعاندونهم بهذا المعنى ، كما يعاندونهم بأن ذلك المطلوب الذى برهنوا عليه قد يمكن أن يبين بغير تلك المقدمات ، فقد يطن أن هذا قول معترض . وذلك أنه قد يمكن أن يبرهن الشيء بأكثر من برهان وأحد . ولكن ليس الأمر كما يظن . فإن البرهان إن كان من المقدمات الأول التي هي الأسباب التي منها تقومت طبيعة ذلك الشيء الذي طلب برهانه ، وكان الشيء الواحد إنما يكون عن أسباب واحدة ، فقد يجب أن يكون البرهان واحدا ، كما يجب أن يكون الحد واحدا . وهذا البرهان هو البرهان المطابق لعمل الطبيعة . فإن كان البرهان هو الذي من قبله يعمل الشيء ، فقد يجب ألا يكون للمطلوب إلا برهان واحد . وذلك بين جدا في الصنائع العملية . ولذلك كانت البراهين ولا بد حدودا بالقوة على ما سيبين بعد . وقوله : « وأنها مأخوذة من اللفظ ، أي جدلية » - يريد أن البرهان يناقض من قبل أن مقدماته ليست ضرورية ، كما يناقض بكون مقدماته جدلية ، وكون ذلك المطلوب يمكن بيانه ببرهان آخر من جنسه . قال أرسطاطاليس : « وقد ظهر وبان من هذه الأشياء أن الذين يظنون عند أخذهم مقدمات البرهان من الأمور المشهورة أنهم قد أصابوا - هم قوم بله ، مثل ما يفعله السفسطائيون عندما يبينون أن الذي له العلم يعلم ما هو العلم ، لأنه إن كان ليس يكفى في كونها مبدءا للبرهان أن تكون صادقة إلا وأن تكون مناسبة وأولية للجنس الذي عليه البرهان ، فكم بالحرى لا يكفي - في أن تكون برهانية - كونها مشهورة ! » التفسير يقول : وقد بان وظهر < من اجل > أن مقدمات البراهين يجب أن تكون ضرورية - أن الذين يعتقدون أنه يكفي في مقدمات البرهان أن تكون مشهورة فقط هم قوم بله . وذلك أنه إذا لم يكف فيها أن تكون صادقة بل وأن تكون مع ذلك ضرورية ، فكم بالحري ألا يكفي فيها أن تكون مشهورة . لأن كثيرا من المشهورات غير صادقة . وإنما شبه فعلهم [٣٧ أ] بفعل السفسطائيين ، وهم الذين يموهون في الكاذب أنه صادق ، لأن السفسطائيين كما يدلسون في صفة من صفات مقدمات البراهين ، وهي كونها صادقة ، فيموهون إذا كانت كاذبة أن المقدمات صادقة فكذلك فعلهم وفعل السفسطائي واحد بالجنس ، لأن كليهما دلس في الصادق . وإنما الفرق بينهما أن الكذب الذي دلس فيه السفسطائي هو كلي وأكثري ، والذي دلس فيه من زعم أنه يكفي في الصادقة أن تكون مشهورة هو كذب جزئي . وذلك أنه ليس يعرض للمقدمات المشهورة أن تكون كاذبة بالكل . وقوله : « عندما يبينون أن الذي له العلم يعلم ما هو العلم » - مثال لقول السفسطائية مأخوذ من المشاغبة ، وهو الاشتراك الذي يكون من قبل تركيب اللفظ ، وهو يأتلف هكذا : الذي له العلم بشيء ما - فهو يعلم الشيء الذي له العلم به الشيء الذي له العلم به هو العلم فإذن الذي له العلم بشيء ما - له العلم بالعلم . ووجه التغليط أن قول القائل : « ومن له العلم يعلم الشيء الذي له العلم » يمكن أن يعود الضمير في « له » على العلم وعلى المعلوم . وهو صادق على المعلوم ، كاذب على العلم . فيوهم السفسطائي لاشتراك اللفظ أنه صادق على العلم ، فيلزم فيه أن يكون الذي يعلم شيئا ما يعلم ما هو العلم . وقوله : « مناسبة » - يعنى به أن يكون من طبيعة الجنس المنظور فيه . وقوله : « وأولية للجنس » - يعنى أن تكون محمولة عليه هي ومقابلتها ، إن كان المحمول فيها عرضا على الجنس من طريق ما هو . فإن كان ليس بعرض فيكون محمولا خاصا ، والمناسبة على ظاهر مذهب أرسطو هي الذاتية . وأما أبو نصر فإنه يرى أن من الذاتية ما ينقسم بها جنس جنس الصناعة . وقد تكلمنا في هذا فيما سلف ، وسنتكلم فيه فيما بعد . قال أرسطاطاليس : « وقد يظهر أن البرهان من مقدمات ضرورية ، من قبل أن الذي ليس عنده العلم بالعلة التي من أجلها الأمر الذي قد أحضر عليه البرهان ، فليس مثل أن يظن أنه قد علم أن « أ» مأخوذة ل « ج » من الاضطرار بوسط « ب » . والوسط الذي به علم ليس بضروري ، فإن لم يعلم بالعلة ، من قبل أن علمه أن المحمول للموضوع من الاضطرار لم يكن من قبل الوسط ، وذلك أن الوسط قد يمكن أن يرتفع والنتيجة ضرورية . » التفسير يقول : إن الذي يعلم بوسط غير ضروري ، وجود محمول ما لموضوع ، فهو ضرورة ليس يعلم وجود ذلك المحمول للموضوع بعلته ، لأن الذي يعلم بالعلة فقد علم ضرورية النتيجة من قبل الوسط . والذي علم بوسط غير ضروري ، فلم يعلم ضرورية النتيجة من قبل الوسط ، إن كان الوسط ممكنا . فيلزم عن هاتين [٣٧ ب ] المقدمتين في الشكل الثاني : أن الذي يعلم بوسط غير ضروري فليس يعلم بالعلة . فإذا أضيف إلى هذه النتيجة أن البرهان يعلم بالعلة ، أنتج عن ذلك في الشكل الثاني أيضا أن الذي يعلم بوسط غير ضروري فليس يعلم بالبرهان . فإذا كان الذي يعلم بالبرهان إما أن يعلم بوسط ضروري ، أو بغير ضروري ، وكان الذي يعلم بوسط غير ضروري فليس يعلم بالبرهان ، فواجب أن يكون الذي يعلم بالبرهان يعلم بوسط ضروري . وقوة هذا القول قوة قياس شرطي : فقوله : « من قبل أن الذي ليس عنده علم بالعلة التي من أجلها الأمر الذي قد أحضر البرهان عليه فليس يعلم » هي نتيجة القياس الثاني . وقوله : « فإن هذا لم يعلم بالعلة ، من قبل أن علمه . . . » إلى آخر الفصل : هو بيان المقدمة القائلة إن الذي يعلم بوسط غير ضروري في نفسه لم يعلم بالعلة ، أعني نتيجة القياس الأول . وتأليفه هو هكذا : الذي يعلم بالعلة يعلم أن المحمول للموضوع بالضرورة من قبل الوسط . والذي يعلم أن المحمول موجود بالضرورة من قبل وسط غير ضروري ليس يعلم أن المحمول موجود بالضرورة من قبل الوسط . وقوله : « وذلك أن الوسط قد يمكن أن يرتفع والنتيجة ضرورية » - هو بيان للمقدمة القائلة إن الذي يعلم بوسط غير ضروري ليس يعلم أن المحمول للموضوع ضروري من قبل الوسط ، وذلك أن الوسط يرتفع والعلم باق . وما يحصل العلم الضروري من قبله ليس يصح أن يرتفع ويبقى العلم . قال أرسطاطاليس : « ومع هذا فإن كان الإنسان يعلم بوسط ليس هو ضروري فيكون القياس حاضرا والإنسان باق ، والنتيجة التي قد بينت بالقياس ، باقية ولم تبين فلم يتحصل العلم من قبل أن الأوسط قد يمكن ارتفاعه . وإذا كان الأمر في بقاء القياس والقائس والمطلوب المبين وفقد العلم ، فيكون المطلوب غير معلوم ولا فيما تقدم أيضا ، لا ولا إن كان الوسط غير مرتفع ، لكنه يمكن أن يكون مرتفعا ، يعلم الشيء بالبرهان . لكن يقع العلم به على أنه ممكن ، لا على أنه غير ممكن أن يقع العلم بما هذه صورته ، إذ ليس يمنع مانع من أن يكون الحد الأوسط ليس بضروري والنتيجة ضرورية ، من قبل أنه قد يمكن أن نقيس على نتيجة ضرورية من مقدمات ليست ضرورية . » التفسير إذا كان الحد الأوسط إنما يعلم من أمره أنه موجود فقط ، سواء كان بهذه الحال في نفسه أو كان ضروريا ولم نعلمه نحن ، فليس يفيد من العلم بالنتيجة سوى أنها موجودة فقط . فإن كان من طبيعة الممكن ، أمكن أن يرتفع الحد الأوسط ولا نشعر نحن بارتفاعه ، فيكون القياس عندنا موجودا بالفعل ، والعلم بالنتيجة غير [ ٣٨ أ] موجود ، لأن الذي يكون عندنا من العلم بالنتيجة هو ظن فقط ، لا علم . فلذلك يعرض ما قال ، وهو أن الإنسان متى علم شيئا بوسط هو غير ضروري - أن يكون القياس موجودا بالفعل ، والقائس باق ، والنتيجة التي تبينت بالقياس باقية ، وهي غير بينة الصدق . وذلك أنه إن فسد الحد الأوسط ولم نعلم نحن بفساده ، عرض أن يكون العلم ظنا . ولذلك قال : « فلا يتحصل العلم من قبل أن الأوسط قد يمكن ارتفاعه » . وقوله : « وإذا كان الأمر في بقاء القياس والقائس والمطلوب وفقد العلم ، فيكون المطلوب غير معلوم ولا فيما تقدم » - يريد : فيكون المطلوب غير معلوم لنا في وقت فساد الحد الأوسط ، وإن كنا نحن نظن أنه معلوم لنا ، من قبل أنه ليس عندنا علم بفساد الحد الأوسط . وقوله : « ولا فيما تقدم » - يريد : أن المطلوب ليس يكون معلوما لنا عند وقت وجود الحد الأوسط بالحقيقة ، إذ كان هذا العلم يمكن أن يعود ظنا . ولما أخبر بما يعرض من تغير هذا العلم في وقت ارتفاع الحد الأوسط ، ذكر أيضا وهنه في وقت وجوده ، فقال : « لا ولا إن كان الأوسط غير مرتفع ، لكنه يمكن أن يكون مرتفعا ، يعلم الشيء بالبرهان » - يريد : أن مثل هذا الوسط إنما يعطى في حال وجوده من العلم بالنتيجة أنها موجودة فقط ، لا أنها ضرورية ، وهو الذي يعطيه البرهان . فكأنه قال : ولا إن كان الوسط غير مرتفع ، لكنه قد يمكن أن يرتفع ، يحصل من قبل هذا الوسط العلم بالشيء على طريق العلم الحاصل عن البرهان . ولما كان قد يمكن أن يحصل عن مثل هذا الوسط علم ضروري بالعرض - قال : لكن يقع العلم به على أنه ممكن ، لا على أنه غير ممكن أن يقع العلم بما هذه صورته » - يريد : لكن قد يقع من قبل مثل هذا الحد الأوسط علم ضروري بالعرض ، إذ كان ذلك ممكنا ، لأنا لسنا نريد بقولنا إنه لا يقع العلم به أن ذلك غير ممكن أصلا ، بل إنما نريد أنه لا يقع العلم به بالذات ، إذ ليس يمنع مانع ، كما قال ، من أن يكون الحد الأوسط ليس بضروري ويكون العلم بالنتيجة ضروريا . والمفسرون يمثلون في هذا الموضع بقول القائل : كل إنسان يمشي . وكل من يمشي حيوان فتكون النتيجة ضرورية وهي أن : كل انسان حيوان . والمقدمة الصغرى ممكنة ، وهي قولنا : « كل انسان يمشي » . وإنما يعرض هذا في القياس متى كانت المقدمة الكبرى ضرورية ، وكان معنى المقول فيها على الكل صادقا في كل المواد ، أعني أن يكون « أ» مثلا بالضرورة محمولا على كل ما يوصف ب « ب » ، سواء كان وصف إمكان ، أو وجود ، أو ضرورة . فإنه إذا قرن بمثل هذه المقدمة أي مقدمة كانت : ضرورية أو ممكنة أو موجودة بالفعل ، كانت النتيجة ضرورية ، كالحال في المثال المتقدم . وإنما قيل [ ٣٨ ب ] في هذا أنه بالعرض ، لأنه ليس كل حمل ضروري يوجد فيه هذا المعنى . ولذلك لم يجعل أرسطو في هذا النحو من الاختلاط جهة النتيجة فيه تابعة لجهة المقدمة الكبرى ، على ما ذكره في كتاب « القياس » ولخصنا نحن مذهبه في ذلك الموضع . وأما إذا كانت الكبرى ممكنة ، فليس يصح أن تكون النتيجة ضرورية من مقدمات ليست ضرورية ، أعني متى كانت المقدمة الكبرى ضرورية بذلك الشرط . قال أرسطاطاليس : [75 a] * فأما متى كان الحد الأوسط ضروريا ، فإن النتيجة ضرورية أيضا لا محالة دائما ، كما أنه متى كانت المقدمة صادقة ، تكون النتيجة صادقة لا محالة ، مثل أن يكون « أ» على « ب » من الاضطرار ، و« ب » على « ج » من الاضطرار . فإذن « أ» على « ج » من الاضطرار . فإن لم تكن النتيجة ضرورية ، فلا . والمقدمات تكون ضرورية ، وإلا فلتكن النتيجة وهي « أ» على « ح » ليس من الاضطرار . ومقدمتنا « أب » « ب » « ح » ضروريتان . والنتيجة عن هذا ضرورية ، إلا أنه قد وضعت غير ضرورية . وهذا محال . » التفسير لما بين أنه إذا كان الحد الأوسط ليس بضروري فإنه ليس : يجب أن تكون النتيجة ضرورية بالذات ، بل إن كان فبالعرض ، يريد أن يبين عكس هذا وهو أنه إذا كان الحد الأوسط ضروريا ، أعني مقدمتي القياس ، فإن النتيجة تكون ضرورية . فقوله : « فأما متى كان الحد الأوسط ضروريا » - يعنى للطرفين ، وذلك بأن تكون مقدمتا القياس ضروريتين . وقوله : « فإن النتيجة تكون ضرورية لا محالة دائما ، كما إنه متى كانت المقدمات صادقة تكون النتيجة صادقة لا محالة » - يريد : أن الحال في كون جهة النتيجة تابعة بالذات لجهتي المقدمتين هو شبيه بكون صدق النتيجة تابعة بالذات لصدق المقدمتين ، إذ كان كلاهما كيفية . وإنما أراد بذلك أن البرهان عليهما واحد . وقد تبين في كتاب « القياس » أنه إذا كانت المقدمتان صادقتين فإن النتيجة لابد تكون صادقة. وبمثل ذلك يبين أنه إذا كان المقدمتان ضروريتين فإن النتيجة تكون ضرورية . وذلك بين في القياس : أما في الشكل الأول فمن معنى المقول على الكل ، وأما في الثاني والثالث فبردهما إلى الشكل الأول وسائر الوجوه التي قيلت هنالك . والمثال الذي أتى هو به هو في الشكل الأول . ولما قال إنه إذا كانت المقدمتان ضروريتين فإن النتيجة تكون ضرورية ، أخبر أنه يلزم عن هذا [ ٣٩ أ] الاتصال أنه إذا لم تكن النتيجة ضرورية فإن المقدمات ليست تكون ضرورية ، فقال : « فإن لم تكن النتيجة ضرورية ، فلا ، والمقدمات تكون ضرورية » . ثم بين ذلك بطريق الخلف وهي الجهة التي نبين بها أن استثناء مقابل التالي يلزم منه رفع المقدم ، فقال : « وإلا فلتكن النتيجة ، وهي أعلى ح ليست من الاضطرار ، ومقدمتا أب ، ب ح ضروريتان ، والنتيجة عن هاتين ضرورية ، إلا أنها قد وضعت غير ضرورية ، وهذا محال » - يريد : وإلا فلتكن النتيجة في القياس المتقدم الذي فرضنا مقدمتيه ضروريتين : غير ضرورية ، فأقول إن المقدمتين أو إحداهما تكون ولا بد غير ضرورية . مثال ذلك أنه إذا حملنا أعلى ب ، وب على ج وكانت النتيجة أعلى ج - فأقول إن أعلى ج إن لم تكن ضرورية فإنه لا تكون المقدمتان ضروريتين . برهان ذلك : أنه إن كانت المقدمتان ضروريتين لزم أن تكون النتيجة ضرورية ، على ما تبين في كتاب « القياس » ، وقد فرضت غير ضرورية - هذا خلف لا يمكن ، وما لزم عنه المحال فهو محال ، وهو ما وضعنا من كون النتيجة غير ضرورية والمقدمتان ضروريتان . وإنما أراد أن يعرف بهذا أنه ليس يلزم إذا كانت النتيجة ضرورية أن تكون المقدمتان ضروريتين ، لأنه لو لزم ذلك ، للزم أن يستثنى في القياس الشرطي : التالي بعينه ، فينتج المقدم نفسه . وهذا بعينه يعرض للنتيجة في الصدق مع المقدمات ، أعني أنه إذا كانت المقدمات صادقة ، فالنتيجة صادقة . وليس ينعكس هذا ، أعني إذا كانت النتيجة صادقة أن تكون المقدمات صادقة ، بل الذي يلزم أنه إذا لم تكن النتيجة صادقة أن يكون في المقدمات كذب . وهذه كلها أشياء قد فرغ منها في كتاب « القياس » ، وإنما ذكر بها هاهنا فقط . قال أرسطاطاليس : « فأما إن علم انسان أمرا ما بالبرهان ، فواجب أن يكون العلم به ضروريا . وإذا كان هذا هكذا ، فواجب أن يكون الوسط الذي به يعلم الشيء بالبرهان ضروريا . فإن لم يقع العلم بالشيء بوسط هو ضروري ، لم يعلم الشيء لا « لم هو » ، ولا « أنه » . لكن الذي يعلمه على هذا الحال هو على أحد وجهين : إما أن يظن ظنا أنه يعلم وهو لا يعلم ، إذا كان يتظنن بالشيء الذي ليس بضروري أنه ضروري ، أو لا يظن ولا ظن سوى علم الشيء أنه موجود ، أو لم هو ، بأوساط كثيرة أو بوسط واحد . » التفسير قوله : « فأما إن علم إنسان أمرا ما بالبرهان فواجب أن يكون العلم به ضروريا » - يقول : فقد ظهر أنه وضعنا أنه قد علم شيئا ما بالبرهان أنه واجب أن يكون العلم به ضروريا ، وهذا هو العلم الذي لا يتغير إلى الظن . فواجب أن يكون الوسط الذي من قبله [٣٩ ب ] يحصل هذا العلم لنا ضروريا ، وأن يكون أعرف في هذا المعنى ، لأن كل وصف يحصل من قبل شيء ما ، فذلك الشيء أحق بتلك الصفة من ذلك الشيء ، أعني الصفة التي حصلت للمسبب من قبل المسبب . ثم قال : « فإن لم يقع العلم بوسط ضروري ، لم يعلم لا « لم هو » ولا « أنه » - يريد : فإن لم يحصل العلم للناظر في الشيء بوسط هو ضروري ، بل بوسط غير ضروري ، لم يحصل لذلك الناظر علم بذلك الشيء : لا علم بسببه إن كان المطلوب منه سببه ، ولا علم بوجوده إن كان المطلوب وجوده فقط ، ولا علم بكليهما إن كان المطلوب كليهما . وإنما أراد أن الذي يعلم الشيء بوسط غير ضروري ، لم يحصل من أنواع البراهين : لا برهان « لم » ولا برهان « أن » ، أعني لا برهان الوجود ، ولا برهان السبب ، ولا البرهان المطلق الذي جمع الأمرين جميعا . وإنما كان ذلك لأن البراهين المطلقة وبراهين الأسباب إنما تكون من قبل الأسباب ، والأسباب ضرورية . فمن حصل له العلم بسبب غير ضروري ، فلم يحصل له العلم بسبب الشيء . ومن حصل له بالوجود فقط ، فإنما حصل له ذلك من قبل الأعراض الضرورية وهي الذاتية التي رسمت من قبل . فمن حصل له العلم بالوجود من قبل عرض غير ضروري ، فلم يحصل له العلم بوجود الشيء . ولذلك قال بعد هذا : « لكن الذي يعلمه على هذه الحال هو على أحد وجهين : إما أن يظن ظنا أنه يعلم وهولا يعلم ، إذ كان يظن بالشيء الذي ليس بضروري أنه ضروري ، أو لا يظن » - يريد : ولمكان هذا ، كان من يعلم الشيء بوسط غير ضروري لا يخلو حاله من إحدى حالتين : إما أن يكون غالطا فيعتقد فيما ليس بضروري أنه ضروري ، وإما أن يعلم أنه ليس عنده علم . وإنما أراد أن الناس مجمعون على هذه القضية : من عنده علم ، ومن يظن أن عنده علما ، أعني قول القائل إن العلم الضروري إنما يحصل عن وسط ضروري . لكن كل من يدعى العلم في الوسط ، يدعى هذا المعنى . ثم قال : « ولا ظن سوى علم الشيء أنه موجود أو لم هو بأوساط كثيرة » - يريد : ولا ظن أعظم من ظن من يعلم وجود الشيء ، أو لم هو ، بأوساط كثيرة ، أو بوسط واحد ، ويكون الوسط أو الأوساط غير ضرورية - إن كان ما وقع في النسخة صحيحا من قوله : « أو بوسط واحد » . وعلى هذا فيكون في القول حذف . ويحتمل أن يكون : « أو بوسط واحد » - خطأ ، وإنما هو : « لا بوسط واحد » . وعاى هذا التأويل يكون تقدير الكلام : ولا ظن سوى ظن من يعلم الشيء بأوساط لا بوسط واحد . وذلك أنه قد تبين أن الوسط الضرورى واحد . ويدل على صحة هذا التأويل وأن ما وقع فى النسخة خطأ : ما وقع فى ترجمة متى ، وهو قوله بدل هذا : « أو لا يكون يظن ولا ظنا أيضا كان عنده من أمر الشىء أنه قد كان عالما أنه موجود بالأوساط ، أو كان عنده من أمره لم هو بالأوساط أيضا على مثال واحد » . قال أرسطاطاليس : والأغراض التي ليست ذاتية على النحو الذي حددنا [ ٤٠ أ] ليس يكون عليها برهان ، من قبل أنه لا سبيل إلى أن تكون نتيجتها ضرورية ، من قبل أن المحمول فيها إذا كان عرضا يمكن أن يوجد ، وألا يوجد والعرض الذي يراد به في هذا الموضع هو الذي قد شرحت حاله . » التفسير يريد - فيما أحسب - أن الأوساط التي ليست ضرورية هي من الأعراض الغير ذاتية . والأعراض التي ليست ذاتية على النحو الذي حددت الذاتية ليس يكون منها برهان ، من قبل أنه لا سبيل أن تكون عنها نتيجة ضرورية بالذات . وقد قلنا إن نتيجة البرهان يجب أن تكون ضرورية . وإنما لم يجب أن تكون منها نتيجة ضرورية من قبل أن المحمول فيها الذي هو الحد الأوسط إذا كان عرضا ، أمكن أن يفارق . فإن العرض هو الذي يمكن أن يوجد ، وألا يوجد . وقوله : « والعرض الذي يراد به في هذا الموضع هو الذي قد شرحت حاله » - يريد : الذي قيل في أحد رسميه في كتاب « الجدل » إنه الذي يمكن أن يوجد وألا يوجد . وإنما قال ذلك تحفظا من الأعراض اللازمة . قال أرسطاطاليس : « ألا أنه للإنسان أن يتشكك فيقول : إن لم تكن النتيجة عن مثل هذا ضرورية ، فما السبب في اقتضاب ينتج عنها مثل هذه النتيجة ؟ فيقال له إن الإنسان ليس إنما يشكك لينتج عن المقدمات نتيجة ضرورية ، لكن إنما يشك لينتح نتيجة لازمة للمقدمات التي يقتضبها من المسئول من الاضطرار أنها صادقة إن كان ما يتسلمه من المقدمات يتسلمها على أنها صادقة . » التفسير يقول : إلا أنه للإنسان أن يتشكك فيما قيل إن النتيجة الضرورية إنما تكون عن مقدمات ضرورية - وذلك أنه إذا لم تكن النتيجة عن أمثال هذه المقدمات ، أعني التي هي صادقة غير ضرورية - نتيجة ضرورية ، فما السبب في أن يقتضب الإنسان بالسؤال مقدمات بهذه الصفة ، ويزعم أنه تلزم عنها نتيجة ضرورية ؟ - يريد : أنه إن وضعنا أن النتيجة الضرورية إنما تكون عن مقدمات ضرورية ، فلقائل أن يقول إنه يلزم عن ذلك ألا تكون نتيجة ضرورية عن مقدمات غير ضرورية ، فلا يكون هنا قياس فينتج أصلا إلا تكون مقدماته ضرورية ، وذلك خلاف ما تبين في كتاب « القياس » . ثم أتى بحل هذا الشك ، فقال : « فيقال له إن الإنسان ليس إنما يشكك لينتج في المقدمات نتيجة ضرورية ، لكن إنما يشكك لينتج نتيجة لازمة للمقدمات التي نقتضبها من المسئول من الاضطرار أنها صادقة » - يريد : أن المشكك بهذا الشك يجاب بأن يقال له : ليس يقتضب الإنسان المقدمات ويسلمها [ ٤٠ ب ] وبالجملة يعمل قياسا ، إذا شك في مطلوب ما وأراد انتاجه من تلك المقدمات لينتج منها نتيجة ضرورية في طبيعتها . لكن إنما يقتضب المقدمات إذا شك في المطلوب ، ويعمل قياسا لينتج عن المقدمات التي تسلمها نتيجة يكون لزومها عن تلك المقدمات ضروريا ، إلا أن تكون هي في نفسها ضرورية . فقوله : « لكن إنما يشكك لينتج » - يريد : لكن إنما يشكك في المطلوب فيتسلم المقدمات ، أي إنما يتسلم المقدمات إذا شك في المطلوب لينتج نتيجة لازمة للمقدمات التي يتسلمها لزوما اضطراريا ، لا نتيجة اضطرارية . فإن كانت المقدمات صادقة ، كانت هي ولا بد صادقة ، وإن لم تكن صادقة ، لا يجب أن تكون صادقة . ولذلك لما قال « من الاضطرار أنها صادقة » - زاد فقال : « إن كان ما يتسلمه من المقدمات يتسلمها على أنها صادقة » - يريد : أنه إنما يلزم عن تلك المقدمات لزوما ضروريا أن تكون النتيجة صادقة إن كانت المقدمات التي يتسلم صادقة ، وإلا فليس يكون هنالك صادقا إلا نفس اللزوم فقط ، أعني كون النتيجة تابعة في وجودها للمقدمات في القياس الصحيح الشكل ، على جهة ما يتبع التالي المقدم ، فإن التالي في المتصلات بالطبع يتبع المقدم متى فرض المقدم موجودا . فإن كان المقدم صادقا ، كان التالي صادقا ضرورة ، وإن لم يكن ، لم يلزم أن يكون التالي صادقا . لكن اللزوم نفسه هو ولا بد صادق . وكذلك الأمر في كل قياس صحيح التأليف لزوم النتيجة عنه صادق وضروري . وأما كون النتيجة صادقة فشيء نستفيده من طبيعة المقدمات ، لا من طبيعة التأليف . وكذلك كونها ضرورية في طبعها إنما نستفيده من طبيعة المقدمات . قال أرسطاطاليس : « ولما كانت الأشياء الضرورية في أمر أمر من الأمور هي الموجودات بالذات وعلى الكل ، فبين ظاهر أن مطالب البرهان هي أمور ذاتية . والمطالب العرضية ، لأنها ليست ضرورية ، لا سبيل إلى أن يقع العلم بها من الاضطرار . » التفسير لما أخبر أن مقدمات البرهان يجب أن تكون ذاتية وعلى الكل ، أعني محمولة حملا أولا ، أخذ يخبر أن مطالب البرهان يجب أن تكون ذاتية وأولا ، فقال : « ولما كانت الأشياء الضرورية . . . » إلى قوله : « فبين ظاهر » - يريد : ولما كانت الأشياء الضرورية هي الأشياء الموجودة بالذات ، وكانت مطالب البرهان ضرورية ، فبين أنه يجب عن ذلك أن تكون مطالب البرهان ذاتية وأولا . وقد وقع في هذا للمفسرين شك كبير . وذلك أنه إن كان المحمول الأول هو الذي يحمل على الشيء ، لا من قبل غيره والنتيجة إنما تحمل على الشيء [ ٤١ أ] من قبل الحد الأوسط ، فليس تلفى - في وقت من الأوقات نتيجة تحمل حملا أولا . فصار الاسكندر ، لمكان هذا الشك ، فيما حكى عنه ثامسطيوس ، إلى أن يتأول أن معنى الأول في النتيجة هي أن تكون عن مقدمات أول . فاعترضه ثامسطيوس بأن هذا إنما يلفى لبعض النتائج . وذلك أن النتائج صنفان : صنف عن مقدمات معروفة بنفسها ، وصنف عن مقدمات هي نتائج عن أمثال هذه المقدمات . وعلى هذا فتكون هذه الوصية جزئية وغير منتفع بها في جميع المطالب . وقوم برون أن أرسطو ليس يشترط في النتائج الحمل الأول ، وذلك أن أرسطو إنما قال : « فبين ظاهر أن مطالب البرهان إنما هي أمور ذاتية ، ولم يقل كلية . وهذا هو الذي يذهب إليه ثامسطيوس . فلننظر نحن هل يلزم عن قوله إن مقدمات البرهان إذا كانت ذاتية وأوكد أنه يجب أن تكون النتائج أولا . فنقول أنه قد تقدمنا فقلنا إن الأول يفهم منه معنيان : أحدهما : أنه الذي يحمل على الشيء من قبل طبيعة أخرى : إما أعم من الموضوع ، وإما أخص ، وإما مساوية . والثاني : أن يكون المحمول محمولا على الموضوع ، لا من قبل علة توجب وجوده في الموضوع . وهذا والأول يشتركان في أن كليهما يحملان من غير وسط ، ويفترقان في أن أحدهما قد يحمل بوسط هو سبب وجود ذلك المحمول في الموضوع ، وإن كان لا يحمل بوسط هو طبيعة أخرى مركبة غير طبيعة الموضوع . وأما الثاني فليمس يحمل بوسط أصلا . فالأول هو مثل حمل الزوايا المساوية لقائمتين على المثلث . فإن هذا هو أول للمثلث ، على ما صرح به أرسطو ، وهو موجود للمثلث لا من قبل طبيعة أخرى ، لا أنه أول بمعنى أنه لا يحمل بوسط على المثلث . وإذا كان هذا هكذا ، فهذا المعنى من الأولية هو مشترط في المقدمات أنفسها وفي النتائج . لأنه إن لم يشترط في النتائج ، لم تكن مطلوبة من طريق ما هو، ولا مبينة للطبيعة التي توجد لها أولا وبالذات . وهذا شيء قد صرح به أرسطو . فإذن الأول في المطالب هي التي يطلب وجودها في الموضوع ، لا من قبل وجودها في طبيعة أخرى ، لا أعم ولا أخص ، ولا مساوية . وبين أن هذا النوع من الحمل ينبغي أن يشترط في مقدمات جميع أصناف البراهين الثلاثة ، أعني : برهان السبب ، وبرهان الوجود ، والبرهان المطلق وهو الذي جمع الأمرين . وذلك أن الأسباب الخاصة التي تؤخذ حدودا وسطى فشأنها ألا تحمل على الموضوع من قبل طبيعة أخرى ، بخلاف الأسباب العامة . فإذن هذا الشرط مشترك للمقدمات والنتائج . وإذا اشترط في المقدمات ، وجد فيه معنى الأول والثاني . وإذا اشترط في النتائج بقى على أوله ولم يلزم منه محال . ولذلك يخص اشتراط المعنى الثاني [ ٤١ ب ] من الحمل الأول مقدمات البراهين المطلقة وبراهين الأسباب . وهذا هو الذي يسميه أرسطو المحمول من غير وسط ، أو الأسباب القريبة ، وليس يسميه : « أولا » . وأما الذي يسميه : « أولا » فهو المعنى الأول الذي شرحناه ، واشتراطه كاف في الأمرين جميعا وضروري . وذلك أنه إذا كان محمول المطلوب محمولا على موضوعه ، لا من قيل طبيعة أخرى ، كان الحد الأوسط ضرورة بهذه الصفة . فإن كان سبيا من أسباب الطرف الأكبر ، كان خاصا بالموضوع . وإن كان أمرا متأخرا عنه ، كان أيضا عرضا خاصا . فقد ظهر من هذا أن هذا الحمل متى لم يشترط في المطلوب لم يوجد في المقدمات ، وذلك خلاف ما ظن المفسرون . وكذلك ظهر أيضا أنه متى وجد في المقدمات ، وجد ولا بد في النتيجة . فإذن بالواجب ينبغي أن يفهم من قوله : « فبين ظاهر أن مطالب البرهان هي أمور ذاتية » - أي ذاتية أول ، فإنه أحد ما يقال عليه اسم « الذاتي » ، كما تقدم . والدليل على أنه أراد هذه النتيجة قوله : « ولما كانت الأشياء الضرورية في أمر أمر من الأمور هي الموجودات بالذات ، فبين ظاهر أن مطالب البرهان هي أمور ذاتية » . وقد بينا نحن وجه هذا اللزوم وصحته ، فلا معنى لأن يفهم من الذاتي هذا المعنى العام . قال أرسطاطاليس : « ولا أيضا لو كانت من الأعراض غير المفارقة ، إلا أنها ليست بالذات بمنزلة المقاييس التي تكون مأخوذة من الآثار والعلامات التي ليس لنا أن نقول بالحقيقة إنها برهانية لأنها تنتج الأقدم من المتأخر ، لأن أولا كانت الولادة ، ثم اللبن ، وأولا كانت النار ثم الدخان . لا ولا الأمور الذاتية تعلم علما محققا دون أن تعلم بالعلة . » التفسير لما أخبر أن مقدمات البرهان يجب أن تكون ذاتية وأولا ، وكانت الذاتية صنفين : أعراض ، وجواهر ، أعني إما أمور متأخرة عن الموضوع ، وإما متقدمة عليه ، وكان قصده الأول إنما هو التكلم في شرائط البرهان المطلق الذي يفيد العلم الذي هو في المرتبة الغائية من اليقين - قال : « ولا أيضا لو كانت من الأعراض الغير مفارقة ، إلا أنها ليست بالذات » - يريد : ولا يكفى أيضا في مقدمات البرهان المطلق إن تكون من الأعراض الذاتية التي ليست بجوهرية » - فقوله : « من الأعراض الغير مفارقة » - يعنى به الأعراض الذاتية . وقوله : « إلا أنها ليست بالذات » - يعنى به ليست موجودة في ذات الموضوع ، أي يتقدم بها موضوع المطلوب إن كان الحد الأوسط في البرهان سببا للطرفين جميعا ، أو ليست موجودة في ذات محمول المطلوب إن كان الحد الأوسط سببا للأعظم فقط . ثم قال : « بمنزلة المقاييس التي تكون مأخوذة من الآثار والعلامات » - يريد : أن الحدود والأوساط التي تكون من الأعراض الذاتية إنما تكون في المقاييس التي من الدلائل ، وهي التي يكون الحد الأوسط فيها أثرا من آثار الحد الأكبر وعلامة من علاماته . ثم قال : « التي ليس لنا أن نقول بالحقيقة [ ٤٢ أ] إنها برهانية » - يريد : وإنما قلنا إن البرهان المطلق لا ينبغي أن يكون الحد الأوسط فيه من الآثار والعلامات الموجودة للحد الأكبر ، مثلما يوجد ذلك في البراهين التي تسمى الدلائل ، من قيل أن هذه البراهين ليست بالحقيقة ولا في الغاية برهانية . والبرهان المطلوب هو الذي يعطى اليقين الذي في الغاية . ثم أتى بالسبب الذي من قبله ليست الدلائل براهين ،فقال : « لأنهما تنتج الأقدم من المتأخر ، لأن أولا كانت الولادة ثم اللبن ، وأولا كانت النار ثم ثانيا الدخان » - يريد : لأنها تنتج المتقدم فيها من قبل المتأخر ، مثل أن يبين مبين أن هذه المرأة والدة ، من قيل أن لها لبنا ، وأن هذا الموضع فيه نار من قبل أن فيه دخانا فإن هذا انتاج المتقدم بالمتأخر ، لأن أولا كانت الولادة ثم اللبن ، أي أن الولادة هي السبب في وجود اللبن ، وكذلك النار هي السبب في وجود الدخان ، والبراهين بعكس هذا ، أعني أن يبين فيها المتأخر بالمتقدم ، مثل أن يبين مبين أن هذه المرأة ذات لبن من قبل أنها والدة . وقوله : « لا والأمور الذاتية تعلم علما محققا دون أن تعلم بالعلة » - يريد : أنه ليس علم المتقدم من الأعراض الذاتية بالمتأخرة هو علم غير محقق فقط ، بل ولا الأعراض التي تؤخذ حدودا وسطى . وأمثال هذه البراهين تعلم علما محققا ، أي في الغاية ، ألا أن تعلم بأسبابها . ولهذا المعنى قد أنكر ابن سينا هذا النوع من البراهين ، أعنى الدلائل . وسيأتي الكلام في ذلك عند ذكره لبراهين الدلائل من هذا الكتاب . قال أرسطاطاليس : « والسبب في ذلك هو أن من رام أن يعلم الشيء علما محققا لا سبيل له إلا بالعلة ، فيجب من ذلك أن يكون الحد الأكبر موجودا للأوسط بالذات ، والأوسط للأصغر بالذات . وإذا كان الأمر على هذا ، فغير ممكن أن ينقل البرهان من جنس . إلى جنس آخر ، مثل أن ينقل البرهان على أمر هندسي ، فيستعمل في أمر عددي . » التفسير لما أخبر أن الدلائل ليس تعلم من قبلها النتائج علما محققا ، من قبل أنها يعلم فيها المتقدم من قبل المتأخر ، وأخبر أيضا أن مقدماتها ليست تعلم علما محققا إلا إذا علمت بعللها - أخبر بالسبب الشامل للأمرين جميعا ، أعني كون نتائج الدلائل غير معلومة علما محققا وكون مقدماتها ناقصة - فقال : « والسبب في ذلك » - يريد : في نقص المعرفة التي توجد في نتائج الدلائل ، ونقصان مقدماتها أن من رام أن يعلم الشيء علما محققا لا سبيل له إلى علمه إلا بالعلة . وهذا الذي قاله يبين بنفسه ، أعني أن العلم الذي في الغاية [ ٤٢ ب ] هو العلم بالعلة ، وذلك أنه العلم المطابق لعمل الطبيعة . ولما أخبر أن الحدود الوسط في البراهين يحب أن تكون أسبابا ، قال : « فيجب من ذلك أن يكون الحد الأكبر موجودا للأوسط بالذات ، والأوسط للأصغر بالذات » - وهذا لذي قاله بين مما قال ، فإنه إذا كان الحد الأوسط سببا للطرف الأعظم نفسه ، وسببا لوجوده في الأصغر ، على ما تبين فيما سلف ، أعني من شرط البرهان المطلق أن يكون الحد الأوسط فيه سببا للطرف الأكبر نفسه ، وسببا لوجوده في الأصغر ، لأنه إذا كان الأكبر محمولا حملا أولا على الأصغر - وجب أن يكون الشيء الذي هو علة له في نفسه هو بعينه علة لوجوده في الأصغر . وإذا كان الحد الأوسط بهذه الصفة ، فبين أن حمل الأمر عليه ذاتي له ، من قبل أنه مأخوذ في حده . وقد قيل إن أحد صنفي ما بالذات هو أن يكون الموضوع مأخوذا في حد المحمول ، وكذلك أيضا حمله على الأصغر هو ذاتي له ، وذلك أنه إن كان مع كونه سببا للطرف الأكبر سببا للأصغر ، فيكون حمله على الأصغر من الصنف الذاتي الذي يؤخذ المحمول منه في حد الموضوع . وإن لم يكن سببا للأ صغر ، وجب ضرورة أن يكون الأصغر مأخوذا في حده ، فيكون حمله على الأصغر من جنس حمل الأكبر عليه . وأكثر البراهين المطلقة إنما تكون في الأعراض الذاتية ، لعلة سنشرحها بعد . ولما تبين له من هذا أن مقدمات البراهين يجب أن تكون ذاتية ، وقد كان تبين ذلك أيضا من كونها ضرورية ، أنتج عن ذلك أن البرهان ليس يمكن أن ينقل من صناعة إلى صناعة ، فقال : « وإذا كان الأمر هكذا ، فغير ممكن أن ينقل البرهان من جنس إلى جنس آخر ، مثل أن ينقل البرهان على أمر هندسي فيستعمل في أمر عددي » . وفي هذا الذي قاله موضع فحص شديد وعويص كبير . وذلك أنه إما أن يعنى بنقل البرهان من جنس إلى جنس نقل مقدمته نفسها من صناعة إلى صناعة ، أعني أن يستعمل المقدمتين في صناعتين بجهة واحدة - فهذا محال ، لأنه يلزم عن ذلك أن يكون المطلوب واحدا والحد المفروض واحدا ، أعني الموضوع للمطلوب ، والحد الأوسط أيضا واحدا . وهذا لإخفاء على امتناعه ، فتكون الصناعتان صناعة واحدة ، وقد فرضت صناعتين - هذا خلف لا يمكن . وأما إذا كانت المقدمة الصغرى مختلفة بالموضوع في العلمين ، والمقدمة الكبرى واحدة ، أعني أن يكون الحد الأوسط والطرف الأكبر فيهما واحدا ، فقد يظن أن هذا ممكن إذا سلمنا أن في الأعراض الذاتية ما يكون أعم من الجنس ، وأن البراهين قد تكون من أمثال هذه المقدمات [ ٤٣ أ] وأنه قد يكون شيء واحد يطلب وجوده في صناعتين ، أو أنه قد توجد صناعتان تنظران في الجنس المحيط بهما ، كما نجد أبا نصر يسلم جميع هذا في كتابه . والعجب من أبي نصر أنه يسلم أن تكون صناعتان تنظران في مطلوب واحد ، ولا يسلم أن يكون ذلك بحد واحد أوسط . وإذا سلمنا أن هاهنا عرضا مشتركا للصناعتين ، أو جنسا مشتركا ، فقد يمكن أن يكون أولا ، فضلا عن ألا يتعدى الجنس . فبين أنه ليس يمكن أن تنقل البراهين ، ولا على هذه الجهة ، أعني أن تستعمل مقدمة كبرى أولية في جنس يعم ولا إذا لم تكن أولية وكانت خاصة بالجنس . فأما أن الذاتية ليس يجب أن تتعدى الجنس ، أعني جنس الصناعة ، أي موضوعها الذي تنظر فيه - فبين مما أقوله . وذلك أن الأمور الذاتية للجنس لا تخلو أن تكون مما تؤخذ في حدود الجنس ، أو يؤخذ الجنس في حدودها . فإن كانت مما يؤخذ في حدود الجنس ، فلا تخلو أن تكون أسبابا خاصة بذلك الجنس ، أو غير خاصة . فإن كانتد خاصة ومحمولة عليه من طريق ما هو ذلك الجنس ، فبين أنه ليس يمكن فيها أن تكون أعم من ذلك الجنس . وإن كانت أعم من ذلك الجنس ، فبين أنها ذاتية للطبيعة المحيطة بذلك الجنس وأولية لها . فجنس الصناعة إذن هو هذه الطبيعة المحيطة . فالذي فرضناه جنسا للصناعة ، وجنس الصناعة هو نوع مما فرضناه جنسا للصناعة ليس بجنس - هذا خلف لا يمكن . ومن هنا يظهر أنه ليس يمكن أن تكون صناعتان مختلفتان بالموضوع داخلتين تحت جنس واحد مقول بالتواطؤ ، أعني أن ينقسم إليها ذلك الجنس قسمة أولى . فإن ما هذا شأنه من الصنائع هي صناعتان جزئيتان من صناعة كلية ، مثل الصناعة التي تنظر في المجسمات المستديرة والمستقيمة ، فإنهما داخلتان تحت صناعة الهندسة ، وصناعة الهندسة صناعة واحدة . وكذلك ليس يمكن أن يوجد عرض ذاتي لصناعتين مختلفتين بالموضوع ، وذلك أن ذلك العرض الذاتي لا يخلو إما أن يؤخذ في حد جنس الصناعة ، أعني موضوعها ، أو جنس جنسها كما يقول أبو نصر . فإن كان المأخوذ في حده جنس الصناعة ، فبين أنه خاص بتلك الصناعة . وإن كان الذي يؤخذ في حده جنس جنس تلك الصناعة ، فبين أنه أول وذاتي لجنس جنس تلك الصناعة ، وليس يعرف وجوده لتلك الطبيعة إلا بالعرض ،أعني التي فرضناها جنس الصناعة ، أي من قبل وجوده للطبيعة التي هي أعم من جنس تلك الصناعة . وبالجملة ، فتكون نسبته إلى جنس الصناعة مثل نسبة مساواة الزوايا لقائمتين للمثلث المتساوى الأضلاع أو المختلف الأضلاع ، على ما بينه أرسطو [ ٤٣ ب ] قبل . وإذا كان ذلك كذلك ، فقد وضع جنسا للصناعة ليس بجنس لها . ومن هنا يظهر أن ما يظن به من الأعراض الذاتية أنها مشتركة لأكثر من جنس واحد أنها مقولة باشتراك الاسم ، لا بتواطؤ ، مثل حمل المساوي على الكمية المنفصلة والمتصلة ، وإن اسم « الكم » مقول عليهما باشتراك . وسيبين هذا أرسطو بعد . وذلك أن الذي يشكك في هذا هو أمثال هذه المقدمات . فقد تبين من هذا أنه ليس يمكن أن ينقل البرهان من صناعة إلى صناعة ، أعني أن تنقل المقدمة الكبرى من صناعة إلى صناعة ، أو المقدمتان أنفسهما . وأما أن يستعمل في إحداهما مقدمة كبرى ما كان في أخرى نتيجة ، فإن ذلك ليس بممتنع ، على ما سيقوله أرسطو ، وذلك في الصنائع التي بعضها تحت بعض ، أعني أن تستعمل الجزئية مقدمات كبرى هي في الكلية نتائج .

٧ - < لا يمكن الانتقال من جنس إلى جنس آخر >

Shafi 278

قال أرسطاطاليس : « والأشياء التي منها تنبني طبيعة البرهان ثلاثة : أحدها : المحمول ، وهو الذي يتبين أنه موجود للموضوع بالذات . والثاني : العلوم المتعارفة ، وهذه هي المقدمات التي يتبين بها وجود المحمول للموضوع . [ 75 b ]* والثالث : الطبيعة الموضوعة التي يكون البرهان على التأثيرات والأعراض الموجودة لها بذاتها . » التفسير لما أخبر أنه غير ممكن أن تنقل البراهين ، أخذ يفصل الأشياء التي منها تتقوم الصنائع النظرية ، ليتبين أن اختلافها في الصنائع يوجب ألا ينقل البرهان - فقال : والأشياء التي منها تنبنى طبيعة البرهان » - يريد : أن التي تتقوم منها طبيعة البرهان ثلاثة أشياء : أحدها المحمول الذي يبين أنه موجود للموضوع بالذات ، وإنما قال « إنه موجود » ، ولم يقل : « الذي يبين أنه موجود للموضوع ، أو غير موجود » ، من قبل أن البراهين الموجبة هي البراهين بالحقيقة . وقوله : والثاني : العلوم المتعارفة ، وهذه هي المقدمات التي يتبين بها وجود المحمول للموضوع » - ينبغي أن يفهم منه أن المقدمات ليست شيئا أكثر من حمل الحد الأوسط على الأصغر الذي هو موضوع المطلوب ، والأكبر على الأوسط الذي هو محمول المطلوب ، وهو الذي يتبين وجوده للموضوع . وقوله : « والثالث : الطبيعة الموضوعة » - يعنى الجنس الذي تنظر فيه تلك الصناعة . وقوله : « التي البرهان يكون على التأثيرات والأعراض الموجودة لها بالذات » - يريد : الطبيعة التي من شأنها أن تقوم البراهين في الصناعة عليها ، وهي الجنس المنظور فيه . ويريد بالتأثيرات الأعراض الانفعالية ، وبالأعراض : ما يعم سائر الأعراض . وإنما خص الأعراض من بين سائر الأشياء التي تطلب في الجنس ، لأن الأعراض هي التي يطلب وجودها غالبا في الصناعة [ ٤٤ أ] وهي التي تتأتى فيها براهين الوجود والأسباب . قال أرسطاطاليس : « فأما المقدمات التي منها يكون البرهان ، فقد تكون عامة مشتركة ، سوى أن الأشياء التي موضوعاتها مختلفة في الطبيعة بمنزلة العدد والهندسة ، فغير ممكن أن ينتقل البرهان الذي تبين به أمر لازم لأحدهما فيبين به أمر لازم للآخر . والسبب في ذلك أن ذات العدد مباينة لذات العظم ، وكون المقدمات عامية مشتركة في بعض الأمور - فنحن نشرع في الكلام فيه بأخرة . » التفسير لما أخبر أن الأشياء التي تتقوم الصنائع منها ثلاثة أشياء ، وكان النقل إنما يكون باشتراك الصنائع في واحدة من هذه أو أكثر من واحدة ، وكان بينا بنفسه أنه لا تشترك في الطبيعة الموضوعة ، وإن اشتركت فيها فهي مختلفة بالجهة - يريد أن ينظر : هل يمكن أن تشترك في المقدمات فقال : « فأما المقدمات التي يكون منها البرهان فقد تكون عامة مشتركة » - يريد : أما المقدمات التي تستعمل في الصنائع ، فقد يظن أن منها ما يشترك فيه أكثر من صناعة واحدة . ولما ذكر هذا ، أتي بالأمر الذي يوجب خلاف هذا الاعتقاد ، أو بالصنائع التي تقطع أن هذا المعنى غير موجود فيها فقال : « سوى أن الأشياء التي موضوعاتها مختلفة في الطبيعة ، بمنزلة العدد والهندسة . . . » إلى قوله : « أمر لازم للآخر » - يريد : لكن من البين بنفسه أنه ليس يمكن في الصنائع التي موضوعاتها متباينة بالطبع ، مثل العدد والهندسة ، أن ينقل البرهان فيها من واحدة إلى أخرى . وذلك بأن يكون الحد الأوسط الذي يتبين به لازم أعراضها هو بعينه الذي يتبين به لازم آخر في الصناعة الأخرى . وذلك أنه من البين أنه إذا كان المطلوبان اثنين أنه ليس يمكن أن يبين كل واحد منهما في الصناعة التي تخصه بحد واحد مشرك للصناعتين . وذلك أن الصناعتين المتباينتين في الطبيعة هي ضرورة متباينة في الأسباب الذاتية ، والحد الأوسط إنما هو سبب من أسباب الطبيعة الموضوعة . وهذا هو الذي دل عليه بقوله : « فغير ممكن أن ينقل البرهان الذي بين به أمر لازم لأحدهما » - يريد : لإحدى الصناعتين لازم للصناعة الأخرى . وهذا التفسير هو على أن يفهم من قوله : أمر لازم لأحدهما ، فبين به أمر لازم للآخر ، على أن اللازم الأول هو غير الثاني ، أعني أن يكون المطلوبان مختلفين . وعلى هذا فليس يكون هذا القول مقابلا لمن قال إن في المقدمات الأول ما هي عامة . وإنما يكون معنى قوله هذا تقرير المواضع من الصنائع التي لا يتفق فيها هذا ، أعني أن تستعمل فيها مقدمات عامة ، من قيل أن المطلوبات إذا فرضت [٤٤ ب ] متغايرة في الصنائع لم يمكن أن يتصور اشتراك في البرهان فيمكن أن تنقل . وأما إن فهمنا أنه لازم واحد بعينه ، فيكون مقابلا لقول من قال إن في المقدمات ما هي عامة . ولما ذكر أنه ليس يمكن أن تنقل البراهين من قبل أن الحدود الوسط في الصنائع المختلفة تكون مختلفة ضرورة - أتى بالسبب في ذلك فقال : « والسبب في ذلك أن ذات العدد مباينة لذات العظم » - يريد : والسبب في اختلاف الأسباب التي تؤخذ حدودا وسطى في صناعة العدد وفي صناعة الهندسة أن ذات الهندسة تخالف ذات العدد ، من قبل أن إحداهما كمية متصلة ، والأخرى منفصلة . وإذا اختلفت الذوات اختلفت الأسباب ضرورة . ولما كان إذا اختلفت الأسباب اختلفت المسببات ، وكانت المطلوبات هي المسببات ، وجب ألا تشترك صناعتان أصلا في المطلوب من المطالب ، أعني المطالب الذاتية . ولمكان هذا المعنى كان عندنا التفسير الثاني أبين من التفسير الأول من طريق المعنى ، والأول من طريق ظاهر اللفظ . ولما كان هذا الاعتقاد الذي ينفى اشتراك الصنائع في المطالب يخالفه ما يظهر من أن هاهنا مطلوبات عامة لأكثر من صناعة واحدة ، مثل المساواة المطلوبة في العدد والعظم ، وإذا أمكن أن توجد مطلوبات عامة ، أمكن أن توجد حدود وسط عامة ، وهي الطبيعة العامة التي يوجد لها ذلك المطلوب ، وإذا أمكن ذلك ، أمكن أن يكون من المقدمات الكبر عامية وأن تنقل البراهين ، - قال في جواب ذلك : « وكون المقدمات عامية مشتركة في بعض ، فنحن نشرع في الكلام فيه بأخرة » - يريد : أنه سيحل هذا الشك ويبين أن هذه المقدمات ليست المقدمة منها التي يظن بها أنها مشتركة لأكثر من صناعة واحدة - مقدمة واحدة بالمعنى ، وإنما هي واحدة باللفظ . قال أرسطاطاليس : « وأما البرهان الكائن على أمر عددي فهو غير متعد لطبيعة العدد . فكذلك يجرى الأمر في البراهين الكائنة على ما سوى العدد . فيجب ضرورة متى رام المبرهن أن ينقل البرهان أن يكون المطلوبان واحدا بعينه . وهذا على ضربين : إما على الإطلاق ، وإما على جهة ما . وغير ممكن أن يكون على غير هذا الوجه ، من قبل أن حدود البرهان كلها ذاتية وليست بأعراض . » التفسير يريد : وكما أن البرهان الكائن عن أمر عددي حدوده الثلاثة غير متعدية لطبيعة العدد ، أي من طبيعة العدد ، كذلك يجرى الأمر في سائر البراهين الموجودة في صناعة صناعة ، أي يجب أن تكون الحدود الثلاثة في برهان برهان من نفس الطبيعة [ ٤٥ أ] التي تنظر فيها تلك الصناعة ، فلا يمكن أن ينقل البرهان أصلا وقوله : « فيجب ضرورة متى رام المبرهن أن ينقل البرهان أن يكون المطلوبان واحدا بعينه هو أمر لازم كما قال ، أراد أنه ليس يمكن أن يكون واحدا » . وقوله : « وهذا على ضربين : إما على الإطلاق ، واما على جهة ما » - يريد بالإطلاق أن يكون المطلوب واحدا بعينه من جميع الجهات . ويريد بقوله : « وإما على جهة ما » أن يكون واحدا بالموضوع ، مختلفا بالجهة ، مثل أن يتبين المهندس بنوع ما من الخطوط خاصة من الخواص ببرهان ما ، فينقل ذلك البرهان المناظري إلى ذلك النوع من الخطوط الشعاعية . وليس يريد بقوله : « مختلفا بالجهة » مثل أن ينظر صاحب التعاليم في شكل . السماء وصاحب العلم الطبيعي ، فإن كليهما ينظران من ذلك فى شئ واحد ، لكن صاحب علم الهيئة ينظر فيه من حيث هو مجرد عن الهيولى ، وصاحب العلم الطبيعي ينظر فيه من حيث هو نهاية لطبيعة الجرم السماوى . ولذلك صار السبب الذى يعطى أحدهما فيه غير السبب الذى يعطيه الآخر . وذلك أن صاحب علم الهيئة يقول إن شكل السماء إنما صار كريا من قبل أن الخطوط التى تخرج منه إلى المركز متساوية ، وصاحب العلم الطبيعى يقول أنه إنما صار كريا من قبل أن حركته دورا وأنه جرم من طبيعة كذا ، فإن البرهان فى مثل هذه لا ينتقل . ولما وضع أنه لا يمكن أن ينتقل البرهان من صناعة إلى صناعة إلا أن يكون المطلوب واحدا : إما بإطلاق ، وإما بجهة ما - قالع بأثر هذا : « وغير ممكن أن يكون على غير هذا الوجه » - يريد : وغير ممكن أن يكون النقل إلا على هذين الوجهين ، أعنى أن يكون المطلوب واحدا بإطلاق ، أو بجهة ما . ولما وضع هذا ، أتى بالسبب في ذلك فقال : « من قبل أن حدود البرهان كلها ذاتية وليست بأعراض » - يريد : وإنما لم يمكن أن ينقل البرهان من صناعة إلى صناعة ، من قبل أن حدود البرهان الثلاثة ، أعنى الأكبر والأوسط والأصغر ، كلها زائدة لجنس الصناعة ، والذاتية لا تتعدى الجنس . وقد يوهم هذا القول أنه يجوز أن يكون المطلوب واحدا فى صناعتين . وليس الأمر كذلك ، وإنما هو شيء وضعه هاهنا وضعا حتى يفحص عنه ، لأن هذا إنما يتوهم وقوعه فى مثل التساوى والتناسب الذى يستعمل فى صنائع مختلفة . قال ارسطاطاليس : واحد ، ولا لصاحب العلم الإلهى أن بين أن المكعبين مكعب واحد ، ولا لصناعة من الصنائع أن تبين ما يخص صناعة أخرى ، اللهم إلا أن تكون صناعتان إحداهما تحت الأخرى ، فيمكن ذلك فيها ، بمنزلة علم المناظر الذى هو تحت [ ٤٥ ب ] صناعة الهندسة ، وبمنزلة صناعة تأليف اللحون التى هى تحت صناعة العدد . » التفسير يقول : ولكون الحدود الثلاثة التى منها يأتلف البرهان من طبيعة الجنس لم يكن لصناعة جزئية من الصنائع البرهانية أن تبين ما يخص الكلية الناظرة في الموجود بما هو موجود ، مثل أنه ليس لصناعة الهندسة النظر فى الاضداد ، ولا النظر فى الواحد والكثرة ، ولا أيضا لصناعة جزئية من الصنائع : أن يبين ما يخص صناعة أخرى جزئية . وأعنى بالجزئية : التى تنظر فى بعض أجناس الموجودات . وبالكلية : التى تنظر فى الموجود بما هو موجود . وينبغى أن تعلم أنه إن نظرت صناعة جزئية فى لا حق من لواحق الصناعة العامة ، فإنما تنظر فيه من حيث قربه من موضوعاتها ، حتى تجعله خاصا بذلك الموضوع ، مثل نظر العلم الطبيعى فى قوى النفس : هل هى واحدة أو كثيرة . ولما قال إنه ليس لصناعة من الصنائع أن تبين ما يخص الأخرى ، سواء كانت الصناعتان كلتاهما جزئية ، أو أحداهما كلية والأخرى جزئية - قد يفهم منه تباين الصناعات ، وبالجملة ، وقد كان قد يلفى فى الصنائع نوع من الاشتراك ، وهو أن تستعمل الصناعة الواحدة مبدءا أو مبادئ ما ، شأنهما أن تبين فى الأخرى ، وكان هذا إنما يلفى ، أكثر ذلك ، فى الصناعة التى تحت صناعة أخرى ، أعنى أن تكون الخاصة تأخذ مبادئها من العامة ، كالحال فى صناعة الهندسة مع صناعة علم المناظر وعلم الهندسة - قال : « اللهم إلا أن تكون صناعتان إحداهما تحت الأخرى . » إلى آخر الفصل - يريد : أن الصناعة العالية تعطى التى تحتها الأسباب التى تطلبها ، مثل صناعة الهندسة ، فإن كثيرا مما يوقف عليه يأخذه صاحب علم المناظر سببا فيما يظهر فى صناعته ، مثل إعطائه السبب فى أن ما بعد يظهر أصغر من قبل أنه قد تبين فى علم الهندسة أن القاعدة الواحدة نفسها من المخروط إذا كانت الخطوط التى تخرج من مركز المخروط إليها أطول ، كانت زاوية المخروط أصغر . ثم يضيف إلى هذا أن ما يرى بزاوية : أصغر ، يرى أصغر . فيتم له إعطاء السبب فى علمه . وكذلك النغم المتفقة إنما جرت العادة بأن تعطى أسباب الاتفاق فيها فى الصناعة اللحنية من قبل النسب العددية . وقد يشك فى هذا فيقال : أننا نرى الصناعة الجزئية المتأخرة تعطي مبادئ الصناعة العامة التى هى تحتها ، مثلما يعطى العلم الطبيعى والتعاليمى مبادئ فى العلم الإلهي ، فإن الأمور المفارقة إنما يتسلم صاحب العلم الإلهي وجودها من صاحب العلم الطبيعى ، ويتسلم عددها من صاحب علم الهيئة التعاليمى . والفرق بين ذلك أن الصناعة الجزئية إنما تعطى الكلية مبدأ وجود لا مبدأ سبب . وأما الكلية [ ٤٦ أ] فإنما تعطى فى الجزئية مبدأ سبب . ولست أعنى أن الجزئية تعطى فى الكلية شيئا متأخرا يستعمل فى الكلية حدا أوسط ، إنما تعطى الجزئية للكلية ما ينزل منها منزلة موضوع الصناعة ، أو جزء موضوع ، بخلاف الأمر فيما تعطيه الكلية فى الجزئية ، أعنى التى تعطيه يستعمل فى الجزئية حدا أوسط . وسنخبر بعلة هذا بعد . ولما كان كلامه هاهنا فى براهين الأسباب والوجود ، وكانت المشاركة مختلفة ، لم يعرض إلى المشاركة التى تكون بين الصنائع الجزئية والكلية بهذه الجهة . قال أرسطاطاليس : « ولا أيضا يمكن أن ينتقل البرهان فيبين به شئ موجود للخطوط لا بما هى خطوط ، وإن كان خاصيا لها ، بمنزلة ما تبين فى الخط المستقيم أنه أحسن من سائر الخطوط ، أو أنه مقابل للخط المستدير ، من قبل أن هذه الأشياء ليست ذاتية للخطوط ، لكنها أعراض للخطوط أو لغيرها . » التفسير يقول : ولا يمكن أيضا أن ينقل البرهان من جنس إلى جنس إذا كان هناك أعراض تعم ذلك الجنس ، وليس من شأن تلك الأعراض أن توجد لواحد فيها من طريق ما هو ، إذ كانت أمثال هذه الأعراض ليست ذاتية ، والبراهين إنما تأتلف بين الذاتية ، يريد أنه لو كانت البراهين تأتلف من أمور عامة ، لقد كان يمكن أن ينقل البرهان . فقوله : « ولا يمكن أن ينقل البرهان فيبين به شىء موجود للخطوط لا بما هي خطوط » - يريد : ولا أيضا يمكن أن ننقل البرهان الذى يبين به شىء موجود للخطوط لا بما هى خطوط إلى غير الخطوط ، فيبين به وجود ذلك المعنى لغير الخطوط ، إذ كانت الأقيسة التى تبين بها أمثال هذه الأشياء للخطوط . ليست براهين ، بمنزلة أن يبين مبين للخط المستقيم أنه أحسن الخطوط ، وأنه مقابل للخط المستدير . ثم يأخذ ذلك البيان بعينه فينقله إلى غير الخطوط من الأشياء التى ، تتصف بالحسن أو المقابلة . فإن هذه ليست براهين ، إذ كان الحسن والمقابلة ليست أمورا موجودة للخطوط بما هى خطوط ، والغير الخطوط من الأشياء الجزئية التى توصف بها . وقوله : « وإن كان خاصا لها » - يريد : وإن كان موجودا لها .

٨ - < لا برهان على الأشياء الفاسدة >

Shafi 286