Sharh Al-Qawa'id Al-Sab' Min Al-Tadmuriyyah
شرح القواعد السبع من التدمرية
Nau'ikan
تابع الأدلة من القرآن على أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل والتشبيه
قال المصنف ﵀: [وكذلك سمى الله نفسه عليمًا حليمًا، وسمى بعض عباده عليمًا فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨] يعني: إسحاق، وسمى آخر حليمًا فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١] يعني: إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.
وسمى نفسه سميعًا بصيرًا فقال: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] وسمى بعض خلقه سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير].
يتابع المصنف ﵀ ذكر الآيات القرآنية الدالة على أن الله تعالى يسمي نفسه بأسماء أو بصفات، وتذكر هذه الصفات من حيث الاشتراك المطلق في حق المخلوق، وبذلك يتبين أن هذا ليس هو التشبيه الذي نفته النصوص، فمن قال: إن الله سميع ويسمع، وإن المخلوق سميع ويسمع، فإن هذا ليس مشبهًا؛ لأنه ليس هذا هو التشبيه الذي نفاه الله في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] إنما الذي نفاه القرآن هو أن يكون هناك تماثل في الصفة، ولو كان التماثل في الاسم هو التشبيه للزم أن يكون التماثل في مسمى الوجود من باب التشبيه، وهذا يقود إلى نفي وجود الله؛ لأنه إما أن ينفى وجود المخلوقات -والمخلوقات موجودة- وإما أن ينفى وجود الله تعالى، وهذا لا يقول به أحد، فهذا مما يعلم به امتناع هذا الأمر في أوائل العقول والفطر.
وقوله: (وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير)؛ لأن هذا مضاف إلى الله، وهذا مضاف إلى المخلوق، فاشتركا في الاسم المطلق، وأما عند الإضافة والتخصيص فإن المسمى متباين.
قال المصنف ﵀: [وسمى نفسه بالرءوف الرحيم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج:٦٥] وسمى بعض عباده بالرءوف الرحيم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] وليس الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم.
وسمى نفسه بالملك فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر:٢٣] وسمى بعض عباده بالملك فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩].
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٤] وليس الملك كالملك.
وسمى نفسه بالمؤمن فقال: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣] وسمى بعض عباده بالمؤمن فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨] وليس المؤمن كالمؤمن.
وسمى نفسه بالعزيز فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣] وسمى بعض عباده بالعزيز فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١] وليس العزيز كالعزيز.
وسمى نفسه الجبار المتكبر، وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر كالمتكبر، ونظائر هذا متعددة.
وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وسمى صفة المخلوق علمًا وقوة فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤] وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢] وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] أي: بقوة، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ [ص:١٧] أي: ذا القوة، وليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة].
9 / 16