Shacir Andalusi
شاعر أندلسي وجائزة عالمية
Nau'ikan
ته أحتمل، واستطل أصبر، وعز أهن
وول أقبل، وقل أسمع، ومر أطع
وهذه نظرة إلى الحب لا ترجع إلى أقوال الشعراء وقصص الغرام وحسب، بل تستند فوق ذلك إلى فلسفة مقررة شرحها في القرن العاشر فقيه من فقهاء بغداد، وبين في شرحه مزية الحب الأفلاطوني على حب الشهوة، وتلته طائفة من الأدباء أشادت بهذا الحب العذري - نسبة إلى قبيلة بني عذرة - ونظمت الشواهد لتصويره، وكانت حركتهم هذه على صلة بحركة التصوف التي سرت في العالم الإسلامي بدعوتها إلى الحب الشامل ونحلتها من النساك السياح في الأرض، وليس من العسير أن نفهم كيف تنتشر هذه النظرة إلى الحب في بلاد يحول فيها نظام الحجاب دون إباحة اللقاء بين الجنسين وإن كان حجابا لم يبلغ من الحرج في ذلك العصر ما يبلغه في الأزمنة الأخيرة، فلا يستطيع الرجل والمرأة أن يتلاقيا كما كان يستطيع ذلك جمهرة الرجال والنساء بين أمم الشمال، وإن هذه النظرة إلى الحب لتوافق مقاصد الشعر؛ لأن نظم الشعر وسيلة من وسائل المناجاة تنتهي بلقاء الوصال، فإذا ابتعدت فكرة الوصال قام بسريرة الشاعر هوى التغزل والمناجاة على البعد والجفاء، فإذا امتنع الأمل في لقاء الوصال كل الامتناع فقد يتسامى الحب إلى لون من الحب المقدس كذلك الحب الذي لهج به دانتي وبترارك. وعلى هذا يحق لنا أن نعتقد أن الحب على البعد كما سماه شاعر من أوائل الشعراء الجوالين، وكان ملاك الشعر الغنائي إلى أيام الشاعر دون
Donne
له أصل من الشرق، وسرى إلى پروڤنس فعلا من الأندلس الإسلامية. ولا بد أن نعرض لنوع آخر من شعر العرب الأندلسيين لم نذكره بعد، وذاك أن ابن بسام - صاحب تاريخ الأدب المؤلف في القرن الثاني عشر - يروي أن شاعرا ضريرا يسمى مقدم نشأ بجوار قرطبة، وعاش حوالي سنة (900م) كان أول من نظم الموشحة والزجل على غير اكتراث بلغة العامة - كما قال ابن بسام - فما هي هذه الموشحة؟ وما هو هذا الزجل؟
إن الموشحة - ومثلها الزجل - مقطوعات منظومة من مصاريع مقفاة قصار، على خلاف القصائد التي تنظم عادة من أعاريض طويلة، وتلاحظ فيها النبرات؛ لأنها تنظم للغناء وإن كانت كترانيم القديس أميروز تجري على أوزان القصيد، وهي تبتدئ بفاتحة تسمى المركز تتألف من سطرين أو ثلاثة أسطر مقفاة، وتتلوها مقطوعات تلتزم القافية في ثلاثة أسطر منها، ويأتي السطر الرابع على قافية المركز، وهو وزن تعودناه من المرددات الشعبية - الفولكلور - فهو وزن أغنية الحلقة أو الفرقة الراقصة ينشد قائدها المركز والخرجة، وتردد الفرقة سائر الأبيات؛ ومن ثم نعلم أن الشاعر مقدم لم يبتدع هذا النمط من النظم، وإنما عمد إلى أغنية الحلقة فصاغها صياغته الفنية وعممها واتفق ذلك في وقت له شأنه؛ إذ كانت الأندلس يومئذ تثور على حكم البلاط، ويشترك المسلمون والمسيحيون صفا واحدا في تلك الثورة، وينبغي أن نذكر أن اللغة العربية وإن كانت لغة البلاط، إلا أن اللغة الشائعة كانت مزيجا من اللهجات الإسبانية المتداولة المسماة بالرومانس، يتكلمها كثير من المسلمين في قرطبة، ويكون الشاعر الضرير إذن قد اشترك بشعره في ثورة وطنية موجهة إلى لغة الفاتحين، تشابه تلك التي حدثت قبل نصف قرن في بلاد الفرس.
وبعد أن قابل المؤلف الناقد بين أوزان الشعراء الجوالين وأوزان العرب، خلص إلى رأي يتوسط بين نسبة التطور كله إلى أثر الآداب العربية وبين إنكار كل أثر لهذه الآداب في مناهج أولئك الشعراء بما احتوته من معنى ومن صيغة لفظية؛ فنحن معه قد نبتعد عن الطرفين المتقابلين في بيان آثار الهجرة العربية إلى الأندلس: أولهما يتطوح مع الإنكار، ويكاد يزعم أن العرب لم يدخلوا ذلك الإقليم، أو دخلوه ولم يتغير بدخولهم كلام ولا عمل بين أهله، والآخر يحصر أسباب التغيير كلها فيما صنعه الفاتحون قاصدين أو على غير قصد منهم، فكلاهما غريب لا يعقل ولا يخفى ما فيه من هوى التحيز والانحراف، وإنما الرأي الصحيح هو الذي يستغرب أن تجري الأمور في غير مجراه. فلا بد من أثر ولا بد من صلة لهذا الأثر بالحضارة العربية مع انقطاع كل أثر سواه بالمصادر الأخرى، وما من شيء أقرب إلى طبيعة الأمور.
والرأي الذي لا غرابة فيه أن يكون العرب قد تأثروا بالبيئة الطبيعية التي انتقلوا إليها وأثروا في البيئة الاجتماعية، فلم تثبت على حالها التي وجدوها عليها، ولعلهم في هذه الظاهرة الإسبانية النادرة - ظاهرة الثقافة ذات الوطنين - نموذج صالح للقياس عليه، حينما تمثلت لنا المحافظة والتجديد جنبا إلى جنب في حركة واحدة من حركة واحدة من حركات الثقافة والحياة الفكرية. فهم محافظون متشددون كلما ارتبط الأمر بالأصول وخيف أن يحسب المنقطعون عن تلك الأصول منبوذين من موطنهم الأول دخلاء على موطنهم الجديد، وهم مجددون بعد ذلك فيما يختارونه أو لا يختارونه من مجاراة الأحوال الطبيعية حيث استقر بهم المقام جيلا بعد جيل، وقد يطيب لهم أن يسلكوا في تجديدهم مسلك المنافسة لإخوانهم الذين تركوهم وراءهم بموطنهم الأول، ما داموا ينظرون إليهم نظرة الند للند في انتسابهم إلى الأصل العريق.
وسنرى أن هذه الظاهرة تكررت على صورة قريبة من هذه الصورة، حين أصبح الإسبان أصحاب أدب مهاجر يناظر أدب الوطن العريق من وراء البحار.
نحو القرن العشرين
Shafi da ba'a sani ba