Secularism: Its Rise and Development
العلمانية - نشأتها وتطورها
Mai Buga Littafi
دار الهجرة
Nau'ikan
"وتعلموا كذلك أن هذه الدنيا الغرارة لن تلبث حتى تزول، وإن رجعة المسيح إلى الأرض، وهي ما اعتقدها الناس وشيكة الوقوع، سوف تملأ الدنيا عدلًا بعد ما ملئت الدنيا ظلمًا وجورًا وخبثًا ونقصًا يمحوه كله المسيح محوًا، وإذا كان كذلك فما الذي يحمل المسيحي على إلغاء الرق أو الحرب أو المتاجرة في المحرمات أو الربا أو استعمال القوة الغاشمة التي ساعدت الدولة الرومانية على النهوض، ما دام ذلك كله مقضيًا عليه بالزوال، وما دامت المشكلة الكبرى تنحصر في الوسيلة الواقية من العذاب الذي كتبه الله على الناس جزاءً وفاقًا لما ارتكبه آدم من الخطيئة في جنة الخلد، ولذا رضي المسيحيون بجميع ما وجدوا من نظم لا قبل لهم بتغييرها" (١).
وهذا التعليل مصيب، لكنه لا يمثل الحقيقة كاملة، فإن للكنيسة مستندات نقلية من نصوص الأناجيل لابد من عرض نموذج لها ومناقشته، وأهمها نصان:
١ - القول المنسوب للمسيح: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
هذا القول هو أقوى وأصرح حجج الكنيسة، ولقد ظل شعارًا ترفعه أوروبا كلما أملى عليها الهوى أن تخالف شرع الله وتتمرد على شرعه، وبفضل هذا الشعار أخذ الدين ينكمش وينحسر على مر القرون حتى لم يبق له في أحسن الأحوال إلا ساعة في الأسبوع خاوية من كل معنى .. فما قيمة هذا الدليل بالنظرة العلمية المنصفة؟
لقد سبق لنا أن قلنا: إن كل ما روي عن المسيح من أقوال ليست منسوبة إليه يقينًا، بل ولا ظنًا راجحًا، فالكنيسة بدلَّت وحرفت وأضافت وحذفت حتى طمست تعاليمه وأقواله ودفنتها إلى الأبد، وهذا القول مما يجوز أن يقال فيه -مبدئيًا-: إن المسيح لم يقله، وإنه من
_________
(١) (٢/ ١٠٩ - ١١٠).
1 / 65