قالت له: «يا حبيبي». وقال لها: «يا جنتي». وقالت له: «يا جنتي» ...
واصطدمت الدجاجة بالحائط أو اصطدم الحائط بها، فهي قد شعرت بالأمرين يحدثان في وقت واحد. وقطعوا رقبتها. ورفرفت بجناحيها كأن بوسعها أن تطير حتى وهي ميتة. وصاحت الطباخة وهي تنفض عنها الريش الذي لطخ ميدعتها: «لقد لطخت نفسها، الدجاجة المسكينة!» وذهبت لتغسل يديها في النافورة التي امتلأت بمياه الأمطار. وأغلقت كميلة عينيها ... ثقل زوجها ... رفرفة الأجنحة ... اللطخة ...
ومضت الساعة في دقاتها، بسرعة أبطأ الآن تك ... تاك ... تك ... تاك ... تك ... تاك ... تك ... تاك ... •••
نظر ذو الوجه الملائكي بسرعة في الأوراق التي سلمها له أحد الضباط في المحطة. وبدت المدينة له، وهو يخلفها وراءه، تخمش صفحة السماء بأظافر أسطحها القذرة. وكان للوثائق التي تسلمها أثر ملطف في نفسه، لقد حالفه الحظ إذ هو يسافر الآن بعيدا عن ذلك الرجل، في عربة قطار من الدرجة الأولى، محاطا بالعناية والرعاية، دونما جاسوس يتعقبه، وجيبه ملأن بالشيكات النقدية وأرخى جفنيه كيما يركز أفكاره على نحو أفضل. واكتسبت الحقول حركة من عبور القطار وسطها، وأخذت تجري هي أيضا كالأولاد الصغار، واحدا وراء الآخر، واحدا وراء الآخر، واحدا وراء الآخر: أشجار، بيوت، جسور ... ... يا لحسن حظي أن ابتعدت عن ذلك الرجل في عربة من الدرجة الأولى! ... ... واحدا وراء الآخر، واحدا وراء الآخر، واحدا وراء الآخر ... كان البيت يطارد الشجرة ، والشجرة تطارد السياج، والسياج يطارد الجسر، والجسر يطارد الطريق، والطريق يطارد النهر، والنهر يطارد الجبل، والجبل يطارد السحاب، والسحاب يطارد حقل الذرة، وحقل الذرة يطارد الفلاح، والفلاح يطارد حيواناته ... ... محاطا بالعناية والرعاية دونما جاسوس يتعقبني ... والحيوانات تطارد البيت، والبيت يطارد الشجرة، والشجرة تطارد السياج، والسياح يطارد الجسر، والجسر يطارد الطريق، والطريق يطارد النهر، والنهر يطارد الجبل والجبل يطارد السحاب ...
وسرت الصورة المنعكسة لقرية على طول سطح غدير شفاف مظلم كقاع الجرة الضخمة. ... والسحاب يطارد حقول الذرة، وحقول الذرة تطارد الفلاح، والفلاح يطارد حيواناته ... ... دونما جاسوس يتعقبني، والشيكات النقدية في جيبي ... ... والحيوانات تطارد البيت، والبيت يطارد الشجرة، والشجرة تطارد السياج، والسياج ...
وشيكات نقدية كثيرة في جيبي!
وومض جسر عبر النافذة كأنه مسند عصا بلياردو ... ضوء وظل، سلالم، جافة من الصلب، أجنحة عصافير ... ... السياج يطارد الجسر، والجسر يطارد الطريق، والطريق يطارد النهر، النهر يطارد الجبل، والجبل ...
وترك ذو الوجه الملائكي رأسه يسقط على ظهر المعقد المبطن بالقش. وتابعت عيناه الغافيتان الشريط الساحلي الخفيض المنبسط، الحار، الرتيب، بشعور مضطرب بوجوده في القطار، وعدم وجوده في القطار، وتخلفه وراء القطار، ومع كل لحظة يزداد تخلفه عن القطار، يزداد تخلفا، يزداد تخلفا، يزداد، يزداد، يزداد ...
وفجأة فتح عينيه. كان قد استغرق في النوم، النوم القلق لشخص هارب، قلق شخص يعرف أن الخطر قد يكون سابحا في الهواء ذاته الذي يتنفسه؛ وبدا له أنه قد قفز لتوه في مقعده بالقطار من خلال ثقب خفي. كان عنقه يؤلمه، والعرق ينفصد من وجهه، وثمة سحابة من ذباب تحوم حول جبهته.
وفوق الخضرة العابرة أمامه، كانت سحب ساكنة تتجمع، منتفخة بالمياه التي امتصتها من البحر، وعروق البرق تنبجس كالمخالب من وراء مراكزها الرمادية القطيفية.
Shafi da ba'a sani ba