وحدقت كميلة فيه بعينين مليئتين بالدموع. كان فمها كأنما قد أفعم بالشعر وأذناها بالمطر. - ولكن ... لماذا تبكين؟ ... لا تبكي ... - وماذا تريدني أن أفعل؟ - إن النساء جميعا سواء! - دعني ... - سوف تعتل صحتك إذا واصلت البكاء هكذا، بحق السماء! - كلا، دعني ... - كأنما أنا ذاهب إلى حتفي أو أنهم سيدفنونني حيا. - دعني!
وأخذها ذو الوجه الملائكي بين أحضانه. وعلى خديه الجامدين الرجوليين، اللذين لم يألفا البكاء، جرت دمعتان متعرجتان حارقتان، كأنهما مسماران لم يسهل اقتلاعهما.
وهمست كميلة: ولكنك ستكتب لي ... - بالطبع ... - وكثيرا أرجوك. إنك ترى أننا لم نفترق أبدا قبل الآن. لا تتركني دون خطابات، سيكون عذابا لي أن تمر الأيام دون أن أتلقى أنباء عنك. واعتني بنفسك! لا تثق بأحد، أتسمعني؟ لا تلق بالا لما يقوله أي شخص، خاصة من أبناء بلدك، فهم في غاية السوء. وفوق كل شيء، أرجوك (وهنا قاطعتها قبلات زوجها) ... أرجوك ... أن ... أرجوك ... أن تكتب لي دائما.
وأغلق ذو الوجه الملائكي الحقائب دون أن يرفع عينيه عن عيني زوجته الحنونتين المشتاقتين. كان المطر يهطل بشدة. وتدفقت المياه عبر الميازيب كالسلاسل الثقيلة. كانت فكرة أصيل الغد وقد اقترب جدا تخنقهما؛ وحين أصبح كل شيء جاهزا، خلعا ملابسهما في صمت، ودلفا إلى الفراش، بين دقات الساعة التي كانت تفتت الساعات الباقية ... تك ... تاك ... تك ... تاك ... ... تك ... تاك ... وطنين البعوض الذي لم يدعهما ينامان. - لقد خطر لي الآن أنني قد نسيت أن أقول لهم أن يغلقوا الأبواب حتى لا يدخل البعوض. يا إلهي، يا لي من بلهاء!
وكان رد ذي الوجه الملائكي الوحيد هو أن احتضنها بشدة أكثر، كانت كالحمل الصغير الذي لا يقدر بعد على الثغاء.
ولم يجرؤ على إطفاء النور، ولا على إغلاق عينيه، ولا على أن ينبس ببنت شفة. كانا أشد التصاقا، الواحد منهما بالآخر تحت الضوء، كما أن الصوت الإنساني يخلق مسافة تفصل بين المتكلمين، والجفنان المغلقان ما هما إلا حاجز منيع، والبقاء في الظلمة شكل من أشكال الفراق. وكان هناك الكثير مما يريدان قوله لأحدهما الآخر في هذه الليلة الأخيرة، حتى أن أطول حديث بينهما كان سيبدو كالبرقية الخاطفة.
وملأت الفناء ضجة الخدم يطاردون دجاجة وسط أحواض النباتات. كان المطر قد توقف، والمياه تقطر في الميازيب كأنها ساعة مائية. وجرت الدجاجة، وهفت ورفت، ساعية إلى الهرب من الموت الذي ينتظرها. وهمس ذو الوجه الملائكي في أذن كميلة وهو يسوي بطنها المستدير بيده: يا طاحونتي الصغيرة ... وقالت وهي تضغط بجسدها على جسده: يا حبيبي ...
وتحركت ساقاها تحت الغطاء كأنهما مجدافان يضربان المياه المترقرق في بحر لا قاع له.
كان الخدم لا يزالون يجرون ويصيحون. كانت الدجاجة قد هربت منهم، نابضة فزعة، وعيناها تكادان تقفزان من محجريهما، فاغرة المنقار، ناشرة جناحيها كأنهما الصليب، وقد تقطعت أنفاسها.
وتلاطفا، إذ هما متعانقان، بأصابع مرتجفة أصابع نصف ميتة ونصف نائمة، هلامية.
Shafi da ba'a sani ba