Salwat Kaib

سلوة الكئيب بوفاة الحبيب

Editsa

صالح يوسف معتوق - هاشم صالح مناع

Mai Buga Littafi

دار البحوث للدراسات الإسلامية

Inda aka buga

الإمارات

(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
(وَهُوَ تَعَالَى حسبي)
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْكَبِير حَافظ الشَّام أَبُو بكر شمس الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر عبد الله الشهير بِابْن نَاصِر الدّين الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى:
(مُقَدّمَة الْمُؤلف)
الْحَمد لله الْحَيّ الْبَاقِي على الدَّوَام؛ الْمُنْفَرد بالعز والقهر والجلال وَالْإِكْرَام؛ الْحَاكِم بالحمام على الْخَاص ووالعام، فَلَا محيد لأحد عَنهُ وَلَو عمر ألف عَام، جعل الزَّرْع البشري بمنجل الْمَوْت حصيدًا، وَفِي بيدر الأجداث بدياس البلى فقيدًا، ويقسمه يَوْم يذرؤه

1 / 81

خلقا جَدِيدا: فريقًا فِي الْجنَّة، وفريقًا فِي دَار الانتقام، فسبحانه من وَاحِد قهار جواد، وَارِث الْعباد والبلاد، باعث الرفات للمعاد، جَامع النَّاس ليَوْم تدحض فِيهِ الْأَقْدَام. نحمده على مَا سَاءَ وسر /، ونشكره على مَا حلا وَمر، ونؤمن بِمَا قدر من خير وَشر، ونسأله الرضى بِمَا قضى، وسطرته الأقلام. ونشهده أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، ذُو الْقُدْرَة الباهرة، والسطوة الباطشة الْقَاهِرَة، المعيد خلقه بعد الفناء؛ فَإِذا هم بالساهرة فِي يَوْم لَا كالأيام، ونشهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده الْأمين، وَرَسُوله الْمَأْمُون، الَّذِي أنزل عَلَيْهِ فِي كِتَابه الْمكنون، مُخَاطبا لَهُ بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ . وَاخْتَارَ لَهُ على هَذِه الدُّنْيَا الدنية

1 / 82

الْوَسِيلَة فِي دَار السَّلَام، صلى الله أشرف الصَّلَوَات عَلَيْهِ، وسَاق من التَّحِيَّات أفضلهَا إِلَيْهِ، وأنزله الْمنزل المقرب لَدَيْهِ، وبلغه نِهَايَة المرام، وَأَعْلَى الْإِكْرَام، وَرَضي الله عَن آله الْأَشْرَاف / السَّادة، وَأَصْحَابه الْأَعْلَام القادة، وتابعيهم فِي الْهدى وَالْعِبَادَة، وَعَلَيْهِم من رَبنَا السَّلَام.

1 / 83

(قصيدة فِي موت النَّبِي [ﷺ])
شعر: [من السَّرِيع]:
(مَا الْأَمر فِي ذِي الدَّار إِلَّا مَنَام ... كل سيدري حِين يَأْتِي الْحمام)
(يَقُول يَا لَيْت وأنى لَهُ ... وَالْمَوْت قد أطلق فِيهِ السِّهَام /)
(يود لَو أمهله لَحْظَة ... يَتُوب فِيهَا عَن ركُوب الْحَرَام)
(أَنى لَهُ التوب وَقد حشرجت ... فِي الصَّدْر مِنْهُ النَّفس للاصطلام)
(يَا نائمين انتبهوا طالما ... غر الأولى الماضين طول الْمقَام /)
(بَينا هم فِي غَفلَة إِذْ أَتَى ... مَا كفهم عَن فعلهم وَالْكَلَام)
(وأسكنوا فِي حُفْرَة أذهبت ... لحومهم لم تبْق غير الْعِظَام)
(بل أسحقت تِلْكَ الْعِظَام الَّتِي ... وجوهها كَانَت تنير الظلام)
(يَا حسن مَا كُنَّا جَمِيعًا فمذ ... ترحلوا عَنَّا أَقَامَ الغرام)
(وَكلما مر حَدِيث لَهُم ... تضَاعف الشوق وَزَاد الهيام)

1 / 84

(لله هَذَا الْمَوْت لم يبْق ذَا ... تقوى لتقواه وَلَا ذَا اجترام)
(وَلَو يحاشي أحدا فِي الورى ... حاشى نَبِي الله ذَا الاحترام /)
(لكنه أنهله كأسه ... وَهُوَ حبيب الله خير الْأَنَام)
(فماجت الأَرْض بِمن فَوْقهَا ... لمَوْته وانهل صوب الْغَمَام)
(وكل عين أنزفت دمعها ... وأهون الدمع عَلَيْهِ انسجام)
(وَأصْبح الْمَسْجِد من فَقده ... يشكو كَذَاك الْبَيْت ثمَّ الْمقَام)
(بل كل أَرض عَمها فَقده ... وَقد علاها بعد نور قتام)
(وَلم يجد خلق كأصحابه ... إِذْ أودعوه تَحت تِلْكَ السَّلَام)

1 / 85

(وَانْصَرفُوا عَنهُ وكل لَهُ ... حزن وهم لَا يُطيق الْكَلَام /)
(لله موت الْمُصْطَفى إِنَّه ... رزء عَظِيم لَا يضاهي الْعِظَام)
(فموته الْخطب الْجَلِيل الَّذِي ... هان بِهِ رزء الْجِيَاد الْكِرَام)
(لكنه حَيّ وَفِي رَوْضَة ال ... وَسِيلَة الْعُظْمَى بِأَعْلَى مقَام)
(عَلَيْهِ صلى الله من فَضله ... وسَاق تَسْلِيمًا إِلَيْهِ دوَام)
(ثمَّ على الْآل وَأَصْحَابه ... وَالتَّابِعِينَ الأطيبين السَّلَام)
(الْإِشَارَة إِلَى دنو أَجله [ﷺ])
قَالَ الله تَعَالَى ﷿ مُخَاطبا لنَبيه الْكَرِيم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ إِلَى آخر السُّورَة.
المُرَاد بِالْفَتْح: فتح مَكَّة وَمَا داناها. وبالناس: فِيمَا قيل أهل الْيمن وَمَا والاها، لِأَنَّهُ لما / بَلغهُمْ هَذَا الْفَتْح الْمُبين قَالُوا: لَوْلَا أَن مُحَمَّدًا [ﷺ] رَسُول من رب الْعَالمين، لصده عَن بَيته الْحَرَام، وَلم يبلغهُ من فَتحه المرام كَمَا فعل بتبع، وَأَصْحَاب

1 / 86

الْفِيل مِمَّن جعل كيدهم فِي تضليل؛ فَأَيْقنُوا حِينَئِذٍ برسالته احتجاجًا، ودخلوا طائعين فِي دين الله أَفْوَاجًا، وَأسْلمت الْقَبَائِل فُرَادَى وأزواجًا، وَلما شَاهد النَّبِي [ﷺ] ذَلِك وَرَآهُ علم أَن الْأَجَل قريب، فَاسْتَبْشَرَ بلقاء الله. وَهَذِه السُّورَة الشَّرِيفَة نزلت آخر السُّور الْعَظِيمَة، وفيهَا نعيت إِلَى / النَّبِي، [ﷺ]، نَفسه الْكَرِيمَة.
[كَثْرَة استغفاره [ﷺ]]
خرج أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْأَوْسَط عَن ابْن عَبَّاس [﵄] فِي قَول الله ﷿: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله / وَالْفَتْح﴾ قَالَ: فتح مَكَّة، نعيت لرَسُول الله [ﷺ] نَفسه، فَاسْتَغْفر الله رَبك، وَاعْلَم أَنه قد حضر أَجلك.

1 / 87

وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس بِمَعْنَاهُ. وَفِي الْبَاب أَحَادِيث سواهُ. فامتثل [ﷺ] بِمَا أَمر بِهِ سَرِيعا. وسارع إِلَى مَا ندب إِلَيْهِ مُطيعًا.
روى الْحسن بن سُفْيَان من طَرِيق أبي مُجَاهِد عبد الله بن كيسَان الْمروزِي عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس [﵄] قَالَ: " لما أقبل رَسُول الله [ﷺ] من غَزْوَة حنين، وَأنزل الله عَلَيْهِ: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله﴾ قَالَ: يَا عَليّ بن أبي طَالب، وَيَا فَاطِمَة: قد جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح، وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا، فسبحان رَبِّي وَبِحَمْدِهِ، وأستغفره إِنَّه كَانَ تَوَّابًا " أَكثر [ﷺ] / على هَذَا الذّكر الْمُوَاظبَة، وَاسْتَعْملهُ بِهَذَا اللَّفْظ وَمَا قاربه.

1 / 88

قَالَت عَائِشَة [﵂] مَا صلى النَّبِي [ﷺ] صَلَاة بعد أَن أنزلت عَلَيْهِ: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ إِلَّا يَقُول فِيهَا: " سُبْحَانَكَ رَبنَا وَبِحَمْدِك، اللَّهُمَّ اغْفِر لي ". وَصَحَّ عَنْهَا أَيْضا أَنَّهَا قَالَت: كَانَ رَسُول الله [ﷺ] يكثر من قَول: " سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، أسْتَغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ " فَقلت: يَا رَسُول الله، أَرَاك تكْثر من قَول سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ وَأَسْتَغْفِر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ. فَقَالَ: " خبرني رَبِّي [﷿] أَنِّي سأرى عَلامَة فِي أمتِي، فَإِذا رَأَيْتهَا أكثرت من قَول: سُبْحَانَ / الله وَبِحَمْدِهِ، أسْتَغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ، فقد رَأَيْتهَا: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ فتح مَكَّة ﴿وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا﴾ إِلَى آخر السُّورَة.

1 / 89

ويروى عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت: " وَكَانَ النَّبِي [ﷺ] فِي آخر عمره لَا يقوم وَلَا يقْعد / وَلَا يذهب وَلَا يَجِيء إِلَّا قَالَ: " سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ " فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ: " إِنِّي أمرت بذلك " وتلا هَذِه السُّورَة ".
بعْدهَا عَاشَ النَّبِي [ﷺ] سنتَيْن فِيمَا شاع.
[تَارِيخ نزُول سُورَة النَّصْر]
وَقيل: نزلت فِي أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق من حجَّة الْوَدَاع.

1 / 90