Sahih Bukhari

روايات ونسخ الجامع الصحيح

Mai Buga Littafi

دار إمام الدعوة للنشر والتوزيع

Bugun

الأولى

Shekarar Bugawa

١٤٢٦ هـ

Inda aka buga

الرياض

روايات ونسخ الجامع الصحيح
للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري
١٩٤-٢٥٦هـ
دراسة وتحليل
د. محمد بن عبد الكريم بن عبيد
أستاذ السنة النبوية وعلومها المشارك بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

Shafi da ba'a sani ba

مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
يُعد اختلاف روايات كتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦هـ) أحد المسائل العلمية التي شغلت بال المحدثين منذ وقت مبكر، وقد أشار إلى هذا الأمر الإمام الحافظ أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البُستي، المتوفى سنة (٣٨٨هـ) في كتابه «أعلام الحديث» الذي يعد أول شرح للجامع الصحيح، إلى اختلاف الروايات، فقال: وقد سمعنا معظم هذا الكتاب من رواية إبراهيم بن مَعْقِل النَّسَفِيِّ، حدثناه خلف بن محمد الخيَّام، قال: حدثنا إبراهيم بن مَعْقِلٍ، عنه.
سمعنا سائر الكتاب إلا أحاديث من آخره من طريق: محمد بن يوسف الفَرَبْريِّ، حدَّثنيه محمد بن خالد بن الحسن، قال: حدَّثنا الفَرَبْريِّ، عنه.
ونحن نبين مواضع اختلاف الرواية في تلك الأحاديث إذا انتهينا إليها إن شاء الله (١) .

(١) . أعلام الحديث ١/١٠٥-١٠٦.

1 / 5

وقد صنف الإمام الحافظ الناقد أبو علي الحسين بن محمد الغسانيُّ الجَيَّاني (ت٤٩٨هـ)، كتابه الشهير «تقييد المهمل وتمييز المُشْكل»، وجعل الجزء الخامس والسادس منه «التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين من قِبَل الرُّواة» «قسم البخاري»، ثم اختصره الإمام جمال الدين يوسف بن عبد الهادي (ت٩٠٩هـ) في كتابه «الاختلاف بين رواة البخاري عن الفربري، وروايات عن إبراهيم بن مَعْقِلٍ النْسفي»، وكذا تطرقت معظم كتب الفهارس، والبرامج، والكثير من معاجم الشيوخ والمشيخات والفهارس إلى روايات البخاري المختلفة، وروت تلك الروايات، وبيّن أصحابها طرقهم إلى تلك الروايات، وتحدثت كتب التراجم وتواريخ الرجال، وكتب الطبقات المختلفة، وكتب الجرح والتعديل عن رواة البخاري، وقدمت لنا معطيات ليست بالقليلة عن أبعاد هذه الروايات ومدى عناية أصحابها بمروياتهم تلك عن الإمام البخاري، وكذا اعتنت كتب التراجم بالتعريف برواة السنن والمسانيد خاصة فقد صنّف الإمام أبو بكر محمد بن عبد الغني البغدادي الحنبلي المعروف بابن نُقْطَةَ (ت٦٢٩هـ)، كتابه: «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» وألفَ الإمام محب الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد ابن رُشَيد الفهريُّ السبتيُّ الأندلسي (ت٧٢٦هـ)، كتاب «إفادة النصيح في التعريف بسند الجامع الصحيح»، وكتب الإمام تقي الدين أبو الطيب محمد ابن أحمد الفاسي المكي (ت٨٣٢هـ) كتاب «ذيل التقييد في رواة السنن والمسانيد»، وهكذا فإن الحديث عن روايات ورواة «الجامع الصحيح» للبخاري، وغيره من المصنفات الحديثية المهمة لن ينقطع ما تعاقب الليل والنهار. . . وهذا يشير إلى أهمية الموضوع وشرفه الكبير.

1 / 6

وقد أبدى الإمام الحافظ احمد بن عليِّ بن حجر العسقلانيُّ (ت٨٥٢هـ)، نشاطًا عظيمًا وفهمًا ثاقبًا دقيقًا في بيان اختلاف روايات البخاري، وبذل مجهودًا صادقًا في هذا الصدد، وأماط اللثام عن معظم المستعصيات التي لم تجد حلًا لدى الكثير من شُراح «الجامع الصحيح»، والتي كان سببها اختلاف الروايات، واستطاع بما وهبهُ الله من علم وذكاء ومهارة فائقتين ثم بوقوفه على كثير من نسخ الصحيح توظيف اختلاف الروايات لصالح «الجامع الصحيح» .
وبحثنا هذا حاول تفسير ظاهرة اختلاف الروايات لصحيح البخاري، ودراسة أسبابها، وبيان دواعيها، والوقوف على العوامل المشتركة بينها، وكيفية الاستفادة منها، إضافة إلى التعريف برواة «الجامع الصحيح»، وأشهر نسخه.
ويمكنني أن ألخص أهم عناصر البحث بالنقاط الآتية:
المقدمة: تحدثت فيها عن أهمية الموضوع، ومدى عناية المحدثين، والنقاد به، وأشهر المصنفات التي يمكن الرجوع إليها لمعرفة اختلاف روايات البخاري.
الباب الأول: الإمام البخاري وعنايته بمصنفاته، واشتمل على فصلين:
الفصل الأول: التعريف بالإمام الحافظ أبي عبد الله البخاري وتَحدَّث باقتضاب عن الإمام أبي عبد الله البخاري، وذكر بعض أقوال العلماء فيه، ثم محنته ووفاته، وذلك كمدخل موجز بين يدي البحث.
الفصل الثاني: عناية الإمام البخاري بـ «الجامع الصحيح» ومصنفاته الأخرى.

1 / 7

الباب الثاني: روايات الجامع الصحيح، ونسخه، واشتمل على فصلين:
الفصل الأول: روايات الجامع الصحيح للإمام البخاري.
الفصل الثاني: أشهر طبعات صحيح البخاري ونسخه المخطوطة.
الباب الثالث: الاختلاف في روايات الجامع الصحيح، وتوجيهات الإمامين أبي عليّ الجياني، وابن حجر رحمهما الله، واشتمل على فصلين:
الفصل الأول: أنواع الاختلاف في روايات الجامع الصحيح.
الفصل الثاني: أهمية توجيهات الإمامين أبي عليّ الجياني وابن حجر رحمهما الله.
وأخيرًا نتائج البحث وتوصياته العلمية.
والله الكريم أسال التوفيق والسداد، وأن يمنَّ عليَّ بالعون بمنه وكرمه، وأن يهديني لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وأن يكون هذا البحث قد ألقى الضوء على اختلاف روايات «الجامع الصحيح ونسخه»، وأن ينفع بهذه السطور دنيا وآخرة، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، إنه خير مسؤول، وأعظم مأمول، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1 / 8

الباب الأول: الإمام البخاري وعنايته بمصنفاته
الفصل الأول: التعريف بالإمام الحافظ أبي عبد الله البخاري
ليس الهدف من هذه السطور محاولة صياغة ترجمة موسعه للإمام أبي عبد الله البخاري، فقد صُنفت حول هذا الإمام المصنفات المطولة منذ وقت مبكر، كما كُتب عنه العديد من الرسائل الجامعية، وإنما الغاية من هذه الترجمة إبراز المنزلة المرموقة التي كان يحتلها هذا الإمام بين الأئمة والحفاظ، كي تكون تذكرة للقارئ، ومدخلًا لبحثنا هذا.
اسمه ونسبه:
هو إمام المسلمين، وشيخ المحدثين، وأمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة (١)، وقيل: ابن الأحنف، الجُعْفِيُّ مولاهم، أبو عبد الله ابن أبي الحسن.
وكان جدّه المغيرة مجوسيًا، ثم أسلم على يدي اليمان الجعفيّ والي بخارى، فنسب إليه ولاء.
مولده ونشأته:
كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الورعين،

(١) . ينظر تقييد هذا الاسم في: الإكمال ١/٢٥٩، وقال: وهو بالبخارية، ومعناه بالعربية: الزراع. طبقات الشافعية الكبرى ٢/٢١٢.

1 / 9

سمع مالك بن أنس، وصافح ابن المبارك بكلتا يديه.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلت عليه عند موته، فقال: لا أعلم في جميع مالي درهمًا من شُبهة.
قال أحمد بن حفص: فتصاغرت إليَّ نفسي عند ذلك (١) .
ولد أبو عبد الله يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ببخاري (٢)، وتوفى أبوه وهو صغير، فنشأ يتيمًا في حجر أمه.
وكان الإمام البخاري نحيفًا ليس بالطويل ولا بالقصير، وذهبت عيناه في صغره، فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل ﵇، فقال لها: يا هذه قد ردَّ الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو كثرة دعائك (٣) .
طلبه للعلم ورحلاته:
قال رحمه الله تعالى: ألهمتُ حفظ الحديث وأنا في الكُتَّابِ ولي عشر سنين، أو أقل، ثم خرجت من الكتَّاب بعد العشر، فجعلت اختلف إلى الداخلي وغيره، فلما طعنت في ست عشرة سنة، كنت قد حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء - يعني أصحاب الرأي - ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع أخي

(١) . سير أعلام النبلاء ١٢/٣٩١-٣٩٢، طبقات الشافعية الكبرى ٢/٢١٣.
(٢) . مدينة في واحة كبيرة بجمهورية أزبكستان على المجرى الأسفل لنهر زرافشان، وترتفع على سطح البحر ٢٢٢.٤مترًا، وهي من أعظم مدن ما وراء النهر، بينها وبين سمرقند ثمانية أيام.
انظر: بلدان الخلافة الشرقية ٥٠٣.
(٣) . تاريخ بغداد ٢/٦، طبقات الحنابلة ٢/٢١٥-٢٥٢، تهذيب الكمال ٢٤/٤٣٨، طبقات الشافعية الكبرى ٢/٢١٦، هدي الساري ٤٧٨.

1 / 10

وتخلفت في طلب الحديث، فلما طعنت في ثماني عشرة جعلت أصنف فضائل الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفت كتاب «التاريخ» إذ ذاك عند قبر رسول الله ﷺ في الليالي المقمرة، وقال: قلّ اسم في «التاريخ» إلا وله قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب (١) .
سمع ببخارى قبل أن يرتحل، ثم سمع ببلخ، وبنيسابور، وبالرَّيّ، وببغداد، وبالبصرة، وبالكوفة، وبمكة، وبالمدينة، وبمصر، وبالشام، وبواسط ... وقال: دخلتُ بلخ، فسألوني أن أُملي عليهم لكل من كتبت عنه حديثًا، فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم، وقال قبل موته بشهر: كتبت عن ألف وثمانين رجلًا، ليس فيهم إلا صاحب حديثٍ، كانوا يقولون: الإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص (٢) .
وقال: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، لقيتهم كَرّات، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، وبالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان (٣) .
وحدَّتَ بالحجاز، والعراق وخراسان، وما وراء النهر.
أقوال العلماء وثناؤهم عليه:
قال البخاري رحمه الله تعالى: ما قدمت على أحد إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به.

(١) . انظر: تاريخ بغداد ٢/٦، تهذيب الكمال ٢٤/٤٣٨، سير أعلام النبلاء ١٢/٣٩٤-٣٩٥.
(٢) . انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/٣٩٤-٣٩٥، فتح الباري ١/٤٤.
(٣) . سير أعلام النبلاء ١٢/٤٠٧.

1 / 11

وقال أبو الأزهر: كان بسمرقند أربع مائة ممن يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد اليمن في إسناد الحرمين، فما تعلقوا منه بسقطةٍ لا في الإسناد، ولا في المتن.
وقال رحمه الله تعالى: ما استصغرت نفسي عند أحدٍ إلا عند عليّ ابن المديني، وربما كنت أغْرِبُ عليه.
وقال: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.
وقال: إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا.
وقال مشايخ البصرة: كان لا يتقدمه أحدٌ، وكان أهل المعرفة من البصريين يَعْدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان شابًا لم يخرج وجهه (١)، ولما دخل البصرة قال محمد بن بشار: دخل اليوم سيد الفقهاء، وقال: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالرَّيَّ، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدَّارمي بسمر قند، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى.
وكان ابن صاعدٍ إذا ذكره يقول: الكبش النّطاح.
وقال محمود بن النضر الشافعي: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم.

(١) . تهذيب الأسماء واللغات ١/١٧٠، سير أعلام النبلاء ١٢/٤١١-٤١٥، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/٢١٧.

1 / 12

وقال عمرو بن عليّ الفلاّس: حديثٌ لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث.
وقال محمد بن سلاَّم البيكَنْدِيُّ للبخاري: انظر في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضرب عليه، فقال له أصحابه: من هذا الفتى؟ فقال: هذا الذي ليس مثله.
وقال قتيبة بن سعيد: جالست الفقهاء والزهاد والعُبَّاد، فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة، وقال أيضًا: لو كان محمد بن إسماعيل في الصحابة، لكان آية.
وقال رجاء بن رجاء: فَضْلُ محمد بن إسماعيل على العلماء، كفضل الرجال على النساء.
وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدَّرامي: قد رأيتُ العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق، فما رأيت منهم أجمع من محمد بن إسماعيل، وقال: هو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلبًا.
وقال عبد الله بن سعيد بن جعفر: سمعت العلماء بمصر يقولون: ما في الدنيا مثل محمد بن إسماعيل في المعرفة والصلاح، ثم قال عبد الله: وأنا أقول قولهم.
وقال موسى بن هارون الحافظ: عندي لو أن أهل الإسلام اجتمعوا على أن يصيبوا آخر مثل محمد بن إسماعيل لما قدروا عليه.
وقال أحمد بن حنبل: لم يجئنا من خراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال له مسلم بن الحجاج: أشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، وجاء إليه فقبله بين عينيه، وقال: دعني حتى أُقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين ويا طبيب الحديث في علله.

1 / 13