وحدث عقب ذلك تلك المناوشات التي قامت في السودان، وأعقبها أيضا مقتل المرحوم السير لي ستاك باشا سردار الجيش المصري، وحاكم عام السودان، واحتلال الإنجليز لجمرك الإسكندرية، فبادر بالاحتجاج الشديد وأعقبه تقديم استقالته للمرة الثانية، وشدد في قبولها فقبلت فعلا بتاريخ 24 نوفمبر سنة 1924، وسنأتي إن شاء الله في الجزء الثاني على وصف منفى الرئيس الجليل في عدن وسيشل وجبل طارق، وشيئا كثيرا من خطبه السياسية الرنانة التي ألقاها عقب عودته من منفاه.
صفاته وأخلاقه
ليس بين العالمين الغربي والشرقي من يمكنه إنكار بطولة هذا المجاهد العظيم والزعيم الكبير، وتمسكه الشديد بالدفاع عن حقوق البلاد بهمة لا تعرف الملل مع شيخوخته وكبر سنه، وأن التاريخ والواقع يؤيدان هذه الصفات السامية في شخصه الكريم، ولا مشاحة في أنه بطل مصر الأوحد، وعلمها المفرد صاحب المبدأ القويم والحزم الأكيد، ولا يتزحزح عن الحق قيد شعرة ولا يلين لمخلوق يريد خدعه قوى العارضة عظيم الذكاء، جرئ المخاطبة صادق النية خالص الطوية محبوبا من جميع طبقات الأمة على اختلاف أنواعها وتباين مذاهبها.
أدامه الله للأمة المصرية إماما ولقضيتها قائدا أمينا.
حضرة صاحب الدولة الجليل محمد توفيق نسيم باشا رئيس الديوان العالي الملكي وسنأتي على تاريخ حياته المجيد في الجزء الثاني إن شاء الله.
حديث ذو شأن خطير لصاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون للتوفيق بين الأحزاب
وقد كان في عهد الوزارة الزغلولية ومن قبل ومن بعد ثلاثة أحزاب مخالفة لمبدأ الوفد المصري، وكان كل منها يرمي إلى غاية مخصوصة، وهي: حزب الأحرار الدستوريين، والحزب الوطني، وحزب الاتحاديين، ولهذه الأحزاب صحف يومية خاصة بها تعبر عن آرائها، وكثيرا ما كانت تحمل على الوفديين من أنصار الزغلوليين، وكانت هذه الحملات الشديدة نراها بارزة في أعمدة تلك الصحف ، مما دعا لتداخل سمو الأمير الجليل عمر طوسون وإرساله دعوة خاصة لرؤساء هذه الأحزاب الثلاثة بقصد التوفيق بينهما، وجمع الكلمة ليتيسر لمصر مناهضة السياسة الاستعمارية بقوة الاتحاد، فقوبلت هذه الدعوة بما تستحقه من التجلة والاحترام، ونحن ندون لسمو الأمير الجليل تلك الدعوة الهامة شاكرين لسموه هذا المسعى الجميل، فقد قصد سموه مندوب من قبل جريدة الأهرام الغراء، واستأذن سموه في محادثته في هذا الشأن، فأذن له ودارت بينهما المحادثة الآتية:
س:
هل توافقون سموكم على عقد مؤتمر وطني عام للنظر في الحالة الحاضرة؟
فأجاب سموه: «الصحيح أني أحللت هذا المقترح محل الاعتبار والنظر، ويمكن بعد ذلك البحث فيما إذا كان ممكنا أم لا.»
Shafi da ba'a sani ba