Awowi Tsakanin Littattafai
ساعات بين الكتب
Nau'ikan
فأنا أترجى منه الجائزة التي يأخذها الشعراء.
والذين يكسبون المال بالشعر لا يعملون عملا، ولا يحترفون صناعة غير هذه الصناعة.
وأنا فضلا عن هذا ضرير.
فأنا أولى ألا تكون لي صناعة.
فإذا طالبتني بصناعة أو صدقت أنني صاحب صناعة، فلماذا لا تصدق على هذا القياس أنني أثقب اللؤلؤ؟
فأنت إذن في غفلة مضحكة، أو أنت إذن في حاجة إلى التقريع.
هذا هو شرح تلك الحجة الموجزة الوحية، وقد تدخل النكات المبالغة للتوضيح والتكبير، فالمبالغة هنا هي بمثابة المضاعفة في الرسم؛ ليراه من لا يقنع بالرسم الصغير، ومن ثم كانت كلمة «الكاريكاتور» في اللغات الأوربية مشتقة من الإطباق والتحميل، كأن المصور الهزلي لا يزال يضيف على الصفة التي يرسمها حتى يثقلها بالإضافة والزيادة، فالكلمة في ذاتها تصويرية؛ لأنها تصور لنا رجلا مكابرا بالقوة لا يزال يلقى عليه حمل بعد حمل، وتطبق عليه علاوة بعد علاوة حتى يرزح بما عليه ويقر بما لا مناص منه.
وقد يسأل سائل: ولماذا إذن تضحكنا النكتة السريعة، ولا يضحكنا القياس المفصل والقضية المبسوطة؟ فجواب هذا قد يوجد في تعليل «هربرت سبنسر» للضحك وهو خير تعليل وقفنا عليه في كتابات المعاصرين، ولا نقصد هنا إلا تعليل حركة الضحك الجسدية، لا تعليل أسباب الضحك، فإن السبب الذي يذكره برجسون مثلا رجيح صالح لتفسير كثير من علل المضحكات، ونعني رأيه الذي يذهب فيه إلى أننا نضحك من كل تصرف في الإنسان يشبه التصرف الآلي الخالي من التفكير، ونحن مع هذا نقول: إن التماس علة واحدة لجميع الضحك خطأ لا يؤدي إلى راتب صائب؛ لأن الضحك وإن كان اسمه واحدا، إلا أنه ليس بظاهرة واحدة حتى يكون له سبب واحد.
ونعود إلى رأي سبنسر بعد هذا الاستطراد فنقول: إن الضحك عنده ينشأ من تحول الإحساس فجأة من الأعصاب إلى العضلات، فإن من المقرر في «النفسيات» أن الإحساس إذا اشتد وألحف على الأعصاب تجاوزها إلى العضلات، فظهر عليها في حركة عنيفة أو رفيقة على حسب قوته واشتداده، فإذا حبس الإحساس في طريقه فجأة تحول بغير إرادتنا من الأعصاب إلى أسهل العضلات حركة وأسرعها تأثرا وهي عضلات الوجه والشفتين، ثم عضلات العنق والرئتين، فتتحرك بالابتسام أو بالضحك أو بالقهقهة أو بالوقوف والاختلاج عند من يغلبه الضحك وتهتز له عضلات الجسم كله، والدليل على ذلك أننا نضحك إذا غلبنا الإحساس وتحول من العصب إلى العضل أيا كان الموحي به والباعث عليه، فنضحك من الغيظ والألم ونضحك الضحكة الهستيرية التي يفرج بها المكروب عن أعصابه المكظومة، كأنما يخفف عنها بنقل شيء من ضغط الإحساس عليها إلى العضلات؛ فالضحك هو الانتقال فجأة من الإحساس إلى الحركة العضلية، والنكتة السريعة تضحكنا؛ لأنها تفاجئ التفكير بحالة غير مرتقبة، وتعجله عن انتظار النتيجة في طريقها الممهد المألوف.
ومن الأمثلة التي أوردها سبنسر للمضحكات منظر جدي يظهر على المسرح فجأة بين حبيبين يتناجيان، فإحساس النظارة هنا يمشي في طريق الغزل، وينتظر أن يمشي فيه إلى نهايته المناسبة له، ويوجه الذهن إلى هذه الناحية، ولكنه لا يلبث أن يلمح الجدي على المسرح حتى يحتبس في موضعه ويتحول على غير انتظار إلى ناحية أخرى. فيندفع الإحساس من الأعصاب إلى العضلات وتحدث الحركة التي نسميها الضحك حين يختلج بها الفم والرئتان، وفي كل «نكتة» شيء من هذا التحول الذي مثل له سبنسر ينجم عن المفاجأة بما ليس في الحسبان، ويتلخص في إظهار نتيجة غير النتيجة التي تبدر إلى الذهن لأول نظرة من الشيء المضحوك منه.
Shafi da ba'a sani ba