Ruznamaja
الروزنامجة
Editsa
الشيخ محمد حسن آل ياسين
Mai Buga Littafi
مكتبة النهضة
Bugun
الأولى
Shekarar Bugawa
١٣٨٥ هـ - ١٩٦٥ م
Inda aka buga
بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عباد:
فصلٌ
وردتُ - أدام الله عزَّ مولانا - العراق، فكان أوَّل ما اتفق لي استدعاء مولاي الأستاذ أبي محمد أيَّده الله، وجمعه بين ندمائه من أهل الفضل وبيني، وكان الذي كلَّمني منهم شيخ ظريف، خفيف الروح أديب، متقعِّر في كلامه
1 / 87
لطيف يُعرفَ بالقاضي ابن قريعة، فإنه جاراني في مسائل خفَّتُها تمنع من ذكرها واقتصاصها، إلا أني استظرفت قوله في حشو كلامه: هذا الذي أورْدَتهُ الصافَّة عن الصافَّة، والكافَّة عن الكافة، والحافَّة عن الحافة.
وله نوادر غريبة ومِلحُ عجيبة منها:
إن كهلًا تطايب بحضرة الأستاذ أبي محمد أيَّدَه الله، فسأله عن حدِّ القفا مريدًا تخجيله، فقال هو ما اشتمل عليه جِربّانُك، ومازحك فيه إخوانك، وباسطك فيه غلمانك، وأدَّبك عليه سلطانُك، فهذه حدودُ أربعة.
1 / 88
فانصرفت وقد ورد الخبرً بِمُضيِّ أبي الفضل صاحب البريد ﵁ ورحمه، وأنسأ أَجَلَ مولانا ومدَّ فيه -، فساعدتُ القومَ على الجلوس للتعزية عنه، لِمَا كان من الحال الذي يُعْرَف بيني وبينه:
صِلةٌ غدتْ في الناسِ وهيَ قطيعةٌ ... عجبًا وبِرٌّ راح وهو جفاءُ
فما تمكَّنْتُ أنْ جاءني رسولُ الأستاذ أبي محمد - أيَّده الله - يستدعيني، فعرَّفته عذري وحسبته يعفيني، فعاودني بمن استحضرني، فدخلتُ عليه وقد قعد. . . .، ثم قال: أتعرف أحسنَ صنيعًا منّي بك؟ وقد نقلتك عن وا حرباه إلى وا طرباه، وسمعت عنده خادمه المسمَّى سلافًا وهو يضرب بالطنبور، ويجيد ويغنّي ويحسن، وفيه يقول - وقد شربنا عنده سلافًا -:
قد سمعنا وقد شربنا سلافًا ... وجَمَعنا بلطفه أوصافا
وشاهدت من حسن مجلسه، وخفَّة روح أدبه، وإنشاده
1 / 89
الصنوبري وطبقته، ما طاب به الوقت، وهشَّت له النفس، وشاكل رقَّة ذلك الهوى، وعذوبة ذلك اللمى.
وكان فيما أنشدني لنفسه، وقد عمله في بعض غلمانه:
خطط مقوَّمةٌ ومفرقُ طُرَّةٍ ... فكأنَّ سُنَّةَ وجهه محراب
وَرَّيْتُ في كشفِ الذي ألقى به ... فتعطَّل النَّمام والمغتاب
فانصرفتُ عنه، وجعلت ألقاه في دار الإمارة، وهو على جملةٍ من البرِّ والتكرمة، حتى عرفتُ خروجَه إلى بستانٍ بالياسريَّة لم يُرَ أحسن منه ولا أطيبُ من يومه فيه، لا أنَي حضرتُه ولكني حُدِّثْتُ بما جرى له، فكتبتُ إليه شعرًا:
قل للوزير أبي محمدٍ الذي ... من دون محتدِهِ السهى والفرقَدُ
1 / 90
مَنْ أن سما هبط الزمانُ وريبُه ... أو قام فالدهرُ المغالِبُ يقعدُ
سقَّيتني مشمولةً ذهبيةً ... كالنار في نور الزجاجة توقَدُ
لمَّا تخون صرفُ دهرٍ عارضٍ ... صبري وقلبي مستهامٌ مُكمدُ
وفطمتني من بعدها عنها فقد ... أصبحتُ ذا حزنٍ يقيم ويقعدُ
من أين لي مهما أردتُ الشربَ عن ... دك يأخا العلياء صبرٌ يوجدُ
فاستطاب هذا الشعر وأُعجِبَ به، واستدعاني من غده
فصلٌ
استدعاني الأستاذ أبو محمد فحضرتُ، وابنا المنجِّم في مجلسه، وقد أعدا قصيدتين في مدحه، فمنعهما من النشيد
1 / 91
لأحضره، فأنشدا قعودًا وجَوَّدًا، بعد تشبيب طويل وحديث كثير، فانَّ لأبي الحسن رسمًا أخشى تكذيب سيدنا إن شرحتُه، وعتابه إنْ طويته، ولئن أحصل عنده في صورة متزيِّد أحبَّ إليَّ من أن أحصل عنده في رتبة مقصِّر: يبتدئ فيقول ببحّة عجيبة - بعد إرسال دموعه، وتردد الزفرات في حلقه، واستدعائه من جؤذر غلامه منديل عبراته: والله والله، وإلا فأيمان البيعة تلزمه بحلِّها وحرامها وطلاقها وعتاقها، وما ينقلب إليه حرام، وعبيده أحرار لوجه الله تعالى، إن كان هذا الشعر في استطاعة أحدٍ مثله، واتفق من عهد أبي دؤاد الإيادي إلى زمان ابن الرومي لأحدٍ شكله، بل عيبه إن
1 / 92
محاسنه تتابعت، وبدائعه ترادفت، فقد كان في الحق أن يكون كل بيتٍ منه في ديوان يحمله ويسود به شاعره. ثم ينشد، فإذا بلغ بيتًا يعجب به ويتعجب من نفسه فيه قال: أيها الوزير! من يستطيع هذا إلا عبدك علي بن هارون بن علي بن يحيى بن أبي منصور بن المنجم جليس الخلفاء وأنيس الوزراء. ثم ينشد الابن، والأب يعوِّذه ويهتزُّ له ويقول: أبو عبد الله - أستودعه الله - وليُّ عهدي، وخليفتي من بعدي، ولو اشتجر
1 / 93
اثنان من مصر وخراسان لما
رضيتْ لفصل ما بينهما سواه. أمتعنا الله به ورعاه. وحديثهُ عجب، وإن استوفيتُه ضاع الغرض الذي قصدتُه، على أنه - أيَّد الله مولانا - من سعة النفس والخلق، ووفور الأدب والفضل، وتمام المروءة والظرف، بحالٍ أعجزُ عن وصفها. وأدلُ على جملتها: أنه - مع كثرة عياله واختلال أحواله - طلب سيف الدولة جاريته المغنِّية بعشرين ألف درهم أحضرها صاحبه، فامتنع من بيعها، وأعتقها وتزوَّج بها.
فصلٌ
وسمعتُ عنده أبا الحسن بن طرخان، وقد نمِي إلى
1 / 94
سيدنا خبر فنِّه وحذقه، والفتى يُبرز مع التمسك بمذهبه، وليس بالعراق ولا شيءٍ من الآفاق طنبوريٌّ يشاكله أو يقاربه. ومما يُغَنّى به من شعر أبي الحسن ويُحْلَفُ على الرسم أنْ لا مُداني له فيه:
بيني وبين الدهر فيك عتابُ ... سيطولُ إنْ لم يمحهُ الاعتابُ
يا غائبًا بوصاله وكتابِهِ ... هل يُرتجى من غَيْبَتَيْكَ ايابُ
وإذا بعدت فليس لي متعلَّلٌ ... إلا رسولٌ بالرضا وعتابُ
وإذا دعوت مساعدًا فهو المنى ... سعد المحبُّ وساعد الأحباب
1 / 95
لولا التعلل بالرجاء تقطَّعَتْ ... نفسٌ عليك شعارُها الأوصاب
لا يأس من رَوْح الإله فربَّما ... يصل القطوع وتحضر الغيّابُ
وقال الصاحب: توفَرْتُ على عِشْرة فضلاء البلد، فأولُ مَنْ كارثني أولاد المنجِّم، لفضل أبي الحسن علي بن هارون وغزارته، واستكثاري من روايته، وطيب سماعه ولذيذ عِشْرته، فسمعتُ منه أخبارًا عجيبة، وحكايات غريبة، ومن ستارته أصواتًا نادرة مشنَّفةً مقرطقة، يقول في كلٍّ منها: الشعر لفلان والصنعة لفلان، أخَذَتْهُ هذه عن فلانٍ أو فلانة، حتى يتصل النسب بإسحاق أو غيره من أبناء جنسه، وكان أكثر ما يعجَبُ به مولاها أبيات له، أولها:
ضلَّ الفراق ولا اهتدى ... ونأتْ فلا دنت النوى
1 / 96