وقال فيشمان: أنا كالطبيب الذي يعالج المريض سواء كان صديقا أو عدوا.
قال الهندي: لا، هناك فارق بين الطب والاقتصاد، الاقتصاد جزء لا ينفصل عن السياسة، بل هو الركيزة التي تقف عليها السياسة. أما الطب فهو علم منفصل عن السياسة، أليس كذلك يا دكتورة؟
ووجه الرجل الهندي سؤاله إلي، فقلت: بل إن الطب أيضا لا ينفصل عن السياسة؛ هناك طب يعالج المريض دون أن يستغله وهناك طب يعالج المريض ويستغله. لا يمكن فصل أي شيء عن السياسة حتى الحب.
وضحك فيشمان محولا المناقشة إلى نوع من المرح والفكاهة، لكني قلت بجدية وحزم: نعم، هناك حب ينشأ على أساس من التساوي والتبادل، وهناك حب يقوم على عدم التساوي والاستغلال.
ولم يحاول فيشمان أن يقتنع، وذكرني بالشاب الهندي الذي درس الكيمياء في بولندة والذي يفصل بين دراسته العملية وبين حياته اليومية من حيث الزواج والدوبارة المقدسة التي يعلقها في عنقه، وإيمانه بأن أرواح الموتى تخاطب الذكور وترفض مخاطبة النساء.
إن الإنسان المثقف في نظري هو الذي استطاع أن يربط بين العلوم المختلفة، وينظر إلى الحياة والإنسان نظرة كلية شاملة، والإنسان الجاهل في رأيي هو الذي يقسم عقله إلى حجرات منفصلة، يضع في حجرة علم الكيمياء أو الاقتصاد أو الطب، ويضع في حجرة أخرى الدين أو المعتقدات والأفكار الموروثة، ويضع في حجرة أخرى الحب أو الجنس، ويضع في حجرة أخرى السياسة ... وهكذا يفقد نظرته الشاملة للحياة والإنسان، ويعجز عن فهم مظاهر الاستغلال المحيطة به. إنه قد يكون أخصائيا ماهرا في عمله. لكنه يصبح كالثور الذي يجر الساقية دون أن يعرف إلى أين يذهب ماء الساقية، أيذهب إلى حقول الفلاحين الكادحين الذين يحتاجون إلى الماء لزراعة المحاصيل؟ أم يذهب إلى حوض السباحة في بيت الحاكم لتسبح فيه كل صباح زوجته السمينة العاطلة؟ وحينما تسأل الثور: هل تعرف إلى أين يذهب الماء الذي تخرجه من الساقية؟
يرد الثور قائلا: لا أعرف، ليس هذا تخصصي. إن تخصصي الوحيد هو أن أجر الساقية.
ويساعد كثير من الأديان (وبالذات الدين الهندوكي) على هذا الفصل بين العمل ونتيجة العمل.
حين تدخل المعابد الهندوكية تقرأ هذه اللوحة معلقة على الجدران: «اعمل بكل طاقتك ولا تفكر في نتيجة العمل». وقد أخذت هذه العبارة من كتاب الهندوكيين المقدس وهو «الجيتا»، وكان غاندي أيضا يتبع هذه الفلسفة ويفصل بين العمل ونتيجته؛ ولهذا فشلت حركته سياسيا وانتهت بتقسيم الهند.
لو أن كل إنسان عرف لماذا يعمل وإلى أين تذهب نتيجة عمله لما استطاع أن يستغل جهد أحد (أو علم أحد)، ولانقرض الاستعمار والاستغلال من الهند ومن البلاد الأخرى.
Shafi da ba'a sani ba