Furen Littafi

ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب

Editsa

محمد عبد الله عنان

Mai Buga Littafi

مكتبة الخانجي

Bugun

الأولى

Shekarar Bugawa

١٩٨٠م

Inda aka buga

القاهرة

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم
الْحَمد لله الَّذِي أقسم بالقلم تَفْضِيلًا وتشريفا، واستخدمه من فَوق الطباق السَّبع، فَأَسْمع من أسرى بِهِ إِلَى حَضْرَة الْجمع صريفا، وَعلم الْإِنْسَان مَا لم يعلم، فأحله بذلك محلا شريفا، وَصَرفه فِي كِتَابَة الْوَحْي تصريفا، وَجعله نايب اللِّسَان بَيَانا للأمور الغايبة عَن الْبَيَان وتعريفا، ومقيدا لما يذهب بذهاب الزَّمَان تدوينا وتصنيفا، فلولاه لم ندر شرعا وَلَا تكليفا، وَلَا اجتلينا خَبرا طريفا، وَلَا استطلعنا لعلم تأليفا، سرا غَرِيبا، وَمعنى لطيفا، يحار فِيهِ الْإِدْرَاك، وَإِن لم يكن بليدا كثيفا، ويموج بَحر الِاعْتِبَار، محيطا بذوي الاستبصار مطيفا. وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي كَيفَ أَسبَاب السَّعَادَة تكييفا، وَهدى بِهِ صراطا قويما، ودينا حَنِيفا، وَجعله أَمينا، كي لَا يستدعى توهم الِاكْتِسَاب لما جَاءَ بِهِ من النُّبُوَّة وَالْكتاب قولا سخيفا، وَمَا أوهم الالتباس بِالْأَمر الشريف كَانَ شريفا. والرضى عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين كتبُوا الْوَحْي بأقلامهم، وجودوا نَقله عَن أعلامهم، لَا يقبل تبديلا، وَلَا تحريفا، وَكفى بذلك، للكتابة وَالْكتاب، فخرا لزيما أليفا، فَأَنِّي، وَمَا أولى أنيتي بالمجاز عِنْد الِاخْتِصَاص بِمَعْرِفَة نَفسِي، والامتياز لما كبح السن عناني، وَعمر التشمير للرحيل عَن الرّبع الْمُحِيل جناني، وَاسْتقر على الزّهْد فِيمَا [يجمع ويؤلف]، ويدون ويصنف شاني، وَإِن عذل العاذل، وَرَغمَ الشاني، بقيت فِي لفتيات الْبَيَان، البديع الْأَثر والعيان، عقايل نظرة، وبقايا هوى لَا يبرح من بعد المشيب عشاق بني عذره،

1 / 17

وغيرة تَدْعُو إِلَى صون مَا مهد لَهُ حجر، وَالْتمس فِي حسن كفَالَته أجر، وتلقى فِي مراودته وصل وهجر، وارتقب لاجتلابه فِي ليل الحبر فَخر. وَإِن كَانَ ذَلِك مِمَّا لَا يحجب، فالغيرة فِيهِ أعجب، وَفِيمَا فَوْقه أوجب، وأنف لرياضة الْأنف أَن يقتطعها الإغفال، ولخزاينه أَن تصدأ فَوق مصاريعها الأقفال، ولجياده الْعتاق، أَن تَلْتَبِس مِنْهَا بالهوادي المشرفة الْأَعْنَاق والأعجاز والأكفال. وعَلى ذَلِك فألفيت عِنْد الافتقاد عقب الرقاد، بدايع الْأَدَب النثر، قد ضَاعَت وتملكتها أَيدي الذهول عَنْهَا، فَوهبت وباعت، بعد مَا أظمأت وأجاعت، وَإِذا فَلم يبْق إِلَّا ثَمَرَات من أوقار عير، وشعرات من جلد بعير، إِذْ كنت قبل الِاعْتِمَاد من الدولة النصرية، بالمشاورة والموازرة، والمعاونة والمظاهرة، والحرص على خدمتها، بوظيفة الأقلام والمثابرة، إِذْ الْعُمر جَدِيد، وظل النشاط مديد، أكل مسوداتها المجتلبة، إِلَى حفظ الكتبة، وأرمى بعقودها البذخة، إِلَى الأنامل المنتسخة، مشتغلا عَن الشَّيْء بِمَا يتلوه، غافلا عَن منحطه بالغرض الَّذِي يعلوه. وَالْولد فِي الْغَالِب المختبر، لَا يقدر قدره إِلَّا مَعَ الْكبر، فَلَمَّا بت بهمه، وتقت إِلَى جمعه وضمه، وتوهمت الثراء بجمه، راعني صفور نَادِيه وَقد عَادَته عواديه، ونضوب واديه، من بعد إمداد غواديه، وانخفاض نَادِيه وصمات مناديه، بعد حذق شاديه، والتقاء حاضره وباديه. فأدميت الأنامل ندما، أَن صَار وجوده عدما، إِلَّا وَرَقَات تشبثت بِمَا أسأرته الْحَادِثَة على الدولة من سقط الْمَتَاع، وشلو مختلس من براثن سِبَاع. سميته عِنْد الِاسْتِقْرَار بِمَدِينَة سلا حرسها الله، وَقد اخترتها موادعا لفرق الدَّهْر، مُتَمَتِّعا بصبابة الْعُمر " كناسَة الدّكان بعد انْتِقَال السكان " وأضفت إِلَيْهِ من بعد مَا خبأته وجادة، أَو ذخرته استجادة،

1 / 18

وَمَا استلحق من بعد الأوبة، وَبعد أَن أظهر الدَّهْر التَّوْبَة، وَلَو سلم جمه، لزخر يمه بِمَا يلْزم حَمده أَو ذمه، وَيتَوَجَّهُ إِلَى الإجادة أَو ضدها مامه، فالإكثار مَظَنَّة السقط، وطرق السَّهْو والغلط، من لَوَازِم اللَّغط، إِذْ كنت قد تعدد عَن الدولة النصرية إملاءي، وَتردد فِي مناضلة أضدادها ومجاملة أولى ودادها، إمراري وإحلاءي مِمَّا تنوء مَفَاتِيح كنوزه، بالعصبة أولى الْقُوَّة، وتضيق منصات محافله عَن مَوَاقِف عقايله المجلوة. فرضيت مِنْهَا بِمَا حضر مُضْطَرّا، وقنعت بِالَّذِي تيَسّر، إِذْ أَصبَحت قانعا معترا، وأثبته فِي الأوراق من بعد الِافْتِرَاق حفيا [برا]، وَإِن لم أكن بِهِ مغترا. وأنى لمثلي من بعد الْبيَاض بأزهار الرياض، وعَلى مُشَاورَة الارتياض، بارتشاف تِلْكَ الْحِيَاض. فقد كَانَ أولى بى الإضراب عَمَّا زوره السراب، والاقتراب إِلَى من تنَال بِقُرْبِهِ الأراب، قبل أَن يستأثر بعده الْجَوَارِح المعارة التُّرَاب، والإطلال على الطية والإشراف، وخلط الِافْتِرَاق بالاعتراف، والسداد بالإسراف، فجَاء مَوْضُوعه ميدان أغراض، وموقف نزاع وتراض، كم تضمن من مثير اعْتِبَار، ومشير إِلَى أَخْبَار، وذم للدهر جَبَّار، وضراعة جَبَّار، وظفر صبار، وَأمر كبار، وآداب تستفز السَّامع، وتشنف دررها المسامع. فَسئلَ الَّذِي حرك بِهِ عذبة اللِّسَان، أَن يتغمد سَيِّئَة بِالْإِحْسَانِ، وَالَّذِي بَث داعيتها فِي الْجنان، المغرى بدلالتها خدمَة الْبَيَان، أَن يكن

1 / 19

على نكيرها بعادة الامتنان، فعلى فَضله تقف الآمال، وبهدايته تستقيم الْأَقْوَال والأعمال [وَهُوَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي إِلَّا لَهُ الْكَمَال] .
وسميته، لتنوع بساتينه المشوقة، وتعدد أفانينه المعشوقة " رَيْحَانَة الْكتاب ونجعة المنتاب ". وقسمته إِلَى حمدلة ديوَان، وتهنئة إخْوَان، وتعزية فِي حَرْب للدهر عوان، [وأغراض ألوان]، وفتوح يجليها السلوان، ومخاطبات إخْوَان، ومقامات آنق من شعب بوان، وَغير ذَلِك من أغراض ألوان، صنْوَان وَغير صنْوَان. والآن فلنأت بِمَا وعدت، وَنحل عقال مَا اقتعدت، وتتنوع أغراض هَذَا الريحان المنتشق، الذكية العبق، إِلَى تحميد ثَبت فِي [صُدُور] بعض مَا ينْسب إِلَى من المصنفات، وَمَا ألفى من الصَّدقَات والبيعات، ثمَّ إِلَى كتب الفتوحات، ثمَّ إِلَى التهاني بالمكيفات، ثمَّ إِلَى التعازي عَن النايبات، ثمَّ إِلَى كتب الشُّكْر على الْهَدَايَا الواردات، ثمَّ إِلَى الِاسْتِظْهَار على الْعَدو، واستنجاز العدات، ثمَّ إِلَى كتب الرسائل والشفاعات، ثمَّ إِلَى تَقْرِير المودات، ثمَّ إِلَى جُمْهُور الْأَغْرَاض السلطانيات، ثمَّ إِلَى مُخَاطبَة الرعايا والجهات، ثمَّ إِلَى ظهاير الْأُمَرَاء والولاة، ثمَّ إِلَى مخاطبت بِهِ عَن نَفسِي، أَرْبَاب المناصب الرفيعة والهيئات، وَعَن غَيْرِي من الابناء والأذيال والحرمات، ثمَّ إِلَى جُمْهُور الإخوانيات، ثمَّ إِلَى رسايل الفكاهات والدعابات، ثمَّ إِلَى المقامات فِي الإغراض المختلفات، ثمَّ إِلَى بعض من أَوْصَاف النَّاس فِي الْأَغْرَاض والصلات، ثمَّ إِلَى الزواجر والعظات والمذكرات والموقظات.

1 / 20

(التحميدات الَّتِي صدرت بهَا بعض التواليف المصنفات وَهِي بعض من كل ويسير من جلّ)
ثَبت من ذَلِك فِي صدر الْكتاب [المتعدد الْأَسْفَار] الْمُسَمّى ببستان الدول، الَّذِي أذهبت الْحَادِثَة عينه، وشعثت الكاينة زينه: أما بعد حمد الله، الَّذِي قدر تَدْبِير الْوُجُود، بِمُقْتَضى الْغِنَا الْمَحْض والجود، على حسب مَشِيئَته وَمرَاده، وفاضل بَين ضروبه المتشابهة الأشكال، فِي إقطاع حصص الْكَمَال، كل بِحَسب قبُوله واستعداده، فبدت مزية ناطقه على صامته، وَظهر فضل حيه على جماده، وَأتم على نوعٍ الْإِنْسَان جزيل الْإِحْسَان، لما أَهله بِبَيَان اللِّسَان، لقبُول إلهامه وإمداده، وَخَصه بمزبة الإنافة، لما نصب لَهُ كرْسِي الْخلَافَة بَين عباده، وَأحكم سياسة وَضعه عِنْد اختراع صنعه، فَجعل فكره وَزِير عقله، وَلسَانه ترجمان فُؤَاده، وجبله على الافتقار إِلَى أَبنَاء جنسه، وَالْعجز عَن تنَاول مُؤنَة نَفسه، وَتَحْصِيل مَصَالِحه مَعَ استبداده، فَكَانَ مُضْطَرّا إِلَى التآلف والاجتماع، متمدنا بِحَسب الطباع، لَا يقوم أمره مَعَ انْفِرَاده، ثمَّ ضم نشره براع يحوط سوائمه أَن تتناطح وتتردى، ويحفظ عوايده أَن تتجاوز وتتعدى، ويحمله على مصَالح دُنْيَاهُ ومعاده. فسبحان الْحَكِيم الْعَلِيم، مُقَدّر الشَّيْء قبل إيجاده، الَّذِي لَا معقب لحكمه، وَلَا مُقَدّر لعلمه، وَلَا مفلت عَن معاده.
وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي فَضله على الْأَنْبِيَاء برفعة شَأْنه، وعلو مَكَانَهُ، على تَأَخّر زَمَانه، وَقرب ميلاده، وَأثْنى على خلقه وَصِفَاته. وَأقسم بِبَلَدِهِ وحياته، إعلاما بشرف ذَاته وكرم بِلَاده، ووقف على

1 / 21

مظهره [دَرَجَات الْكَمَال]، وَأَبَان بِلِسَانِهِ الْعَرَبِيّ أَحْوَال الْحَرَام والحلال، وأقامه لإِقَامَة قسطاس الْحق والاعتدال، وَرفع عماده، ﷺ، وَبَارك وترحم، من صادع بِاللَّه، أَفَادَ روح الْحَيَاة، الساطعة الإفادة لكل حَيّ، وطوي بِسَاط الْعدوان، بسلطانه الْمَنْصُور الأعوان أَي طي، وَقرر فِي مِلَّته رتب السياسة الإلاهية، فَكَانَ يعلم كل شَيْء، وقابل زخرف الدُّنْيَا باقتصاره واقتصاده. والرضى عَن آله وَأَصْحَابه، وخلفائه، أَلْسِنَة جداله، وسيوف جلاده، المستولين من الْكَمَال الْأَقْصَى، والشرف الَّذِي لَا يُحْصى، على نهاياته وآماده، صَلَاة لَا انْقِضَاء لغاياتها، ورضى لَا نِهَايَة لأعداده، مَا أرسل الْبَرْق سفر جياده، وخطب الطير على أعواده. وَهَذَا الْكتاب انْفَرد بترتيب غَرِيب، لاشْتِمَاله على شجرات عشر، أَولهَا شَجَرَة السُّلْطَان، وَآخِرهَا شَجَرَة الرعايا، واستلزام الْكَلَام فِي أَصْنَاف الموجودات. وتعدد إِلَى مَا يُقَارب ثَلَاثِينَ سفرا، ضَاعَت عِنْد الْحَادِثَة، إِلَّا مَالا عِبْرَة بِهِ.
وَثَبت أَيْضا فِي الْكتاب الْمُسَمّى " بتخليص الذَّهَب "
الْمَرْفُوع إِلَى خزانَة السُّلْطَان [الْمُقَدّس الْمُجَاهِد] أبي الْحجَّاج [ابْن نصر

1 / 22

رَحْمَة الله عَلَيْهِ] . أما بعد حمد الله، الَّذِي قصر وصف الْكَمَال الْمَحْض على ذَاته، وَجعل الألسن تَتَفَاوَت فِي رتب الْبَيَان ودرجاته، وَالثنَاء عَلَيْهِ، بِمَا بِهِ على نَفسه أثنى من أَسْمَائِهِ الْحسنى وَصِفَاته، وَالِاعْتِرَاف بالقصور عَمَّا لَا تُدْرِكهُ قوى الأذهان من كنه سُلْطَانه الْعَظِيم الشَّأْن، فكثيرا مَا كَانَ عجب الْإِنْسَان من آفاته. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، الصادع بآياته، المعجز ببيناته، الَّذِي اصطفاه لحمل أَمَانَته الْعُظْمَى، وحباه بِالْقدرِ الرفيع، وَالْمحل الأسمى، وَالله يعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته. والرضى عَن آله وَأَصْحَابه [وأحزابه] نُجُوم الدّين وهداته، وأنصار الْحق وحماته.
وَثَبت أَيْضا فِي الْكتاب الْمُسَمّى " بِجَيْش التوشيح " من تأليفي، وَهُوَ الْمَرْفُوع للسُّلْطَان الْمَذْكُور رَحْمَة الله عَلَيْهِ
الْحَمد لله الَّذِي انْفَرد بالكمال الْمَحْض، فِي ملإ السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَصفا ونعتا، وَلم يخص بالفضائل الذاتية والمواهب اللدنية، بَلَدا وَلَا وقتا، مطلع شمس البلاغة وَالْبَيَان، تتجلى من اخْتِلَاف أغراض اللِّسَان فِي مطالع شَتَّى، وَجعل مَرَاتِب حاملي رايتها، متباينات فِي التمَاس غاياتها، فواصلا ومنبتا. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، الَّذِي حَاز الْمجد صرفا، والشرف نعتا، ونال من الْكَمَال البشري، غَايَة لَا تحد بإلى وَلَا حتا، وَخير من ركب وَمَشى، وصاف وشتا صَلَاة يَجْعَلهَا اللِّسَان هجيراه، كَيْفَمَا يتَمَكَّن لَهُ أَو يَتَأَتَّى، وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، الَّذين اقتدوا بِهِ هَديا وسمتا، وسلكوا من اتِّبَاعه طَرِيقا، لَا ترى

1 / 23

فِيهَا عوجا وَلَا أمتا، مَا علل الْغَمَام نبتا، وتعاقبت الْأَيَّام أحدا وسبتا، وَمَا وَافق سعى بختا، وآثرت أُمَّهَات القريحة نبتا [ورتبت هَذَا الْكتاب ترتيبا، لَا يخفي أَحْكَامه، وبوبته تبويبا، يسهل فِيهِ مرامه، كلما ذكرت حرفا، قدمت أَرْبَاب الْإِكْثَار، وَأولى الاشتهار، من بعد الِاخْتِيَار، والبراة من عُهْدَة النِّسْبَة، اتهاما للْأَخْبَار. ثمَّ أتيت بِالْمَجْهُولِ مِنْهَا على الْآثَار، حَتَّى كمل على حسب الوسع والاقتدار، فَإِن وَافق الْإِرَادَة، فشكرا لله وحمدا، وَإِن ظهر التَّقْصِير، فخديم استنفد جهدا. وَمن الله نسئل أَن يتغمد الزلل، ويتدارك الْخلَل، ويبلغ من مرضاته الأمل، فَمَا خَابَ لَدَيْهِ من سَأَلَ] .
وَثَبت أَيْضا من تأليفي فِي الْكتاب الْمُسَمّى " باللمحمة البدرية فِي الدولة النصرية "
الْحَمد لله الَّذِي جعل الْأَزْمِنَة كالأفلاك، ودول الْأَمْلَاك، كأنجم الأحلاك، تطلعها من الْمَشَارِق نيرة، وتلعب بهَا مُسْتَقِيمَة أَو متحيرة، ثمَّ تذْهب بهَا غابرة أَو متغيرة، السَّابِق عجل، وطبع الْوُجُود مرتجل، والحي من الْمَوْت وَجل، والدهر لَا معتذر وَلَا خجل، بَيْنَمَا ترى الدست عَظِيم الزحام، والموكب شَدِيد الالتحام، والوزعة تُشِير، والأبواب يقرعها البشير، وَالسُّرُور قد شَمل الْأَهْل والعشير، والأطراف تلثمها الْأَشْرَاف، وَالطَّاعَة يشهرها الِاعْتِرَاف، وَالْأَمْوَال يحوطها الْعدْل، أَو يبيحها الْإِسْرَاف، والرايات تعقد، والأعطيات تنقد، إِذْ رَأَيْت الْأَبْوَاب مهجورة، والدسوت لَا مؤملة، وَلَا مزورة، والحركات قد سكنت، وأيدي الإدالة قد تمكنت، فَكَأَن لم يسمر سامر، وَلَا نهى ناه وَلَا أَمر آمُر. مَا أشبه اللَّيْلَة بالبارحة، والغادية بالرايحة، إِنَّمَا مثل الْحَيَاة الدُّنْيَا، كَمَاء أَنزَلْنَاهُ

1 / 24

من السَّمَاء، فاختلط بِهِ نَبَات الأَرْض، فَأصْبح هشيما تَذْرُوهُ الرِّيَاح، فالويل لمن يتْرك حَسَنَة تَنْفَعهُ، أَو ذكرا جميلا يرفعهُ، فَلَقَد عَاشَ عَيْش الْبَهِيمَة النهيمة، وأضاع جَوَاهِر عمره الرفيعة الْقيمَة، فِي السبل غير المستقيمة، وبدد أَمَانَته [سُبْحَانَهُ] فِي المساقط العقيمة. وطوبى لمن عرف الْمصير، وغافص الزَّمن الْقصير، فِي اكْتِسَاب محمدة، تبقى بعده شهابا، وتخليد منقبة، [تبقى بعده] ثَنَاء وثوابا، فالذكر الْجَمِيل كلما تخلد استدعى الرَّحْمَة وطلبها، واستدنى الْمَغْفِرَة واستجلبها. فلمثله فليعمل الْعَامِلُونَ [وغايته فليأمل الآملون] . وَالدَّار الْآخِرَة خير لَو كَانُوا يعلمُونَ.
وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي أوضح حقارة الدُّنْيَا عِنْد الله وَبَين، وحد الْبَلَاغ مِنْهَا وَعين، وخفض الْكَلِمَة وَبَين، وَحسن الدَّار الْآخِرَة وزين، وخفض أَمر هَذِه الدَّار الْغرُور وهين، وَقَالَ صلوَات الله عَلَيْهِ، أَكْثرُوا من ذكر هَادِم اللَّذَّات، كَيْلا تتشبث بهَا يَد، ولتنظر نفس مَا قدمت لغد. وَالرِّضَا عَن آله، الَّذين جازوا على ظهر جسرها الْمَمْدُود ومروا، ولقوا الله وهم لم يغتروا، فَكَانُوا إِذا عَاهَدُوا بروا، وَإِذا تليت آيَات الله عَلَيْهِم خروا، وَكَانُوا عِنْد حُدُود الله لَا يبرحون [وبسوى مذاهبه الْبَاقِيَة لَا يفرحون] أُولَئِكَ حزب الله، أَلا إِن حزب الله هم المفلحون.

1 / 25

وَثَبت فِي صدرالرجز المشروح الْمُسَمّى " برقم الْحلَل فِي نظم الدول "
الْحَمد لله الَّذِي ملكه الثَّابِت لَا يدول وعزه الدايم لَا يَزُول، وأحوال مَا سواهُ تحول، وَإِلَيْهِ وَإِن طَال المدا الرُّجُوع، وَبَين يَدَيْهِ المثول، الَّذِي جعل الدُّنْيَا جِسْرًا، عَلَيْهِ للآخرة الْوُصُول، ومتاع الْحَيَاة القصيرة ابتلاء يتعقبه النكير أَو الْقبُول. فمهما طلع فِي دوَل الْأَيَّام شان، أعقبه الأفول، أَو متع فِي أجوايها ضحى تلاه الطفول. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد، رَسُوله الْمُصْطَفى، وَنعم الرَّسُول، الَّذِي باتباعه يبلغ من رضى الله السول، ويسوغ المأمول. أنصح من بَين قدر الدُّنْيَا، بِمَا كَانَ يفعل وَيَقُول، وغبط بِالآخِرَة الَّتِي فِي مستقرها الأبدي الْحُلُول. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، سيوف دينه، الَّتِي بهَا يصول، إِذا فرقت النصول، وَهُدَاة أمته، وَإِذا تنودى الصَّحِيح الْمَنْقُول [والصريح الْمَعْقُول]، فَإِن الدُّنْيَا ظهر قلق، ومتاع خلق، وسراب مؤتلق. هَذَا يعد الْجَمِيل فيصرع، وَهَذَا يرى الْجدّة، فيتمزق ويتصدع، وَهَذَا يؤم السراب فيخدع، والمعاد الْمُلْتَقى وَالْمجْمَع، وَمن خسر الله فَفِيمَ يطْمع، وَلَا أجلب للاعتبار، من اسْتَطَاعَ الْإِخْبَار، وَلَا أَبَت فِي عضد الاغترار، من الاستبصار، فِي وقايع اللَّيْل وَالنَّهَار، وتحول الْأَحْوَال، وتطور الأطوار.
وَثَبت فِي الْكتاب الْمُسَمّى أَيْضا " بِالسحرِ وَالشعر " من تأليفي مَا نَصه:
الْحَمد لله الَّذِي راش أَجْنِحَة الأفهام بالإمداد والإلهام، فمضت إِلَى أغراضها

1 / 26