Al-Rawd al-Mi'itar fi Habar al-Aqtar

الروض المعطار في خبر الأقطار

Editsa

إحسان عباس

Mai Buga Littafi

مؤسسة ناصر للثقافة-بيروت

Bugun

الثانية

Shekarar Bugawa

١٩٨٠ م

Inda aka buga

طبع على مطابع دار السراج

مقدمة
ورد ذكر الروض المعطار في طبعة فلوجل من كشف الظنون مرتين (١): مرة على أن مؤلفه هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الحميري المتوفى سنة ٩٠٠ ومرة أخرى على أن المؤلف هو المؤلف هو أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم الحميري (دون ذكر لسنة الوفاة)، وقد كان هذا محيرًا للأستاذ ليفي بروفنسال حين أقدم على نشر القسم المتعلق بالأندلس من الروض، وتعبر مقدمته التي كتبها للترجمة الفرنسية (La Peninsule Iberique au Moyen - Age) عن هذه الحيرة من ناحيتين: أولاهما لماذا هذا الاختلاف في اسم المؤلف، والثانية: إذا كان قد توفي سنة ٩٠٠ - كما يقول حاجي خليفة - فهذه قضية تقف في وجهها حقيقتان بارزتان:
١ - كيف يمكن أن تتأخر وفاة مؤلف الروض المعطار إلى هذا التاريخ، ونحن نجد أن القلقشندي صاحب صبح الأعشى المتوفى سنة ٨٢١ والذي انتهى من تأليف كتابه سنة ٨١٤ يعتمد الروض المعطار واحدًا من مصادره الجغرافية؟
٢ - هنالك كتاب بعنوان " جني الأزهار من الروض المعطار " يوحي بأنه ملخص من كتاب الروض، وهو منسوب للمقريزي المتوفى سنة ٨٤٥.
وإلى جانب هاتين الحقيقتين تقف حقيقة ثالثة، فقد وجد بروفنسال في ختاك إحدى النسخ التي اعتمد عليها من نسخ الروض هذه العبارة: " هذا آخر الجزء الثاني من الروض المعطار في خبر الأقطار للشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي محمد عبد الله بن عبد المنعم ابن [عبد المنعم الحمير] ي رحمة الله عليه، وتتمامه جميع الكتاب في صبح يوم الجمعة السابع عشر من شهر صفر الخير أحد شهور سنة ست وستين وثمان مائة بساحل جدة المعمور؟ ".

(١) لاحظ الأستاذ رتزيتانو أن طبعة استانبول من كشف الظنون لم تورد ذكر الروض إلا مرة واحدة، انظر " منتخبات من كتاب الروض المعطار خاصة بالجزر والبقاع الإيطالية ". (نشرت بمجلة كلية الآداب - جامعة القاهرة، المجلد ١٨/١٩٥٦، ص ١٢٩ - ١٨١) .

1 / 1

وقد فهم بروفنسال من هذه العبارة أن المؤلف قد انتهى من تأليف كتابه سنة ٨٦٦، وهذا يقوي القول بأن يكون تاريخ وفاته سنة ٩٠٠ صحيحًا. وهذه الحقائق مجتمعة دفعت بروفنسال إلى افتراض مؤلفين كل منهما ينتسب إلى حمير قام أولهما بكتابة صورة أولى من " الروض المعطار " وقام الثاني بانتحال عمل الأول، وربما أضاف إليه شيئًا، دون أن يذكر ما للمؤلف الأول من فضل عليه.
وعند مناقشة الحقائق التي واجهت بروفنسال لا تبقى هناك حاجة إلى هذا الفرض الذي وضعه:
١ - أما أن صاحب صبح الأعشى ينقل عن الروض المعطار، فتلك حقيقة لا نستطيع إنكارها، وهي وحدها تثبت أن المؤلف لا يمكن أن يكون قد عاش حتى سنة ٩٠٠، وأنه على هذا لابد من أن يكون من أبناء القرن الثامن.
٢ - وأما أن المقريزي لخص الروض المعطار في كتاب سمّاه " جني الأزهار من الروض المعطار " فتلك مسألة ما كان لبروفنسال أن يتمسك بها، فقد أثبت فولرز (Vollers) سنة ١٨٨٩ ثم بلوشيه (Blochet) سنة ١٩٢٥ أن هذا الكتاب المسمى " جني الأزهار " إنما هو تلخيص لنزهة المشتاق (١) . وعندما كنت في برلين سنة ١٩٧٠ صورت النسخة البرلينية من " جني الأزهار " (٢) لأستعين بها في تحقيق الروض المعطار، ولدى عودتي قمت بدراستها - قبل أن أطلع على ما كتبه فولرز وبلوشيه - ولم يخامرني أدنى شك في أنها تلخيص لنزهة المشتاق، أما لماذا سميت " جني الأزهار من الروض المعطار " فربما كان هذا يتطلب إيجاد " روض معطار " آخر غير الموجود في أيدينا.
٣ - إن بروفنسال قد سمح لتصحيف الناسخ بأن يسيطر على وهمه، فالنص الذي قرأه في آخر النسخة المشار إليها، يجب أن يقرأ على النحو الآتي " هذا آخر الجزء الثاني من الروض المعطار؟ وبتمامه [تم] جميع الكتاب في صبح يوم الجمعة السابع عشر من شهر صفر الخير أحد شهور سنة ست وستين وثمان مائة " - وهذا التاريخ هو تاريخ النسخة التي نقل عنها الناسخ الثاني، وكان نقله سنة ١٠٤٩؛ فنحن إزاء تاريخين لنسختين، ولا يعد الأول منهما تاريخيًا للتأليف بأية حال؛ وقد تنبه الأستاذ رتزيتانو إلى ناحية جديرة بالتوقف حين قال: " وحتى إننا لو افترضنا جدلًا أن السنة المذكورة تعتبر تاريخيًا لانتهاء المؤلف من وضع الروض المعطار، فليس من المعقول أن يصف نفسه بعبارات التفخيم والمديح على الصورة الواردة في هذا النص (يريد قوله: الشيخ الفقيه

(١) K. Vollers، Note sur Manuscrit arabe attribue a Maqrizi، Bull. Soc. Khed. de Geogr. du caise، III Serie Num. ٢. ١٨٨٩ pp. ١٣١ - ١٣٩ R. Blochet، Catalogue des ms. arabes des nouvelles acquisitions (١٨٨٢ - ١٩١٤)، paris ١٩٢٥ N. ٥٩١٩.
وانظر مقدمة وتزيتانو المشار إليها ص: ١٣١، ١٣٢.
(٢) في دار الاكتب المصرية نسخة أخرى من هذا الكتاب، رقم: ٤٥٨.

1 / 2

العدل.. ") . وحسنًا فعل الأستاذ رتزيتانو لو أنه استشهد هنا بما جاء في هذه العبارة من قوله " رحمة الله عليه "، فإنها تشير إلى عمل الناسخ لا إلى عمل المؤلف.
أين نقف بعد ذلك من هذا كله؟
١ - لدينا كتاب اسمه " الروض المعطار في خبر الأقطار " وتتفق النسخ المتباعدة - مكانًا وزمانًا - على أن مؤلفه هو " أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي عبد الله محمد بن أبي محمد عبد الله بن عبد المنعم بن عبد النور الحميري "، وعلى هذا الكتاب يعتمد القلقشندي، فلابد أن يكون مؤلف هذا الكتاب ممن عاش قبل مطلع القرن التاسع (في أقل تقدير) .
٢ - إن ذكر حاجي خليفة له مرتين يعني اطلع على نسختين: إحداهما ذكرت اسمه كاملًا والأخرى اسمه مؤخرًا، ولما كان حاجي خليفة - وهو منسق ببليوغرافي - غير مسؤول عن تحقيق الفرق بين الاسمين، فإثباته ما أثبته أمانة دقيقة منه في عمله.
٣ - ذكر حاجي خليفة سنة ٩٠٠ تاريخًا لوفاة المؤلف، وقد حاول غودفري - ديمومبين أن يقول إن هذا خطأ شائع في المخطوطات العربية بين " تسعمائة " و" سبعمائة " ووافقه على ذلك الأستاذ رتزيتانو (١)؛ ولكن الحقيقة أن عام " سبعمائة " لا يصلح لتقرير سنة وفاة المؤلف، " إذن " فإن الراجح أن حاجي خليفة اطلع على نسخة من الروض كتبت سنة ٩٠٠، ثم اضطرب عليه الأمر فظنها سنة وفاة المؤلف، وهذا غير عجيب عند حاجي خليفة، فقد قال عند ذكر الإمتاع والمؤانسة إن التوحيدي توفي سنة ٣٨٠ وقال حين ذكر المقابسات " المتوفى بعد سنة أربعمائة تقريبًا "، فأيهما نصدق؟ إذن فإن الأخذ الحرفي بما يقوله حاجي خليفة أمر مضلل، دون ريب.
مؤلف الروض المعطار
من هو مؤلف الروض المعطار إذن؟ كل الدلائل ترجح أنه هو الذي وجد بروفنسال نفسه ترجمته في " الإحاطة " - ووجدها رتزيناتو في الدرة الكامنة لابن حجر، وهو ينقل عن الإحاطة - وهذا ما يقوله لسان الدين ابن الخطيب عنه (٢):
١ - ترجمة المؤلف
" محمد بن عبد المنعم الصنهاجي الحميري، يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن عبد المنعم، من أهل سبتة الأستاذ الحافظ.

(١) انظر مقدمة " صفة جزيرة الأندلس " - الترجمة الفرنسية ص: ١٥ ومقدمة رتزيتانو: ١٣٣.
(٢) مقدمة بروفنسال: ٢٧ - ٢٨ والإحاطة النسخة الكتانية بالرباط رقم: ٢٧٠٤ ورمزها (ك)، الصفحة: ٥٤ وانظر الدرر الكامنة ٤: ١٥١ رقم ٣٩٥٠ (ط. القاهرة) وبغية الوعاة: ٦٩ وكلاهما ينقل عن ابن الخطيب.

1 / 3

حاله
من عائد الصلة (١): كان ﵀ رجل صدق (٢)، طيب اللهجة سليم الصدر تام الرجولة، صالحًا عابدًا، كثير القرب والأوراد في آخر حاله، صادق اللسان. قرأ كبيرًا وسنه تنيف على سبع وعشرين، فشأى (٣) أهل الدءوب (٤) والسابقة، وكان من صدور الحفاظ (٥)، لم يستظهر أحد من زمانه من اللغة (٦) ما استظهره، فكان (٧) يستظهر كتاب التاج للجوهري وغيره، آية تتلى ومثالًا يضرب (٨)، قائمًا على كتاب سيبويه يسرده بلفظه، اختبره الفاسيون في ذلك غير ما مرة، طبقة في الشطرنج يلعبها محجوبًا (٩)، مشاركًا في الأصول، آخذًا في العلوم العقلية مع الملازمة (١٠) للسنة، يعرب أبدًا كلامه ويزنه (١١) .
مشيخته
أخذ (١٢) ببلده عن الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، ولازم [الأستاذ] أبا القاسم ابن الشاط وانتفع به وبغيره من العلماء.
دخوله غرناطة
قدم (١٣) غرناطة مع الوفد [الذين قدموا] من أهل بلده (١٤) [سبتة] عندما صار إلى إيالة (١٥) الملوك من بني نصر لما وصلوا بالبيعة.
وفاته
كان من الوفد الذين استأصلهم الموتان (١٦)، منصرفهم عن باب السلطان ملك المغرب (١٧)، باحواز تيزى (١٨)، حسبما وقع التنبيه على بعضهم (١٩) .»
٢ - تعليق على هذه الترجمة
١ - تقول هذه الترجمة إن ابن عبد المنعم سبتي. غير أن المقري صاحب نفح الطيب يقول وهو ينقل عنه: " ولنرجع إلى كلام صاحب الروض المعطار فإنه أقعد بتاريخ الأندلس إذ هو منهم، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه " (٢٠) . فهل هو سبتي أو أندلسي؟ إن اهتمامه بجغرافية

(١) ك: من العائد.
(٢) ك: رجلًا صدوقًا.
(٣) ك: ففات.
(٤) بروفنسال: الدرب.
(٥) ك: كان ثم الدحول صالحًا حافظًا عابدًا.
(٦) من اللغة: سقطت من ك.
(٧) ك: يكاد.
(٨) ك: آية متلوة ومثل يضرب.
(٩) ك: مجمومًا.
(١٠) ك: ملازمة.
(١١) ويزنه: سقطت من ك.
(١٢) ك: قرأ.
(١٣) ك: دخل.
(١٤) ك: من بلاده.
(١٥) ك: حين صارت لايالة.
(١٦) ك: الموت.
(١٧) ك: عن باب الملك المغربي.
(١٨) ك: تازه.
(١٩) ك: حسبما يقع التنبيه عليه.
(٢٠) النفح ٤: ٣٦٢ (تحقيق إحسان عباس، ط بيروت ١٩٦٨) .

1 / 4

الأندلس وأحداثها، في كتابه، يجعل المرء يظن، ولو كان هو المقري المهاجر البعيد عند الأندلس والمغرب، أن مؤلف الروض المعطار أندلسي، فالخطأ هنا ليس خطأ صاحب الروض، الذي كان سبتيًا دخل الأندلس، وإنما هو خطأ الذين ظنوا أنه أندلسي النسبة لإسرافه في الحديث عن الأندلس. وقد أكد نسبته إلى سبتة محمد بن القاسم الأنصاري السبتي حين ذكر أنه مقبور بمقبرة المنارة بسبتة وأنه من أهلها في قوله: " قبر الشيخ اللغوي الحافظ الأنبل المتفنن في المعارف، أوحد زمانه في ذلك، وإمام عصره، أبي عبد الله ابن عبد المنعم الصنهاجي من أهل سبتة " (١) .
٢ - وتمدنا هذه الترجمة بصورة فيها شيء من التفصيل عن منجي ثقافته وضروب براعته إذ تصوره متضلعًا في الحديث واللغو والنحو، مضيفًا إلى ذلك كله إطلاعًا على العلوم العقلية، ومهارة خارقة في الشطرنج. ويؤكد ابن القاسم الأنصاري ما قاله ابن الخطيب حول تضلعه في القراءة والحفظ واللغة، وتفرده في هذه الشؤون حتى أصبح " أوحد زمانه في ذلك وإمام عصره ". ومما يؤكد ذلك طبيعة الاتجاهات التي سار فيها أساتذته الذين درس عليهم، وقد ذكر منهم ابن الخطيب اثنين وهما: أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عيسى الغافقي (- ٧١٦)، وشيخ النحاة والقراء بسبتة، فقد كان يتقن كتاب سيبويه، ولعل ابن عبد المنعم أخذه عنه، كما صنف كتابًا في قراءة نافع وآخر في شرح الجمل (٢) أما أستاذه الثاني فهو أبو القاسم، القاسم بن عبد الله بن الشاط (- ٧٢٣) فقد كان يقرئ الأصول والفرائض بمدرسة سبتة، وكان حسن المشاركة في العربية، متقدمًا في الفقه ريان من الأدب (٣) . وقد طبعت هذه الثقافة شخصية ابن عبد المنعم بطابعها، فقد كان الرجل على جانب غير قليل من التدين، وفي آخر عمره كان كثير " القرب والأوراد "، معروفًا بالصلاح بين معاصريه، سليم الصدر، كما يمكن أن يتصوره من يقرأ كتاب " الروض المعطار "، مهتمًا بإعراب كلامه، وفي هذا من المشقة عليه وعلى معاصريه ما فيه. وفي كتاب الروض ما يشير من بعيد إلى ملامح من شخصيته، فهو من ناحية التقوى لا يدع أحدًا من الصحابة دون أن يقرن اسمه ب؟ " ﵁ "، ولو مر في الصفحة الواحدة عدة مرات - وهذا ليس من صنيع النساخ فيما اعتقد - وهو يحب أن يقف عند أمجاد المسلمين الأوائل، ولهذا تجده مغرمًا بنقل أخبار الفتوح؛ وقد أحس هو نفسه أنه أسرف في النقل، حين تحدث عن معركة الزلاقة، فشفع ذلك بقوله: " قال مؤلف هذا الكتاب [رحمة الله عليه]: قد خالفت بشرح هذه الوقيعة شرط الاختصار لحلاوة الظفر في وقت نزول الهموم ووقوعها في الزمن الخامل، والله ﷾ يفعل ما يشاء وهو المستعان ". ولعلها الملاحظة الوحيدة التي سمح لنفسه بتقييدها تعبيرًا عن مشاعره الذاتية.

(١) اختصار الأخبار عما كان بثغر سبتة من سني الآثار: ٥ (ط. باريز، ١٩٣٢) تحقيق إ. لافي بروفنسال؛ وقد فرغ المؤلف من جمع كتابه سنة ٧٦٥.
(٢) انظر ترجمته في الدرر الكامنة ١: ١٣ وبغية الوعاة: ١٧٧ وكلاهما يعتمد على الذهبي؛ ودرة الحجال ١: ١٧٦ وغاية النهاية ١:١٨.
(٣) الإحاطة: ٣٥٨ (النسخة ك) والديباج المذهب: ٢٢٥.

1 / 5

٣ - وهذه الثقافة وتلك الشمات المحببة في شخصيته كسبت له تقدمًا في مدينة سبتة، ولهذا نجده يشارك في حياتها السياسية مرتين: الأولى عندما ذهب في الوفد إلى غرناطة ليقرر تبعية سبتة لبني نصر، وقد عرفنا لسان الدين إلى اثنين آخرين كانا في ذلك الوفد، وهما أستاذه أبو القاسم ابن الشاط، ومحمد بن علي بن هانئ اللخمي السبتي " - ٧٣٣ " (١)؛ وقد كان انتماء سبتة إلى حكم بني نصر سنة ٧٠٥، وعودتها إلى المرينيين سنة ٧٠٩ (٢)، وعلى هذا تكون الوفادة قد تمت في أوائل تلك المرحلة بين هاتين السنتين.
٤ - وتقول هذه الترجمة إن وفاة ابن عبد المنعم كانت إثر عودته من زيارة لسلطان المغرب - باحواز تازه - بسبب انتشار موتان. وقد أراد بروفنسال أن يفهم من لفظة " موتان " أنها تعني وبأ جارفًا، ولكن الصيغة في النسخة الكتانية من الإحاطة وردت على النحو التالي: " الذين استأصلهم الموت "؛ غير إن استئصال الموت لوفدٍ يعني أنهم ربما تعرضوا لوبأ جارف، ولما كان الوبأ الذي اكتسح المشرق والمغرب قد حدث سنة ٧٤٩، فهل ذلك مما يجعلنا نقول بوفاة ابن عبد المنعم في حدود ذلك العام؟ كان ذلك ممكنًا لولا إن ابن حجر ذكر في الدرر الكامنة أن وفاة ابن عبد المنعم كانت سنة ٧٢٧، وليس هناك من سبب يجعلنا نرد هذا التاريخ، وإن لم تحدثنا المصادر عن " موتان " ألم بالمغرب في ذلك العام.
٥ - ومع ذلك كله يبقى سؤال لابد من الإجابة عليه لتوضيح الموقف: في سنة ٧٢٨ كانت سبتة تشهد قدوم السلطان أبي سعيد المريني إليها لإخضاعها، وتقويم زيغها عن الطاعة للمرنيين، وقد استجابت سبتة لإرادة السلطان، " فاحتل بقصبتها وثقف جهاتها ورم منثلمها وصلح خللها واستعمل كبار رجالاته وخواص مجلسه في أعمالها " (٣) فما هي الغاية - إذن - من الوفد في السنة السابقة؟ أليس من الطبيعي أن يكون ذهاب الوفد بعد هذه الإجراءات التي قام بها أبو سعيد المريني؟ أن القطع بتاريخ وفاة ابن عبد المنعم ليس أمرًا سهلًا، ولكن سنظل نقبل ما جاء في الدرر الكامنة، إلى أن تعين المصادر التي سيتكشف عنها المستقبل، تاريخ ذلك " الموتان " الذي يشير إليه لسان الدين.
٦ - ولكن هذه الترجمة لم تقل أي شيء يتعلق بنشاطه في التأليف. هل كان إحسانه لما يحسن قاصرًا على رغبة في المعرفة لا تتجاوز الكسب إلى العطاء؟ هل درس وتخرج على يديه عدد من التلامذة؟ هل ألف؟ هل كانت تشمل شؤون الجغرافيا - أعني هل نسلم بأن معرفته للعلوم العقلية كانت تشمل أيضًا إطلاعه على المصادر الجغرافية؟ هل قول ابن القاسم " المتفنن

(١) الإحاطة: ٦٣ (النسخة ك) .
(٢) انظر بروفنسال، مقدمة الترجمة: ١٨.
(٣) الاستقصا ٣: ١١٥ (ط. الدار البيضاء: ١٩٥٤) .

1 / 6

في المعارف " يضم حرصه على أن يكون عارفًا بشؤون البلدان؛ ثم هل يمكن أن يتجاوز ما يتقنه في اللغة والنحو والقراءات فلا يؤلف فيها، ويكون مؤلفه " الوحيد " كتابًا جغرافيًا؟ لماذا - وهذا الكتاب من أبرز ما يمثل جهده - لم تذكره الكتب التي ترجمت له؟
٧ - كل هذه التساؤلات التي أثرناها تضعنا في حيرة إزاء العلاقة بين ابن عبد المنعم و" الروض المعطار ". ومما يجعل هذا الموقف أشد عسرًا أن كل محاولة لمعرفة مؤلف الروض من خلال كتابه - عدا تلك الإشارات الصغيرة العامة التي ألمحت إليها من قبل - تبوء بالإخفاق الذريع: لنأخذ الحقيقة الأولى وهي أن المؤلف سبتي: فماذا نجد؟ ليس حديثه عن سبتة إلا من خلال الآخرين، فإنه ينقل ما يقوله الإدريسي وصاحب " الاستبصار " وليس لديه كلمة واحدة - من عند نفسه - يقولها في سبتة. أما اهتمامه بأبي العباس الينشتي (١) الذي استقل في سبتة في أواخر عصر الموحدين فإنه لا يختلف عن اهتمامه بأحداث القرن السابع جملة، وهو شيء يرجع الفضل فيه - فيما اعتقد - إلى المصدر الذي اعتمده لا إلى معرفته الذاتية العيانية.
وهل يعقل أن يقول ابن سبتة المغربي وهو يتحدث عن " سلا " (المدينة الواقعة إلى جانب الرباط) ثم عن " سلى " التي في بلاد السودان: " ولا أدري هل هذه سلا التي ذكر أنها على ضفة البحر " ثم يذكر بعد قليل أن هذه " سلى " - الثانية - " من عمالة التكروري "؟ أقول: هل يعقل أن لا يعرف بأن سلا الواقعة في منطقة الدولة المرينية ليست هي الواقعة في عمالة التكروري؟ ومثل ذلك أن يقول في " الزهراء ": " مدينة في غربي قرطبة؟ كذا قالوا، ولا أدري أهي الزاهرة المتقدمة الذكر أو غيرها ". ربما كانت المدينتان في عصره قد اندثرتا، ولكن أليس يدل هذا على أن معلوماته التاريخية - حتى عند الأندلس - كانت قاصرة، وأن المقري كان مخطئًا حين تصور أن رب البيت أدرى بالذي فيه، إذ كان قد فصل بين الماضي والحاضر عندئذ مضيق متباعد العبرين، أوسع بكثير من بحر الزقاق.
٨ - وليس في كتاب الروض ما يشارف مطالع القرن الثامن - أو يتعداها قليلًا - إلا حادثتان: الأولى في مادة " أيلة " حيث جاء " ثم أصلحها السلطان [الأشرف قانصوه الغوري آخر ملوك الجراكسة من جملة ما أصلح في طريق الحجاج في أواخر عمره قبل العشرين والسبعمائة] والثانية في مادة " لوجارة " حين تحدث عمن بقي من المسلمين بها ثم قال: " وآل أمرهم في هذا العهد القريب إلى أن أجلاهم عنها صاحب صقلية الآن ". وقد بين الأستاذ رتزيتانو أن ذلك الإجلاء قد تم على يد الملك شارل الثاني سنة ٧٠٠.
وحين نقف عند هاتين الروايتين نجد أن العبارة الأولى وردت مبتورة في نسخة بيرم باشا، كاملة في نسخة الشيخ محمد نصيف؛ وهي إلى ذلك قد تضمنت هفوة جسيمة: إذ كيف يكون قانصوه

(١) انظر مادة " ينشته " في الكتاب.

1 / 7

الغوري آخر ملوك الجراكسة في حدود سنة ٧٢٠ ونحن نعلم أنه توفي سنة ٩٢٢؟ إذن هنا يجب أن نقف عند الخطأ التقليدي للنساخ حين يضعون سبعمائة بدل تسعمائة (أو العكس) ونقول: الصواب " قبل سنة ٩٢٠ " وإما أن نعتقد أن اسم قانصوه الغوري وقع سهوًا في موضع الناصر محمد الذي أصلح طريق العقبة فعلًا قبل سنة ٧٢٠ (كان ذلك سنة ٧١٩)؛ قال ابن تغري بردي: " وفي هذه السنة (أي ٧١٩) مهد السلطان ما كان في عقبة أيلة من الصخور ووسع طريقها حتى أمكن سلوكها بغير مشقة، وأنفق على ذلك جملًا مستكثرة " (١) . وأي الفرضين اخترنا وجدنا أن الإشارة إلى هذه الحادثة لا يمكن أن تكون من عمل المؤلف، فلو قلنا أن قانصوه الغوري وقع سهوًا بدلًا من الناصر محمد لكانت هذه الهفوة من عمل إنسان آخر عاش حتى عرف من هو قانصوه الغوري؛ ولو قلنا أن التاريخ الصحيح هو سنة ٩٢٠ لكان ذلك تجاوزًا لأقصى تاريخ حددته المصادر لوفاة ابن عبد المنعم، وهو سنة ٩٠٠ كما جاء عند حاجي خليفة، وعلى كلتا الحالين نجد أنفسنا إزاء عبارة مقحمة لا دخل لابن عبد المنعم بها، وهي تتعارض من حيث الزمن مع كون الروض المعطار مصدرًا للقلقشندي المتوفى سنة ٨٢١ - كما تقدم القول - وسيزداد رفضنا لها عندما نناقش العبارة الثانية التي تدور حول إجلاء المسلمين من لوجارة:
فهذه العبارة الثانية أقوى من سابقتها بكثير، وليس من المستبعد أن تكون الإشارة فيها إلى تلك الحادثة من صنيع المؤلف نفسه، وكان الذي حدا بالأستاذ رتزيتانو إلى ربطها بعام ٧٠٠ شيئان: وقوع الحادثة حسب المصادر الأخرى سنة ٧٠٠ وورد عبارة " هذا العهد القريب " ولفظة " الآن " فيها، (وما دام ابن حجر في الدرر يحدد وفاة المؤلف بعام ٧٢٧ فلا مانع إذن من هذا الربط) وما دامت المصادر الموثوقة قد تحدثت عن حدوث ذلك الجلاء عام ٧٠٠، فمن المغالاة أن نحيطها بالشك، خصوصًا وأن التاريخ المذكور، يمكن أن يشير إليه مؤلف طعن في القرن الثامن بعدة سنوات. ولكن أحب أن أشير إلى أن لفظة " الآن " لا تعني المعاصرة أبدًا لدى صاحب الروض، فإنه إذا وجدها عند مؤلف سابق أبقاها على حالها، فإذا لم ينتبه القارئ لهذه الحقيقة جاءت مضللة. مثال ذلك قوله في مادة (طيبة): وهي الآن عليها سور حصين منيع من التراب بناه قسيم الدولة الغزي؟ " وهذا كلام الإدريسي حرفيًا؛ وذلك يكفي في تبيين نقل المؤلف عمن سبقه دون تصرف، فقد ورد هذا في غير موضع من كتابه؛ فإذا كانت عبارة " هذا العهد القريب " ذات معنى، فإنها تعني القرب من أوائل القرن الثامن، وهي بذلك تنفي الحديث الذي جاء في العبارة الأولى عن قانصوه الغوري وإصلاحه طريق العقبة قبل سنة ٩٢٠.
٩ - إذن، ليس هناك من الناحية الزمنية، ما يعطل نسبة الروض المعطار إلى ابن عبد المنعم الحميري، وإن لم يحاول فيه أن يبرز موقفه، من ناحية الأحداث، أو منتماه السبتي (أو المغربي

(١) انظر النجوم الزاهرة ٩: ٦٠ أما عن صلة قانصوه الغوري بإصلاح طريق العقبة فانظر بدائع الزهور لابن اياس ٤:١٣٣، ١٥٢؛ ٥:٩٥ (ط. القاهرة: ١٩٦١) .

1 / 8

بعامة)، أو مشاهدته الخاصة لبلد ما، ولو كان هذا البلد هو سبتة نفسها، أو علاقاته الشخصية ببعض الناس المقاربين لعصره أو المعاصرين له. إننا لن نجد إنسانًا شديد الحرص على إنكار ذاته، كما نجد الحميري، وكأنه يقول بلسان الحال: أريد أن أرتب معجمًا جغرافيًا، معتمدًا في ذلك على الانتقاء من عدد من المصادر، دون أن يكون لي أي رأي ذاتي أو عرض لتجربة خاصة.
كتاب الروض المعطار
١ - اسم الكتاب
ورد اسمه في المخطوطتين المعتمدتين: " الروض المعطار في خبر الأقطار " وكذلك ذكرته المخطوطات التي راجعها بروفنسال، وذكر في طبعة فلوجل من كشف الظنون مرة باسم " الروض المعطار في أخبار الأقطار " (١) ومرة أخرى باسم " روض المعطار في خبر الأقطار ". وحين نقل عنه صاحب نفح الطيب جعل اسمه " الروض المعطار في ذكر الأقطار "؛ وواضح أن التسمية التي اتفقت عليها المخطوطات هي الوجه الأرجح.
٢ - خطة المؤلف في كتابه
بين المؤلف في مقدمة كتابه حدود الخطة التي ألتزمها في تأليفه، فقد أراد أن يصنع معجمًا جغرافيًا مرتبًا على حروف ليسهل على الطالب كشف اسم الموضع الذي يريده؛ ولما كان استقصاء المواضع جميعًا أمرًا عسيرًا، فقد وضع نصب عينيه:
(١) أن يكون المكان مشهورًا.
(٢) أن يكون مما اتصل به " قصة أو حكمة أو خبر طريف أو معنى مستملح مستغرب ".
ولهذا فهو يعدل عن ذكر الأمكنة الغريبة التي لا تتعلق بذكرها فائدة أو خبر يحسن إيراده. ومعنى ذلك أنه يريد من كتابه أن يكون معجمًا جغرافيًا تاريخيًا - جغرافيًا يصف الأقطار وما تتميز به، وتاريخيًا بذكر الأخبار والوقائع المتصلة بتلك البلدان. وقد قاس كتابه إلى كتاب " نزهة المشتاق " فوجده أكثر فائدة، لأن نزهة المشتاق يوجز حتى في وصف البلدان، ويكثر القول في ذكر المسافات، ولا يهتم كثيرًا بالأحداث التاريخية، وليس فيه إيراد لما يستملح أو يستغرب إلا في مواطن قليلة.
كذلك فإن الحميري جعل الإيجاز - أو حاول أن يجعله - أساس خطته في ذلك الكتاب.

(١) في طبعة استانبول من كشف الظنون: ٩٢٠ (الروض المعطار في أخبار الأقطار " الأمصار ") على أن تحل إحدى اللفظتين الأخيرتين محل الأخرى.

1 / 9

وقد كان الحميري وفيًا لجانب كبير من هذه الخطة، فهو حقًا قد صنف معجمًا جغرافيًا تاريخيًا، (أو إن شئت فقل معجمًا تاريخيًا جعلت الجغرافيا مدخلًا إليه) مرتبًا على حروف المعجم، حسب ترتيبها المشرقي، ولا ندري لم اتبع هذا الترتيب مع أنه في داخل الحرف الواحد، حاول أن يتمشى على الترتيب المغربي، (هل يمكن أن نفترض أن النساخ المشارقة أعادوا ترتيبه على النحو الذي يألفونه؟) ثم هو أضرب عن ذكر عدد كبير جدًا من البلدان، وحاول في الأغلب أن يكون ما يذكره مشهورًا متصلًا بحادثة أو قصة أو معنى مستملح مستغرب ولكنه إلى جانب ذلك ذكر أماكن لا شهرة لها. ولا يتعلق ذكرها بخبر طريف أو غريب؛ وربما لم يزد التعريف بها عن سطر أو سطرين، وكثيرًا ما خرج من حيز الخبر المستطرف إلى الخبر العجيب، وغلبت عليه الروح " العجائبية " التي ظلت ترافق كثيرًا من الجغرافيين في شتى العصور؛ أما مقايسته كتابه بنزهة المشتاق فإنها مقايسة في غير موضعها، لأن الإدريسي اقتصر إلى حد كبير على " المفهوم الجغرافي " وحاول أن يقلل ما استطاع من الشؤون العجائبية، ولذا فإن الحميري حاول أن يفرض مفهومًا جديدًا هو مفهوم " المتعة والعبرة "، وذلك ربما كان في أكثر خارجًا عن مفهوم مؤلف مثل الاصطخري والحوقلي والإدريسي.
أما قضية الإيجاز فربما كان فرضها خطأ منذ البداية لأن من شاء أن " يمتع " القراء بالأخبار لا يستطيع دائمًا أن يتحكم في إيرادها، وفي مرات أحس ابن عبد المنعم أنه يتجاوز حدود الإيجاز فاعتذر عن ذلك (كما فعل في مادة الزلاقة والأندلس)؛ ولكنه لم يحاول أن يوجز حين تحدث عن إرم والأهرام وسرد قصة بعض الفتوحات في صدر الإسلام أو حين تحدث عن حرب البسوس ومعركة ذي قار. كما أن قاعدة الإيجاز اختلت لديه لأسباب أخرى منها:
١ - عدم سبكه المادة المنقولة من مصادر جغرافية مختلفة، وإنما هو يوردها تباعًا، وقد يكون المنقول عن البكري مثلًا تكرارًا - بأسلوب آخر - لما سبق أن نقله عن الإدريسي أو عن الاستبصار.
٢ - تكراره المعلومات الواحدة في مادتين مختلفتين، ما يصلح أن يكتب في مادة " الدامغان " قد يعاد نصًا من مادة " الزرادة " يجيء لبعض ما ذكر في مادة " جنابا ".
٣ - تكراره ذكر الموضع الواحد لأن اسم البلد ورد في شكلين مختلفين مثل: لياج - الياج، طرابنش - أطرابنش؛ وشقة - وشكة، وهكذا.
ثم إن تأليف معجم جغرافي مرتب على حروف المعجم لم يكن بالنسبة لابن عبد المنعم الذي لم يرحل ولم يكتب عن مشاهدة - أو حتى عن سماع - محوطًا بكثير من التوفيق، فقد ضخم الترتيب الهجائي من أخطائه - وهي أخطاء لا يمكن أن تظهر بهذا الوضوح في مؤلف جغرافي عام، لأنها تحمل على الناسخ في الأغلب لا على المؤلف، غير أنها تظهر واضحة في معجم مرتب على حروف الهجاء وقد كان الحميري يعتمد في تصنيفه على الكتب، وكان يقرأ اسم البلد حسبما

1 / 10

Al-Rawd al-Mi'itar fi Habar al-Aqtar | Usul