لأنّ الباحث عن التّأويل إمّا أن يكون من العلماء أو لا. والثّاني: ليس له أن يتأوّل قطعًا، والأوّل: إمّا أن يكون من الرّاسخين في العلم أو لا. الثّاني: ليس له أن يتأوّل ظاهرًا؛ لأنّ الله تعالى لم يجعل ذلك له، في جميع أقوال المفسرين لقوله تعالى: «وما يعلم تأويله إلا الله والرّاسخون في العلم يقولون آمنا به» [آل عمران/٧] وأمّا الأوّل -وهم الرّاسخون في العلم- فأمّا أن يكون الجاهل بالتّأويل بعضهم أو كلّهم؛ إن كان بعضهم فلا مانع منه؛ لأنّ لم تثبت العلم بالتّأويل لبعضهم بنصّ ولا ظاهر، كما أنّ آيات الإجماع لم تثبت حرمة مخالفة بعض الأمّة (١).
ويدلّ عليه أنّ الرّاسخين من جميع الفرق يختلفون في التّأويل على وجوه متنافية، فلو كان الواحد منهم لا يجوز عليه الخطأ في التّأويل لم يصح ذلك، ولم يكن لمن بعده مخالفته، ويدلّ عليه: أنّ موسى الكليم من الرّاسخين إجماعًا مع أنّه ما عرف تأويل ما احاط الخضر بتأويله، فكيف يحيط غير الكليم بعلم الله؟ مع أنّ علم الكليم والخضر في علم الله تعالى، كما يأخذ الطّائر بمنقاره من البحر، كما قال الخضر ﵇ (٢)، وإن كان الجاهل بالتّأويل كلّهم فههنا يظهر الخلاف في معنى الآية، والظّاهر أنّه لا يعلمه إلا الله تعالى، لقوله تعالى في هذه الآية في ذمّ الذين في قلوبهم زيغ: «ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله» [آل عمران/٧] وقد تأوّلها المخالفون بأنّ المراد ابتغاء تأويله الذي يوافق أهوائهم، فجعلوها من المتشابه، مع أنّ المرجع
(١) في (س): «الأئمة».
(٢) البخاري «الفتح»: (١/ ٢٦٣).