مثال ذلك أن الشيخ أبو قرين يبين لنا أسرار آيات قرآنية معينة، وأسرار كلمات معينة؛ فهذه الآية إذا قرئت كذا ألف مرة في ظلمة الليل، أو تلك الكلمة إذا نطق بها كذا ألف مرة تعد على المسبحة، ظهر ملك من ملائكة السماء فيبارك القارئ في دنياه وفي آخرته على السواء؛ فهل كنا نسمع هذه الأشياء لمجرد العلم بها؟ كلا، بل كنا نسمعها لننفذها فورا، فإذا ما جن الليل ونام الأهل، أوى كل منا إلى ركن مظلم، وأمسك بمسبحته وراح يهمس الآية أو يتمتم بالكلمة كذا ألف مرة كما أوصى، وكنا حريصين ألا ينتبه أحد من أفراد الأسرة إلى هذا الذي نصنعه، حتى لا يحول بيننا وبين أدائه، ولكن الملائكة المرتقبة لم تظهر أبدا، فهل كان يطوف ببالنا عندئذ أنها لم تظهر لأن الأمر كله خرافة في خرافة؟ كلا، بل إنها لم تظهر لأنه لا بد أن يكون هنالك نقص فينا، كأن نكون على غير طهر في الجسد، أو على غير صفاء في النفس بالدرجة التي يتطلبها ظهور الملائكة، وهكذا نرد العيب دائما إلى شيء في استعدادنا الجسمي أو النفسي، ولم نرده قط إلى تعاليم الدرس وتوجيهات الشيخ.
قيل لنا: إن من يؤذن للصلاة يظفر عند الله بثواب أكبر، فكنا نتسابق إلى الأذان للصلاة بأصواتنا المتسلخة، ولست أدري كيف كان يؤذن لنا بذلك برغم ما في أصواتنا من رداءة الأداء وقصر المدى، ولعلهم أحجموا عن منعنا خشية أن يكون في هذا المنع غضب ينزل عليهم من السماء.
تلك كانت هي الموجة الدينية الجارفة ونحن في سن المراهقة، لكنها برغم ذلك لم تكن لتتعارض في أعيننا مع حلقات أخرى، نجتمع فيها مع ثلة الأصدقاء الذين لم يكونوا يتحدثون قط إلا في الجنس وما يتصل به! أيكون هذان الجانبان من النفس الإنسانية على علاقة وثيقة أحدهما بالآخر، حتى ليحدث كثيرا أن تكون النقلة يسيرة بين الإمعان في الدعارة والإمعان في الزهد والعبادة؟ كما حدث للقديس أوغسطين، ولرابعة العدوية، ولتاييس؛ نعم، قد يكون الأمر كذلك، حتى لقد اجتمع المعنيان في كلمة عربية واحدة، هي كلمة «الحرام» بمعنى المقدس وبمعنى الممنوع فعله، فيقال المسجد الحرام بالمعنى الأول، ويقال هذا الفعل حرام عليك بالمعنى الثاني. ومهما يكن من أمر، فقد جمعت أعوام المراهقة في حياتي بين حلقتين في آن واحد: الحلقة الدينية، وحلقة الحديث في شئون الجنس.
لكن التقاء الجانبين في نفس واحدة تعاني تحول المراهقة، لم يكن يخلو من صراع داخلي عنيف، وكيف أنسى ذلك اليوم من رمضان وقد نال الصوم مني ما نال، فتهافت الجسد وانهار، وانتشى الروح لهذا الضعف نفسه الذي هد الجسد؛ إذ علمونا أن الروح والجسد عدوان ما ينفكان يتصارعان، وهزيمة الإنسان هي في أن تكون الغلبة للجسد وشهواته، وسموه إنما يكون في أن تتغلب الروح؛ إذن فقد كنت يومئذ مهدود الجسد منهوك القوى من وطأة الصيام في ذلك الحر الشديد، لكنني كنت بروحي في سماء عالية من الطمأنينة والرضى.
ويومئذ مررت في بعض طريقي على دار أسرة تربطنا بها وشائج الصلة الوثيقة، لأقضي فيها ساعة القيلولة قبل أن أستأنف السير، ودخلت غرفة الضيوف وهي قريبة من الباب الخارجي، بعيدة عن بقية أجزاء المنزل، وفي تلك الغرفة وجدت فتاة من الأسرة - في مثل سني - قد جلست إلى مكنة الخياطة تهز قاعدتها بقدميها، وتمسك الثوب المخيط بيديها، فيكون لجسمها بهذه الحركة شيء من التوقيع والنغم؛ أما أنا فقد حييت وجلست إلى منضدة قريبة وفتحت القرآن - وكنت أحمله معي - وأخذت أقرأ في همس، لا أحول بصري نحو الفتاة إلا إذا وجهت إلى شيئا من عابر الحديث، فأرد عليها أو أوجه إليها شيئا فترد؛ فلقد كان بيننا وبين أسرة الفتاة من قوة الروابط ومن إلف العشرة ما لم يجعلني أفكر في الفتاة على أنها قد تكون من ذلك الجنس العجيب الذي تحدث عنه الأصدقاء في أسمارهم التي لم تنقطع ساعة واحدة من نهار، ولم يطف برأسي قط - والله يعلم أنني صادق فيما أروي - أن تلك الفتاة التي تجلس على مقربة مني، قد تكون هي النافذة التي سأطل منها - لأول مرة - على ذلك العالم المسحور، أبدا لم يطف ببالي شيء من هذا، وكأن كياني كله عندئذ كان هو ذلك القرآن الذي أخذت أتلو آياته في همس، مدخلا نفسي في عالمه، ومازجا معانيه - بقدر إدراكي لها - بشغاف قلبي؛ فكم علمنا الشيخ أبو قرين أنه رب صائم لم ينله من صيامه إلا الجوع والعطش، ولم أرد أن أكون أنا هذا الصائم الذي يصوم عبثا، وفجأة دبرت الأحداث أمرا، وهو أن دخل عم الفتاة يسألها إن كان لديها شيء يلف فيه ثوبا جديدا كان يحمله على ذراعه، فأجابت بالنفي وخرج العم، وعلقت الفتاة بعبارة تشير بها إلى معنى خفي، وقرنت العبارة بابتسامة تنادي وبنظرة تدعو.
فإذا كنت قد رأيت شرارة النار ماذا تفعل بكومة من الدريس الجاف، فقد رأيت ماذا فعلت تلك الشيطانة بجسدي الذي كان الصوم قد جففه! لقد أشعلت في أحشائه نارا - على سبيل الحقيقة لا على سبيل المجاز - لأنني أحسست عندئذ لهب النار يأكل جوفي أكلا، ويعلو إلى وجهي فيشويه، وتحول كياني الملتهب إلى عينين ذاهلتين تنظر إلى الشيطان وقد تجسد في إنسانة من البشر! لكن لساني لم ينطق بحرف، وسمر بدني كله على مقعدي، وعيناها ما زالت تدعو، وابتسامتها ما زالت تنادي؛ ومضت ساعة أو ساعتان أو لا أدري كم ساعة مضت، حتى دنا وقت الغروب ووجب الرحيل.
خرجت أسلم باللفظ من بعيد، وذهبت إلى دارنا؛ مصحف القرآن في يدي، وجسد الصائم المنهوك يمشي بخطوات سريعة، لا أعلم من أين جاءه الوقود ليسرع، لكنه أسرع، ووصل إلى الدار لحظة غروب الشمس، وأفطر الصائم، وذهب ليستمع إلى الدرس الديني بين يدي الشيخ - بعد صلاة العشاء والتراويح - منصتا أضعاف ما كان ينصت كل ليلة، وخاشعا أضعاف ما كان يخشع، كأنه أراد بذلك أن يقيم الأسوار الحصينة بينه وبين الغواية؛ لكن هيهات؛ فلقد انفتح الباب الموصد عن العالم المسحور، لقد كانت روحي يومها من جسدي كأنها يوليسيز من سفينته أثناء تجواله في البحر، حين ربط جسده إلى قلعها وشد على نفسه الوثاق؛ إذ قيل له إن الساحرات في إحدى الجزر على الطريق، تغنين بصوت خلاب لا يملك دفعه إنسان من البشر، فينعرج الملاحون بسفائنهم إلى حيث الصوت الساحر، حتى إذا ما وقعوا في فخاخ الساحرات دارت بهم الحتوف، ولم يرد يوليسيز أن يضعف أمام الإغراء، فشد نفسه إلى قلع السفينة شدا، لكن السفينة اضطربت أي اضطراب ومالت أيما ميل، وهكذا كنت يومئذ من ساحرتي؛ تلك الشيطانة التي رسمت في نفس الفتى المراهق صورة للمرأة كيف تكون، فتوالت الأيام وكرت الأعوام، لكن الصورة قد رسخت في نفسه لا تزول.
وها هنا يخطو الفتى خطوة نفسية قصيرة المدى، فإذا هو مغمور بحبه لقراءة الشعر، وما هو أقرب إلى الشعر من نثر الناثرين؛ فالزملاء في المدرسة ما يفتئون يباهي بعضهم بما قرءوا من الشعر وبما حفظوا، وأخذت تتردد بينهم أسماء سمعتها لأول مرة: الأجنحة المتكسرة لجبران خليل جبران، وليالي سطيح والبؤساء لحافظ إبراهيم، والعبرات للمنفلوطي، فاندفع فتانا في هذا العالم الجديد اندفاعا، لكن كلما قرأ قصيدة في الغزل، أو وقع على كلام فيه لوعة الحب، فهمه على ضوء ما كان يحسه إزاء تلك الشيطانة التي رسمت أمام خياله معالم الطريق.
فلطالما عبرت طريق الأعراف بين عالم الجسد وعالم الروح، فأعرج إلى السماء مرة وأهوى إلى الأرض مرة، وتجسدت لي العلاقة بين الأرض والسماء، كم هي قريبة إذا شاء الله. ذات يوم وكان قد جاء إلى الأسرة وافدتان جديدتان هما أختان، ثم وافد ثالث هو أخ لم يلبث على وجه الأرض إلا عاما وبعض عام، وثقلت عليه العلة، ولم ينقطع له أنين عدة أيام، وفي ذلك اليوم الذي أعنيه - ساعة الضحى - لم يبق في الدار - فيما أذكر - إلا أمي وأنا، ولا أدري أين ذهب الباقون، وكان لا بد للأم أن تنظر في شئون البيت، فأجلستني متربعا على السرير، ووضعت الطفل العليل على ركبتي لئلا أرفع عن وجهه نظري؛ لأنها كانت تخشى فيه أمرا، ومضت ساعة أو أكثر أو أقل، والحشرجة تزداد في صدر المحتضر، ثم ما هو إلا أن مال برأسه وسكنت الحشرجة، ولم يعد الصدر يعلو ويهبط كما كان يفعل؛ لقد مات راقدا على ركبتي، فصرخت فازعا، وجاءت الأم في هلع، ونظرت إليه، وحملته ملهوفة عليه، وكأنها لم ترد أن تصدق أنه مات، فصاحت في: اذهب كالبرق وناد خالتك أم محمد لتفحصه؛ فلا أطباء، ولا أحد من أفراد الأهل الأقربين هناك لأدعوه، ولم يبق أمامها من موئل إلا جارة وقورا، هي التي صاحت بي أمي أن أناديها على عجل.
وكان ذلك أول موت شهدته على مقربة، حين كانت النفس مني حائرة بين أرضها وسمائها، فعلمت بما قد رأيت أن المسافة قريبة بين الأرض والسماء.
Shafi da ba'a sani ba