Labarin Falsafar Zamani
قصة الفلسفة الحديثة
Nau'ikan
Touraine ، وكان أهله من ذوي الغنى واليسار، ولما شب وترعرع أدخله ذووه مدرسة اليسوعيين في «لافليش
La Fléche » التي كان أسسها هنري الرابع قبل ذلك بعهد قريب، ولكنه لم يلبث أن غادرها كارها ناقما، وكأنه لم يفد من ذلك المعهد إلا الازدراء لما كان شائعا حينئذ من نظم فلسفية، فلقد عجز الفلاسفة عن حل المسائل التي أخذوا أنفسهم بحلها، واختلفوا فيما بينهم اختلافا بلغ من الحدة أنك لا تكاد ترى بينهم رجلين اثنين على اتفاق في الرأي، ولقد حمله ذلك العجز وهذا الاختلاف «ألا يروي ظمأه من غدرانهم.» يقول ديكارت: «لم تكد تسمح لي سني بالإفلات من رقابة معلمي، حتى هجرت دراسة الآداب هجرا قاطعا، وأزمعت ألا أنشد من العلم إلا معرفة نفسي، أو الإلمام بسفر الكون العظيم، فأنفقت ما بقي من عهد الشباب، في الارتحال: أزور الملوك في قصورهم، وأنخرط في سلك الجيوش، وأبادل الحديث رجالا من ذوي المناصب المتفاوتة والطبقات المتباينة، وأجمع من التجربة ألوانا شتى، ولقد كنت أغوص بفكري فيما أصادف من تجارب لعلي أفيد علما جديدا.»
رينيه ديكارت.
هكذا لبث «ديكارت» يجول في البلاد، ولا يستقر في مكان، فيلتحق بخدمة الجيش مرة، ويدرس الرياضة طورا، ويحاور رجال العلم النابهين تارة، حتى بلغ من عمره الثالثة والثلاثين، فألقى عصا تسياره في هولندا، وكان له من الثروة الموروثة عن أبيه ما يهيئ له أسباب العيش. ولبث في هولندا عشرين سنة، اعتزل خلالها الناس، وأخفى عنهم محل إقامته حتى لا يزعجه في وحدته الهادئة أحد من مئات المعجبين به الذين كانوا يودون زيارته من كل صوب.
وفي سنة 1649م أرسلت في طلبه الملكة كرستينا، ملكة السويد (ابنة جوستاف أدولف) فلبى ديكارت دعوتها، ولم تكد تصل به السفينة إلى أرض السويد، حتى أرسلت الملكة إلى ربانها تستنبئه كيف كانت حالة الفيلسوف في طريقه إلى بلادها. فأجاب الرجل: «لست أحسبه يا سيدتي إنسانا من البشر، فإن من جئت به إلى جلالتك اليوم لأقرب إلى مرتبة الآلهة. إنه زودني من العلم في ثلاثة أسابيع في شئون الملاحة والرياح أكثر مما تعلمت في ستين سنة أنفقتها في البحار.»
وشاء الله أن تكون زيارة الفيلسوف لملكة السويد سببا في موته، فقد كانت كرستينا - وقد عرفها التاريخ بالنشاط الجم والحيوية المتوثبة - تستيقظ في الصباح المبكر، وكانت تأبى إلا أن يكون درس الفلسفة في تلك الساعة المبكرة، فلاقى ديكارت من هذا الأمر المتعسف ما لاقى من مرض وعناء، إذ كانت عادته أن يستيقظ مع الضحى، ويظهر أنه قد كانت بنيته لا تقوى على برد الصباح القارس الذي كان يقاسيه في طريقه إلى القصر، فأزمع مغادرة السويد، ولكن الملكة ألحفت في بقائه، فأصابه برد الشتاء بعلة في رئتيه أودت بحياته سنة 1650م في اليوم الحادي عشر من فبراير، وكانت سنه قد بلغت الرابعة والخمسين.
أما أشهر مؤلفاته فهو كتاب «العالم
Le monde »، لم يكد يفرغ من كتابته حتى جاءه نبأ اتهام البابا لجاليليو لنظريته الفلكية، وكان كتاب ديكارت قائما على أساسها، فذعر وهم بتمزيقه، ولكنه ضن به فأبقاه على أن يظل من غير نشر. وفي سنة 1638م نشر «مقالات فلسفية». وقد ألحق بهذا الكتاب ثلاث رسائل تطبيقا على ما جاء به من نظريات، وعلى الرغم من أن «ديكارت» قد أصدر هذا الكتاب، وملحقاته الثلاثة غفلا من اسمه، إلا أن أحدا في أوروبا لم يرتب في أن مؤلفه هو «ديكارت» وفي سنة 1641م أصدر مؤلفه «تأملات في الفلسفة الأولى» كتبه باللاتينية، وهو أهم كتبه كلها، وقد تداوله كثير من العلماء قبل طبعه، وأبدوا بعض اعتراضات عليه، فنشرها ونشر رده عليها مع الكتاب نفسه، ثم أخرج بعد ذلك كتاب «المبادئ الفلسفية» كتبه باللاتينية ايضا، وله كتب أخرى غير ما ذكرنا. (2) فلسفته (1)
إثبات وجود الذات:
يقول «ديكارت» إننا نلاحظ كيف يختلف الناس في أفكارهم وآرائهم، وكيف تخدعنا الحواس في كثير من الأحيان، فيبعث الشيء الواحد شتى الصور في الظروف المختلفة، مما يتعذر معه معرفة أي هذه الصور الذهنية صحيح مطابق للواقع، وأيها خطأ وباطل. فإذا كان العقل البشري بحكم تكوينه معرضا للخطأ. وإذا كانت الحواس بطبيعة تركيبها خادعة لا تؤتمن فيما تنقله إلينا من علم. فليس لنا بد من الشك في أحكام العقل، وفي الآثار الحسية جميعا. لا نستثني من هذه أو تلك شيئا حتى ما يبدو منها بديهيا لا يحتمل الريب ... فنحن نعلم فيما نعلم أن هنالك عالما مليئا بأنواع المادة، فثمة سماء وماء وأشجار وأحجار وصنوف من الحيوان والنبات، ولكن أليست هي الحواس التي أنبأتنا بوجود هذه الطبيعة بكل ما فيها؟ فلنشك في وجودها إذن لأن الحواس غاشة خادعة. ونحن نعلم فيما نعلم أن ثمة إلها يدير الكون ويدبره، وقد عرفنا وجود الله بوساطة العقل، ولكن العقل كثيرا ما يؤدي بنا إلى الخطأ والزلل. وإذن فلنشك في وجود الله، وما دمنا قد شككنا في وجود الطبيعة وفي وجود الله، فقد انهدم علمنا بأجمعه وانمحى؛ لأنك لو حللت معلوماتك كلها لوجدتها مستمدة من هذه المصادر وتدور حولها، ولكني مهما شككت وقضيت على كل شيء مما أعلم، فستبقى لي حقيقة واحدة تبقى أمام الشك الجارف، وستظل ثابتة لا تميل أمام عاصفة الإنكار التي اكتسحت كل شيء، بل إنها ستزداد يقينا كلما أمعنت في الشك والإنكار، وتلك الحقيقة هي أن هناك ذاتا تشك فإن من الشك نفسه تتولد حقيقة لا سبيل إلى الطعن في ثبوتها ويقينها، هي وجود الشخص الذي يشك، فلأتصور ما شئت أنني مخدوع في وجود الأشياء الخارجية، ولأرفض ما شئت فكرة وجود الله، ولكني مضطر إلى التسليم بوجود نفسي؛ لأنني لكي أخطئ في هذا، وأنخدع في ذاك. يجب أولا أن أكون موجودا.
Shafi da ba'a sani ba