ثم تدلى الرأس وهبط الجسد الغض، إذ ذاك ذعر الرفاق لموت رئيسهم، ولا يمكنني وصف اليأس الذي استولى علينا جميعا، فتفرقنا وهممنا أن نختبئ وراء أكياس الرمل بينما كانت الجثث تتساقط كما في لعبة الكيل.
وبعد أن اختبأت لحظة رأيت الجندي «بونو» يناضل وحده نضال المستميت، فخجلت من نفسي وتبعته، ثم نظرت إلى يميني ورأيت الخندق وطوله يبلغ الثلاثين مترا، والألمانيين من خلفه يضاعفون الهمة ليدخلوه، وبغتة دخل إلى رأسي فكر هائل وقلت: لأذهبن وأرى ماذا يجري هناك، كانت الفكرة سريعة تكهرب لها جسدي فمشيت ... ويا لهول ما رأيت! الأموات أكداسا أكداسا وأنا وحدي بينهم، فجننت من غيظي عندما رأيت الأعداء يتقدمون وقلت: إذن قد نحر كل هؤلاء الأحباء عبثا، وسيأتي العدو ويدوس بحوافر خيله هذه الوجوه الجميلة؟ لا، لا، إن هذا لن يحدث! لن يحدث أبدا.
والتفت إلى الأموات في الحفر وصرخت: ماذا تفعلون هنا؟ ما بالكم نياما؟ وقوفا أيها الأموات! وقوفا أيها الأموات!
ولم أعد أرى سوى ألوان حمراء أمام عيني، وشعرت بأن أرواح الأموات كلهم تتحد مع روحي، ورأيت الرفاق يتراكضون حولي ويصيحون بأصوات كالرعد: وقوفا أيها الأموات! وقوفا أيها الأموات!
ما جرى بعد هذا. لا يمكنني أن أقول بالتدقيق؛ لأنني أشعر بالضباب يغشى ذاكرتي. أذكر أن إيماني في تلك الدقيقة كان يزحزح الجبال، وخيل لي أني كبرت وأصبحت شيئا عظيما له قوة غير متناهية وغير محدودة، شعرت أن لي عيونا وأيدي كثيرة، بهذه أضرب، وبتلك أصدر أمرا، بهذه أصيب، وبتلك أنجو من قنبلة، ولم نزل كذلك حتى ذابت قوة الأعداء أمام حماسنا الإلهي، فتراجعوا.
وبعد هذا أتى إلي رفاقي وهنئوني، فكان كلامهم أطيب على قلبي من الصلبان والميداليات.
والآن، أرجو منك أيها الكاتب أن تصدق أنني لست بطلا، ولم يكن لي في سابق حياتي شيء من الشجاعة، وكثيرا ما ارتجفت قبل الهجوم على خندق. إن ما عملته في ذلك اليوم لا فضل لي به، الفضل هو لرفاقي الأحياء والأموات الذين كانوا قدوة لي في الحياة وفي الموت.
2
ما نرى وما نسمع
نسمع همسا ولغطا وصريرا، بل صراخا وعويلا، نسمع الشتائم واللعنات حتى، ولقد سمعت كلاما بذيئا، فقلت في نفسي: سيبقى الشرق شرقا حتى يتدرج ويتطور ويتقلب في كل الظروف التي جعلت الغرب غربا.
Shafi da ba'a sani ba