Ƙananan Ganye na Zinariya da Ma'adinan Jawahir
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وسمعا منه في الوقت الذي قتل فيه، فإنه قد خرج إلى المسجد، وقد عسر عليه فتح باب داره، وكان من جذوع النخل، فاقتلعه وجعله ناحية، وانحل إزاره، فشده وجعل ينشد هذين البيتين المتقدمين. وقد كان معاوية دس أناسا من أصحابه إلى الكوفة يشيعون موته، وأكثر الناس القول في ذلك حتى بلغ عليا، فقال في مجلسه: قد أكثرتم من نعي معاوية، والله ما مات ولا يموت حتى يملك ما تحت قدمي، وإنما أراد ابن أكلة الأكباد أن يعلم ذلك مني، فبعث من يشيع ذلك فيكم ليعلم ويتيقن ما عندي فيه، وما يكون من أمره في المستقبل من الزمان، ومر في كلام كثير يذكر فيه أيام معاوية ومن تلاه من يزيد ومروان وبنيه وذكر الحجاج وما يسومهم من العذاب، فارتفع الضجيج، وكثر البكاء والشهيق، فقام قائم من الناس فقال: يا أمير المؤمنين، ولقد وصفت أمورا عظيمة، الله إن ذلك كائن؛ قال علي: والله إن ذلك لكائن، ما كذبت ولا كذبت، فقال آخرون: متى يكون ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا خضبت هذه من هذه، ووضع إحدى يديه على لحيته والأخرى على رأسه، فأكثر الناس من البكاء، فقال: لا تبكوا في وقتكم هذأ فستبكون بعدي طويلا، مكاتب أكثر أهل الكوفة معاوية سرا في أمورهم، واتخذوا عنده الأيادي، فوالله ما مضت إلا أيام قلائل حتى كان - ذلك، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب - بعد ذكرنا لزهده ولمع من كل أمه - جملا من أخباره أيضا في أيام معاوية بن أبي سفيان، والله ولي التوفيق.
ذكر لمع من كلامه وأخباره وزهده رضوان الله عليه
خيار العباد
لم يلبس عليه السلام في أي أمه ثوبا جديدأ، ولا أقتنى ضيعة ولا ربعأ، إلا شيئا كان له بينبع مما تصدق به وحبسه.
والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة؛ وتداول الناس ذلك عنه قولأ وعملا.
وقيل له: من خيار العباد؟ قال: الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا وإذا أعطوا شكروا وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أغضبوا غفروا.
وصف الدنيا
وكان يقول: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، الدنيا مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحيه، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، ومن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها، ومثلت لهم ببلائها البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور، وراحت بفجيعة، وابتكرت بعافية؛تحذيرا وترغيبا وتخويفأ، فذمها رجال غب الندامة، وحمدها آخرون غب المكافأة، ذكرتهم فذكروا تصاريفها، وصدقتهم فصدقوا حديثها، فيا أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها، متى استدامت لك الدنيا؟ بل متى غرتك من نفسها؛ أبمضاجع آبائك من البلى؟ أم بمصارع أمه آتك من الثرى؟ كم قد عللت بكفك ومرضت بيدك من تبغي له الشفاء وتستوصف له الدواء من الأطباء! لم تنفعه بشفائك، ولم تسعف له بطلبتك، وقد مثلت ذلك به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك: غدا لا ينفعك بكاؤك، ولا يغنى عنك أحباؤك - ولا تسمع في مدح الدنيا أحسن فن هذا.
ومما حفظ من كل أمه في بعض مقاماته في صفة الدنيا أنه قال: ألا إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد دنت مقبلة، ولهذه أبناء، ولهذه أبناء، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا، والراغبين في الآخرة، إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطأ والتراب فراشا والماء طيبا، وقوضوا الدنيا تقويضا، ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن راقب الآخرة سارع في المخيرات، ألا وإن لله عبادا كأنهم يرون أهل الجنة في الجنة منعدين مخلدين، ويرون أهل النار في النار معذبين قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، أنفسهم عفيفة، وحاجتهم خفيفة صبروا أياما قليلة فصارت لهم العقبى، راحة طويلة، أما الليل فصافو أقد أمه م، تجري دموعهم على خدوهم، يجأرون إلى ربهم، ويسعون في فكاك رقابهم، وأما النهار فعلماء حكماء بررة أتقياء ، كأنهم القداح براهم الخوف والعبادة ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى، وما بالقوم من مرض، إن خولطوا فقد خالطهم أمر عظيم من ذكر النار ومن فيها.
Shafi 343