إنني حينئذ أفعل بأصدقائي ما أفعل بكتبي. أحب أن يكونوا لي حيث أستطيع أن أجدهم، ولكني قلما أفيد منهم . لا بد لنا من صحبة تخضع لشروطنا، نقبلها أو نستبعدها لأتفه الأسباب. ليس بوسعي أن أكثر من الحديث مع صاحبي. إذا كان عظيما جعلني من العظمة بحيث لا أستطيع أن أتنزل إلى الحديث. وفي الأيام العظيمة تحلق الخواطر أمامي في الأفق. وينبغي لي إذن أن أهديها نفسي. إنني أقبل أو أدبر لكي أظفر بها. ولا أخشى إلا أن أفقدها فتتراجع في السماء التي تبدو فيها الآن كرقعة من الضوء اللامع. إنني عندئذ حتى إن ظفرت بأصدقائي، لا أستطيع أن أتحدث إليهم وأدرس رؤياهم خشية أن أفقد رؤياي. وإنه حقا لمما يعطيني شيئا من المتعة الصائبة، أن أتخلى عن هذا البحث العميق، وعن هذه الأفلاك الروحية، أو البحث عن النجوم، وأهبط إلى مبادلتك العطف الحار، ولكنني حينئذ أعرف جيدا أنني سوف أبكي دائما اختفاء آلهتي العظام. حقا سوف تنتابني في الأسبوع المقبل حالات عقلية واهنة، أستطيع فيها كل الاستطاعة أن أشغل نفسي بأشياء غريبة عني، ولكنني حينئذ سوف أندم على أدب عقلك الذي أضعت، وأتمنى أن تكون إلى جانبي مرة أخرى. ولكنك إن عدت فلربما تملأ عقلي بالرؤى الجديدة فقط، لا بنفسك، ولكن بمظاهرك البراقة، ولا أستطيع أن أتحدث إليك بأكثر مما أتحدث به إليك الآن؛ ولذا فإني سوف أكون مدينا لأصدقائي بهذا الاتصال الزائل. إنما أريد أن آخذ عنهم لا ما يملكون ولكن ما هم عليه. إنهم بذلك يعطونني ما لا يستطيعون إعطاءه حقا، ولكن ما يصدر عنهم. بيد أن صلتي بهم لن تكون أقل نفاذا أو أقل صفاء. فسوف نتقابل كأننا لم نفعل، ونفترق كأننا لم نفترق.
ظهر لي أخيرا أن الصداقة يمكنها - أكثر مما عرفت - أن تسير شوطا بعيدا في جانب، دون أن تقابلها صداقة مماثلة في الجانب الآخر. لماذا أقيم العراقيل أمامي بالندم على أن من يتقبل مني ليس كفئا لما أعطيه؟ إن الشمس لا يؤذيها قط أن بعضا من أشعتها يسقط عبثا وعلى غير هدى على فضاء جاحد، ولا يسقط منها إلا اليسير على الكوكب الذي يعكس الضوء. دع عظمتك تعلم الزميل الجلف البارد. فإن كان لا يوازيك فسوف يختفي لتوه، ولكنك تكبر بإشراقك، ولن يحلق بعد ذلك رفيق الضفادع والديدان مع آلهة السموات العلا أو يشتعل معهم. يحسب الناس أن من العار أن تحب بغير جزاء، ولكن العظماء يرون أن الحب الحقيقي لا يمكن أن يكون بغير جزاء، الحب الصادق يتخطى الأشياء التي لا قيمة لها، ويحدق ويتأمل في الأشياء الخالدة، وعندما يتحطم القناع الواهن الحائل لا يحزن الحب، ولكنه يشعر بالخلاص من التراب الكثيف، ويحس بزيادة القوة في استقلاله، ومع ذلك فإننا نكاد لا نستطيع أن نقول ذلك دون أن نخون صلة الصداقة بعض الخيانة. إنما لب الصداقة الكمال، والعزة، وتمام الثقة. ولا ينبغي لها أن تتوهم الضعف أو أن تتزود به. إنها تعامل الطرف الآخر كالإله، كي تؤله الطرفين.
البطولة
الجنة تحت ظلال السيوف.
محمد ***
إنما يشرب الخمر القاني الأوغاد،
وينفق السكر ليسمن العبيد،
ويتحلى الماجنون بالورد وأوراق الكروم،
والسحب ذات الرعد أغصان يتحلى بها جوف،
وتتدلى دائما كأنها أكاليل من الرعب،
Shafi da ba'a sani ba