11
ووالله قد حسن إيقاعه وحلا نبره، كأنما وكل إلى طويس
12
نقره، وسمعت معازف أخرى جعلت تتنغم وتترنم، حتى خلتها من جودة الإيقاع تتكلم، فشاع في الطرب، بقدر ما تداخلني من الدهش والعجب!
ثم ارتفع صوت لولا البيان لقلت: سجع كنار، أو شدو هزار، ولقد راح يشتد ثم يلين فيشف، ويحلق ثم يهبط ويسف، وآنا يطرد ويستوي، ثم إذا به ينثني ويلتوي، ويسترسل ثم يتعرج ويتعطف، ويتقدم ثم ينحاز ويتحرف، والكبد تتياسر معه وتتيامن، والقلب يتطاير ثم يتجمع ويتطامن، والنفس يرتفع كلما ارتفع، ويقع معه حيثما وقع!
وما برح العفريت في شدوه وتسجيعه، وترديده وترجيعه، حتى ذهب الطرب بي كل مذهب وغلب علي، ولم أقو على شق ثوبي فجعلت ألدم صدري، وليت شعري أفأمسى هذا العفريت يرد على المسامع، صنعة إسحاق وغناء ابن جامع؟
13
وما فرغ العفريت من غنائه، حتى أنشأ يقص علينا أحدث الأحداث في قواصي الأرض وأدانيها: صينها وهندها، وشينها وسندها، وعراقها وحجازها، ونجدها وأهوازها، ومصرها وسودانها، فقلت: لصاحبك: كيف للجني بهذا وهو قيد أسره، ورهن محبسه؟ فقال: إنما يوسوس له بهذه الأنباء إخوانه من المردة والشياطين، قلت: الأمر لا بد أن يكون هكذا!
سيداتي، سادتي
لقد تعاظمني أن أدع الرجل سادرا في ضلته، فقلت له: اسمع يا أخا العرب! والله لقد كذبك وهمك، وما صدقك صاحبي! فنظر إلي الرجل نظرة المأخوذ، وعلق نفسه وفغر فاه، ثم قال لي في لهفة ودهش: وكيف ذلك يا ابن أخي جعلت فداءك؟ قلت: إن الذي رأيت إنما هو من صنع مردة الإنس لا من صنع مردة الجن! ... ورحت أبين له حقيقة «الراديو» على قدر ما يتعلق منه بعلمي ويتسع له فهمه، وطفقت أضرب له ما حضرني من الأمثال، والرجل بين مصدق ومكذب، فلما أعياني أمره دعوت «بالراديو» وأظهرته على خلفه، ليرى بعينه ما في جوفه، فلما قطع اليقين عنده علائق الشك، زفر زفرة طويلة، ثم تمثل ببيت البحتري في وصف إيوان كسرى:
Shafi da ba'a sani ba